هل نفذ صدام آخر أسلحته في الحرب؟ نهب الآثار وحرق المكتبات جزء من سياسة الأرض المحروقة وهذه الأدلة
قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
&
&
لقد هالتا منظر المتحف العراقي وهو يكاد يكون خالي الوفاض من محتوياته المتمثلة بكنوز تاريخ البشرية التي لا تقدر بثمن أو قيمة. ويعدها خبراء الآثار في العالم السجل الآمين لمسيرة الإنسان ومهد حضاراته ومخزن منجزاته.
في ليلة وضحاها وفي ظروف دراماتيكية تمثلت بانهيار نظام الديكتاتورية العتيد في العراق، والذي خلف انهياره السريع أسئلة أخرى تبحث عن إجابات موثقة لا تكهنات وفرضيات تبحث عن أدلة وإثباتات.
لكن الأسئلة الأهم هي تلك التي تنبع من قلوب ملتاعة لما حصل ويحصل من نهب وتدمير لكنوز البشرية في العراق ومن المسؤول بل الجاني في هذا الفعل الغادر.
تتوزع التهم على القوات الأميركية المتواجدة والمواطنين العراقيين (إما عن جهل أو عن قصد إجرامي لغرض السرقة والإثراء أو كليهما)، أو الاحتمال الثالث وهو الذي يشير إلى كوارث صدام وجناياته تجاه الشعب العراقي والإنسانية والذي يدخل ضمن نظرية الأرض المحروقة في الحروب ذلك بعد فشل مراهناته على تضامن الشعب والجيش وقوة الجيش وما يسمى بجيش القدس وجحوش صدام (فدائيي صدام) والمرتزقة العرب أو الجهلة بحقيقة الوضع بالعراق وحقيقة انفصام العلاقة بين العصابة التي كانت تحكم والشعب وكذلك فشل المراهنة على حرب المدن والبعثيين وبائعي الذمم للدفاع عن نظام صدام المنهار.
إن المتتبع لتاريخ صدام في حكم العراق والقارئ بموضوعية للمشهد العراقي المتأزم في الوقت الحالي لا تغيب عن باله نظرية الأرض المحروقة وتطبيقها في الواقع العراقي والتي راهن عليها صدام في كثير من المعارك والمناسبات.
وفي ضوء تتبع مراهنة صدام هذه وصدقية تحققها في مناسبات سابقة فإننا نصبح هنا في غنى عن تحليل شخصية صدام حسين وتنشئته الاجتماعية وممارساته الحياتية الأخرى سواء كان في مركز السلطة او قبلها. ونزعم أن ما لدى القارئ العربي الكثير مما يعرفه عن صدام وخاصة ما كشفته وسائل الإعلام وما زاد الصورة اتضاحا من خذلان لامال من توهموا وتعلقوا به كمحقق لطموحاتهم، وكشخص طارئ على التاريخ وابعد من ان يولى ادارة قرية فما بالك ببلد مثل العراق أو طموحات أمال أمة محبطة.
للتذكير وربطا لبعض الحقائق المتعلقة بالموضوع نذكر التالي:
& إن صدام شخصية انتهازية وصولية ذات طابع إجرامي تؤمن بالعنف كأحد الوسائل الرئيسية لتحقيق أهدافها. وتاريخ تسلقه السلطة وممارساته ضد حتى من يشك بهم من زملائه أو أقربائه هي شواهد على ذلك. وقد أكدت هذا شهادات الكثير من أهل منطقته و معاصريه.
& عدم وجود ثوابت أو روادع قانونية تحدد ممارساته السلوكية وتهوراته وهو القائل " ما القانون؟ القانون نص أنا اكتبه وأمزقه واتي بغيره". وأدلة أخرى لتهوره واستخفافه بالالتزامات والقوانين والمواثيق العربية والدولية كثيرة منها غزو الكويت ، أو عدم احترامه حتى للقيم الأخلاقية أو القبلية التي طالما تشدق بها ومنها عدم إيفائه بوعد العفو الذي قطعه على نفسه لاجل عودة صهريه حسين كامل وأخيه من الأردن بعد انشقاقهما عليه، أو وعوده للرئيس حسني مبارك بعدم الاعتداء على الكويت وغيرها مما لا يسع المجال هنا لذكرها.
& انه شخص مفرط الحب لذاته ومسكون بمرض البارانويا (جنون العظمة) وأدلة ذلك الصور والتماثيل وقصائد المديح والاغاني التي تمدحه والقصور الفخمة، وكان يشرف شخصيا على تنظيمها وتوجيهها لمصلحته ويغدق الأموال الكثيرة على من يقدموها له.
وهذه كلها تعزز احتمال ان تكون عمليات نهب وتدمير المتاحف وحرق المكتبات من مخططاته.
أما عن سياسة الأرض المحروقة التي يؤمن بها صدام، فقد صرح بها في عدة مناسبات واتبعها في أخرى وهنا بعض مما يؤكدها:
1-& في مرحلة الحرب ضد إيران وما كان يشاع بالأعلام العراقي والعربي من أن إيران تطمع بضم العراق، وبغض النظر عن صحة النوايا الإيرانية أو عدمها، تأملوا فكر صدام حسين الذي يقول في ذلك " الخميني يريد العراق، والله لأعطيه إياه تراب".
2-& قبل حرب تحرير الكويت، كانت هناك الكثير من التحذيرات المخلصة من زعماء عرب ومحللين سياسيين وعسكرين وصحفيين تحذر صدام من مدى خطورة وفاعلية الأسلحة الحديثة لدى أميركا والحلفاء، فكان رده " وشنو يعني؟ العراق 18 محافظة، خلي يبقوا 14 محافظة" !!؟. او قوله بهذا الخصوص أيضا " العراق 18 مليون نسمة خلي يبقى 16 مليون" !!؟
3-& كان آخر أسلحة صدام التي استخدمها في حرب تحرير الكويت هي إحراق آبار النفط الكويتية، وهذا دليل مهم على إيمانه بهذه النظرية الحربية البائدة والبعيدة عن أي قيمة أخلاقية في عرف السياسة والعسكرية ناهيك عن الوطنية.
4-& وقد تكرر هذا الفعل الجبان بحرق آبار النفط العراقية بعد دخول قوات التحالف إلى جنوب العراق، وهو تكريس لهذه الفكرة البائسة بدليل عدم نجاحها وتقلص أضرارها وهي أضحت مكشوفة ومحسوب حسابها من قبل الآخرين. وهذا تأكيد ابتعاد صدام عن الانتماء لهذا الوطن وعداءه الحقيقي له.
5-& إصراره على خوض الحرب من اجل اعاثة الدمار في العراق وتركه أرضا محروقة وذلك من خلال تمسكه بكرسي السلطة لاخر نفس قبل هروبه المؤكد ولعلمه بأنه لو كان قد استقال او قبل المنفى سوف تطاله يد العدالة وسينال جزاءه على ايد الشعب العراقي او المنظمات الدولية.
&نعم الهرب هو سلاحه المتبقي لانه شخص محب لذاته ولو كان غير ذلك ولو كان على قدر من الشجاعة او الإخلاص لهذا البلد لانتحر على اقل تقدير.
&إن كل هذا يؤكد فرضية أن نهب الآثار وتدمير المتاحف وحرق المكتبات هو فعل يحمل بصمات صدام الأخيرة .
يمكننا تأمل هذا بوضوح وإضافة بعض المؤشرات التي تؤكده وبالشكل التالي:
& إن الآثار العراقية كانت مطمعا لأفراد عصابة صدام الحاكمة وقد فاحت روائح فضائحهم الكريهة مرارا وتكرارا من تهريبهم للآثار وبيعها في مختلف بقاع العالم وبشكل منظم من ضمن من اشرفوا عليها مرافق صدام السابق وقريبه ارشد ياسين، وهناك أفلام ووثائق عديدة تدينهم وتفضحهم.
& إن نهب الآثار جاء بصيغة تدميرية وانتقامية وتحمل بصمات عصابة منظمة ومعدة مسبقا لهذا الغرض. وقد فعلها النظام سابقا وقت انتفاضة الشعب العراقي ضده عام 1991 حينما دس أعدادا من عملائه وعناصره التي كانت تسرق وتدمر وتشجع بسطاء وسذج الناس على النهب والتدمير لمثل هذه الأماكن او للمؤسسات الحكومية. وقد تكشفت هوية البعض منهم بعد هذه الأحداث بشتى الأدلة منها اعترافهم بأنهم كانوا عملاء للنظام وقد سجلوا قوائم بالمنتفضين ضد النظام وارتقائهم في سلم الحزب والوظائف الحكومية وهم مشخصون في مناطقهم ومحلاتهم السكنية.
& ما يؤكد فرضية أن النهب والتدمير يحمل بصمات صدامية هو استمرار هذه الأفعال بعد سقوط النظام المريع وشبه انتهاء عمليات جيوب مقاومة عملائه والمرتبطين بمصيره. والا فماذا يعني إحراق المكتبة الوطنية في بغداد بعد أسبوع تقريبا من سقوط النظام. وإحراق المكتبة المركزية في البصرة والموصل بنفس الوقت؟ !!.
& إن هذه الخدعة الصلفة تلقى رواجا وتطبيلا من بعض وسائل الأعلام العربية على أن هذه الأفعال والأهوال هي من مخلفات الفوضى التي سببها انهيار النظام وقد سخرها البعض للتجني على الشعب العراقي دون البحث في الأسباب وبموضعية معقولة على اقل تقدير، ويلقى اللوم فيها على الشعب او على قوات التحالف التي يجب أن نقر هنا بمسئوليتها& وبتقصيرها في حماية هذه الكنوز سواء كانت متاحف او مكتبات او أماكن حكومية.
& الشيء الآخر وليس الأخير في سلسلة الشواهد على مصداق القول بان جريمة نهب وتدمير الآثار الكبرى هي من ضمن سياسة الأرض المحروقة التي اتبعها صدام هي ما أعلنته السلطات الفرنسية اليوم (الجمعة) من ضبطها ل( 500 خمسمائة) قطعة اثارية من كنوز العراق التي تعيش الكارثة الحالية.!!
بربكم من يعقل أن المواطن العراقي البسيط قادر على إيصال هذه القطع الاثارية إلى فرنسا وهو الذي حرم من السفر ووثائق السفر طيلة حياته ولا يفقه من ثقافة السفر شئ.
إذا هي مافيا صدام التي خلقها وخطط لها ومولها لتحقق الهدف المتعدد الأغراض في هذه الضربة ومن هذه الأغراض : ترك الدمار في العراق وتعميق جراحه وإيقاع خسارة مادية ومعنوية بالأطراف المشاركة في إسقاطه واولها الشعب العراقي والهدف الأخير وليس الآخر هو محاولة جنيهم صفقات كبيرة طالما حلموا بها من جراء بيعهم لهذه الكنوز في الأسواق السوداء العالمية لغرض تامين مستقبلهم في ظل فقدان نفوذهم وضبط ما أمكن ضبطه من حسابات مالية نهبوها من قوت المواطن العراقي المغلوب على أمره.
إن الدعوة لبحث الموضوع والتحقيق به مرة ومرات هي مسؤولية الضمير الإنساني عامة والعربي خاصة قبل أن يكون مسؤولية الحكومة العراقية القادمة ومسؤولية القوات الأميركية باعتبارها مسؤولة قانونيا وأخلاقيا عن حماية هذه الكنوز والمرافق الحيوية وقبل أن تكون مسؤولية محبي العراق وتاريخه و علماء الآثار والمختصين بتاريخ العراق على شتى مراحله المتعاقبة، البحث والتحقيق والتحري من اجل كشف الحقيقة او إثباتها عاجلا وان كانت ستتكشف آجلا.
&
أكاديمي وباحث في الشؤون العراقية
h.hashimi@mailcity.com
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف