ثقافات

35 عاما من العزلة: حداثة تتزوج لغتها بطريقة زانية. . الاحرار الخونة والوطنية المستبدة

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
امير الدراجي
&

&
&وانا استمع لمرارة خطرة، اكثر تراجيديا مما سمعته في كل الحرب التي حدثت للعراق، وقد اشاهد رهانا مفزعا، وهزيمة ميلودرامية، لا اصدق، وهي تجترع اكتضاضا للمرارة، بانها حقا كان رهانها على تقبل عالم بكل هذا التوحش والعقيدية الفردية، كما قرات كلمات غوبلز او دفاعات هيس عن قائده هتلر، او محبي هتلر ممن لم يتنكر له في لحظة وفاء مماثرة بندرتها الاثيلة، الا تلك الكلمات التي شعرت انها اصدق ما سمعته حتى الان، وهي تصدر عن شاب بسيط قيل انه محسوب على النظام السابق، لكن صدقها، لغويتها الخصبة الحية تستدعي الاحترام، وان في جل خصامها، وهذا الكلام اطلقه مراسل ابو ظبي شاكر حامد، وهو يجر صوتا ذبيحا على ما سماه سقوط بغداد كما لو انه يلقي اخر نظرة عليها كما تصورنا نحن اوائل السبعينات هذه النظرة.. قال شاكر:استطيع ان اقول بمرارة انني عشت خمسة وثلاثين عاما من الخدعة!! انه الجيل المصاغ من صدام، الذي نشا على توليدته المتوحشة، وقد كان البقاء مكلفا، وهو تدمير كل النظام الذاتي، كل شيء حتى الرئة تجري بارادة قوة خرافية.. اجل كان شاكر اصدق من ابكاني حقا، واعده برغم كل شيء بان العراقيين سيبنون له وطن الحلم الكوني العظيم، سيعيدون نظام ذاته الذبيحة، سيجد عراقا لم يحلم به، ونحن دروع الصدق والجمال والشكر، نحمي احزانه وان طعنتنا المكرهات بقسوة نحن دروع طعاننا.. اليك شاكر امنح لكل حرف هوية الدمع.. اذهب لصدقك حتى الافراط كي تعرفنا حقا عن صدق جيل احب خوفه!!كيف؟ من البطل اذن انتم ام نحن الهاربين؟
لا احد يعترف انه في الحاضر، ولا احد يفكر بانقلاب المؤرخ، اثر ثورة مهولة للمعلومات وثورة الاتصال، بان فكرة التاريخ ومعرفته ليست فكرة موت وتحجر، اذ لا وقت لرومانسية الموتى، وهذا ما جعل التاريخ مستقبلا، والمعرفة الحديثة مؤرخ للمستقبل فقط، وبهذا تكون فكرة التاريخ محفوفة بالحياة. كل الخطاب الذي يسود الفئة الاكثر مع انها مغلوبة، يستند على مضمّرات شديدة الرثاء والاحساس بالشفقة، اذ يبقى المكان ليس الا مكانا للمستقبل، بعد ان جعله البعض الكثير مكانا للتاريخ فقط، وكل ذلك، وبتآزر نظريات وافكار عدة، تحولت لكناية عن هروب عن استحقاق الاني، الحي، وتجريده من حقيقة علوه على الفكرة، بل هي لمصلحته وليس هو لمصلحتها. ففي ازمنة العزلة، التي ناء بها العراق، وقد لا نبالغ انها عزلة المكان والزمان معا عن تاريخية الحياة، ونأيه للموت، خارج الزمان والمكان، هل كان من القدر تقبل ذلك؟ وهل من القدر تقبل كل المعرفات استنادا لنظام تلقي خاننا جميعا، واحدث شروخا هائلة في وعينا، تسلل عبرها العديد من متاعبنا وماساتنا، وزاد الامر بان جعلنا لكل تعريف او قاعدة بحثا، ومن أي اتجاه كان في حلل العزلة والكانتونية، او عقل المحمية، وهذا ما يجدر بنا التعرف عليه من خلال الفك اللغوي لحركية الاسقاط والمراد والمستدل، وهكذا نجد انفسنا امام عدد من الدلالات لكلمة واحدة، وامام فوضى الانشطارات والتلقيم، بحيث سنحتاج لشهادات معلوماتية شخصية عن مصدر الكلمة لنفهم ماذا تعني، وما المقصود بها؟ ذلك لان القانون العملي والواقعي مستبعدا عن الدلالة. كل شيء في الفكرة، كل شيء مبني على تلقيم تربوي، لم يشر له كخطيئة، انما التفكير يجري على مويحاته كمسلمة وثبات قيمي حاسم، وهذا ما يجعل النص محاطا بنص والصوت محاطا بضجيج والكلام محاطا بثرثرة!!اي لم يحيط الصوت صمتا كي نتميز ونقارن.. على مفاتيح هذه العلاقة باللغة والاتصال بالاخر والعالم يمكن فك الشيفرة، ومعرفة كم هي خائنة للحقيقة؟كم هي خارج وظيفتها، بل وتشكل ادات بتر لا وصل.
خمسة وثلاثون عاما من العزلة، من الانخطاف اللذيذ، والتخييل الغريزي الشارط على بيئة كيفت كل ما لديها للحركة مع دقات قلب وامزجة فرد واحد، حيث احتل هذا ليس الوطن وحسب بل ونمى في انظمة فطرية تعدت الوطن الى الكونيات العليا، محتلا كل ما يتاح سرا، وفي ابسط حالاته، الامر الذي بالغ في جموح الفرد الى التوازن، والاحساس بهامش لكرامة النفسوهو امام انقلابات مهولة باللامعقول، وهذا يحيل عملية تخييل اليومي والمباشر، وتمثله بالفرد الحاسم، القائد الخارق، الى خلق جموحا جمعيا للجهل والخرافة والدروشة، في سياق من الانحطاط العملي المفجع.&
لا ثقة بارث البلاغة والكلام الذي اثبت انه خارج اللغة، وقاتل دلالته، وهذا الارث الصوتي الطويل، زاد من البلبلة واللبس، ولم يعد بمقدوره اثبات أي صدقية ما يقل وما يصمت وما يومأ له.. انها قصة طويلة، اثبتت لنا كل ما يٌنص: مقاله وكلامه لايجد دليله العملي والفعلي، لان ارث الفعل الحضاري خلق لغة في طلاق دائم مع استدلالها، وهذا لاسباب اخطر مما نبسط. هكذا اصبحت اللغة خداع الحقيقة، والحقيقة صمت افعالنا حيث تاتي نقيض الكلمة، وقد استعيبت فكرة المصارحة والدلالة.. انه موضوع شيق من الخير ان نكون خرسا من ان نتحدث استنادا على بنية لغة تنكرية، حاجبة للحقيقة. هذا خطاب التماهي والتباطن والتقية، والتعبوية كقيم سائدة، غير محايدة من الوجهة اللغوية، حيث لم تعد المصوتات الا طنينا مجوف الداخل، ونخر الجوهر، اذ حيث نستمع لشعوب استعملت اللغة كمقارب للحقيقة وناقل فعلها، لا نجد تلك الافلاتات والبنية المتمنية، من اماني واحلام ننسبها للعلم او للخطاب، فيما هي خيال يعمل على فصل الحقيقة عن اللغة، وهذا ما خلق تاريخا معاصرا لم يتزوج اللغة الا بطرق زانية، غير معترف بشرعيتها الزوجية، وبهذا ايضا تصاغ المقولات والخطب بتهور غير مسؤول، لا يلازم دلالة ما يقوله ويحدث به، لانه احيانا ضد مصلحته في لحظة المصائر والوقائع، لم يذهب حول ما يقوله لتخيل نتائجه على الوقائع، وهكذا نلاحظ ان الكلام الاعلامي مجرد استعراضات بورصوية غير مسؤولة، ما ان تصل للمصائر الفعلية حتى تتراجع. من هذه الامثلة المجانية لخطاب اللغة، على سبيل الاستدلال خطاب الشيخ الكبيسي الذي بدا يتمسك بالاميركان اكثر من غيره، كذلك يعترف بمضمّر خطورة رحيلهم في الوقت الحاضر وقد استشرف على انفكاك تدريجي من هيمنة الوطن بمنظومة الفرد المطلق، وبدأ يشعر بمصيرية احداث الواقع، فكانت قراءته ليس ندبا اطلاليا ولا بكاء حائطيا، انما وقائع مفزعة دمرت لغة الاماني والاطلال والاحلام لتتعامل مع وقائع صادمة مذلة للخطاب الاول، وقد تصرف بفعل متبخر ودخاني، ليس له اثر ولا دليل الا خطورة النتائج المترتبة على تداعياته، وهي نتائج مدمرة للمصلحة الذاتية.. الامال والاماني جميلة. ولكن لم يعد في الوسع التصرف بترف غير مسؤول معها، تاريخ الذات، كينونة في الماضي، وهي مخطوفة من سيادة واسياد الماضي، حيث لم تكن تلك البكائية قد تساءلت ما اذا كان الماضي سعيدا ولمصلحتها ام لا؟ وهكذا تجد نفسها انها قد اسقطت خيالا على الماضي وليس استقراءا او قراءة لعمليانيته وفعله وتجاسده، وبالتالي فانها حتما ستجد بكائية الوطن الطليل على خراب حاضر، هو مباني طغاة وقتلة، لم تكن هذه الصورة حاضرة في خيال وطنية الماضي انما كخيال مجرد من اثاث وفعل ومنظومة وقوانين وصور انسانية فاعلة. الوطن القديم على المستوى الفعلي والعملي هو وطن مذاب بفردية عجيبة، لا يملك حتى هوامش شحيحة لفطرته وكينونته. النخيل، الماء، الهواء، السماء، كل شيء مفتعل، معاد الصياغة على ضوء ملكية الفرد المطلق اذ الفطرة عدوة وخيانة صياغة الوطن بفرد، وحتى الحلم واللاوعي، ومفاعلات تركات الذاكرة التي تشكل وعي الحاضر، ستجد نفسها بلحظة عرفان قد تاسست على بنى تلك التصنعات والمسرحة اللابريئة واللاعفوية على اساس فردية وطن شامل، وقد عبرت رمزية الافراط بالتماثيل والصور الهائلة، الاستغراقات المفرطة بقيامة رسم الوطن على ملامح فرد، ولعلها تجليات تدريجية تضطرد مآلها منذ تاريخ جمعي، انتهت الى الذروة القصوى في رمزية صدام، كنتيجة طبيعية للتاسيس الاول الاقل رمزية وتعبير عن فردانية وطن جمعي وشامل حقق مركزية الفرد اقصى مما خلقها التذاوب اللاهوتي بممثليات الالهة.
ومن المفيد اعتبار هذه الصراحة الوقحة، الحقيقة المتوحشة ببراءتها وتصرفها الذروي، اخذها كناتج طبيعي ونهائي لمنظومة أنسجة اجتماعية وخطاب ما، كانت تلوذ بالمقولة الجمعية وتخفي الفرد المطلق، فيما كان عهد صدام تحويل المقولة الجمعية للفرد الصريح، وقد جاهرت الى اقصى حدود التخلع وعدم الحشمة الادبية والسياسية، مما جعل الفكر الجمعي والعقل الجمعي قد تطور باتجاهات حاسمة، لم يطرحها التاريخ المجرب في كل تعدده البشري، بما في ذلك اطلاقية الزعامة في النازية والفاشية او القيصرية القديمة، حيث كان كل نظام من هذا يتماهى مع عقيدة جمعية تخلق فردية الزعيم والقادة.
&في حالة صدام اختلف الامر، اذ عبرت عن المجرد الفردي دون داعم لفكرة او ايديولوجيا او معتقد، وقد تتصرف فردية صدام بشعور متنازل مع فكرة العقد الجمعي أي الفرد الايديولوجيا!!، لان مجرد ذلك هو خروج عن قدر ومشيئة، فالفرد بمجرد ظهوره هو العقد والجمع، وان كل عقيدة، استخدمت للتسويق كانت نفيا مريرا لذات عاتية، شرعنت رهبتها وقدسيتها، في تقبلها كجريمة بارة، وهذا ما اعتبر ان قتلها مجهودا عضليا ينقص من قيمتها، الامر الذي جعلها تدفّع اهل القتيل ثمن جهدها العضلي وثمن الاداة القاتلة، وكل ذلك يدخل في سياقات جديدة لتطور جمعية الفرد وفردانية الجمع، وهو تطور لم تطرح أي شبه له كل التجارب البشرية. جوانب مذهلة تكتمت على تمظهرها التحليلي والنظري، وعجزت عن تفسير القدرات الخارقة على مستوى احالتها الى نظرية كاملة، وبالتالي السيطرة عليها وعيا ومعرفة، وهي بحاجة الى شيطانية تفكير مغامرة، خطرة الفضول والايغال، ومنها السيطرة على انظمة الامن الوجداني الداخلي، ليس على مستوى الداخل والجمهور المسيطر على احلامه، والذي صيغ طبقا لشروط الخالق الفرد وليس الخالق الاعلى، بما فيه صياغة بيئته واعتبار عدم صياغتها طبقا للفرد اهانة وتحديا له، كما جرت حرب الحكم بالاعدام على الاهوار والحياة عليها.. الظاهرة الاخطر في سياق ومنطقة خارقة للوصف الطبيعي، وهذا ما نلمس ملامحه حتى بعد غياب الفرد الخارق، في المنافي والمهاجر المتحررة من نظامه. تلك الظاهرة الخارقة من وجهة السيطرة الباراسيكولوجية هي ظاهرة عودة حسين كامل لحتفه!!اذ لا يمكن تقبل التحليل الذي ساد على مستوى النقل والتحليل الاعلامي والصحفي المسطح، والذي ينحو في الاطارات السائدة، دون ان يحيل هذه الظاهرة لرمزية منهج مفرط الاستثناء، دعم نفسه بدليل السيطرة، وبالتالي تشويش انظمة السلامة والامن عند الفرد حتى ببعده الحيواني، وجعل الفكرة اكثر قوة من الغريزة، والفكرة هنا هي المثال المسيطر، وقد برزت انظمة التشويش حيال النشاط الانساني للتعرف على الخوف، في ظاهرة حسين كامل، اكبر الادلة الى قدرات خارقة، استطاعة تدمير أي نشاط حسي وانساني يميز بين الخوف والسلامة، الامر الذي يضعنا امام اخطر ظاهرة تمكنت احتلال قيم السر الداخلي وعناصره بالمطلق، لان الفرد اتصلت رمزيته التعامل مع فكر النوايا، اعتبار خطرها قانونا ومؤسسة، ولعل عمليات الاعدام على النوايا كان في مداره ترسيخ صورة السيطرة على نظام الاسرار الداخلية، وفقدان امكانها على الاختفاء والتحايل والتستر. فما ادته هذه الظاهرة التي لا يمكن قبول استفتاء حركتها في مجرد استدراج وحيلة، لانه استفتاء مبسط وسطحي جدا، وتحليل تصحيفي ساذج لا يدخل في عمق الظاهرة او تلابيب جوهرها ومقدرتها، وهي مقدرة اثبتت وستثبت حتى تواريخ لاحقة انها تصرفت بقدرة واثقة على السيطرة الكلية حتى في مناطق خارجة عنها، أي المناطق الضامنة للخيار والتحرر من قدرة الخوف اثبتت خضوعها له، والاسباب عديدة تبين انعدام النشاط الاستشعاري وانعدام التمييز بين السلامة والخطر، بحيث استسلام الضحية راضية لقاتلها، وهذا ايضا سوق للخيال العربي السياسي دعما اعلاميا اغلق عليه أي قياس طبيعي للقبح القائم بصورة هذا الفرد، وذلك لمقدرته ايضا على تقديم نفسه ملامح لكل الوطن، بما جعل هذا الاعلام لا يتصور وجود العراق من دون صدام!!مناطق تجدر اعادت تركيبها وقد خربت وتهدمت، وتركت منظومة كاملة، ماتزال تنطوي على مس خطر من انعدام ترتيب شعورها وطبيعتها الاولى، وهذا ما جعل اصوات عدة لم تستطع فك ارتباطها بهذه الصورة، اذ هي من الطبيعي جدا ان تكرس ثنائية وصورة دون حقيقتها ودون غيرها، فتركز مثلا على فكرة الاستقلال وطرد الاحتلال، ذلك لانها محكومة لمخزون ادبي قديم، لا تستطع حتى الان التحرر منه، او رؤية الواقع بدون تاثيره وتراكمه التربوي والثقافي لوطن قام على تلك الصورة الفردية، وحقق نظاما تسكنيا ما، وهذا ما جعلها تبحث عن استعادت ذاتها الاولى عبر مشترك جمعي، لم يفكر للحظة بما قدمه النموذج الجديد بعد رحيل الطاغية ووطن الفرد، بل تتسرع في طرح شعار تنسى انه استعادة للطاغية وليس تحررا منه، وقد اختارت لحظة تتقاطع بشعارها معه، ناهيك عن التاكيد على عدم اقتناعها او رؤيتها لمجموعة انجازات وفكاكات عن سيطرته ونظامه، فمازال عامل التشويش الذاتي يشكل نظام رؤيتها، وبدوره يكيف عمليتها النقدية انطلاقا من فكرة الماضي والامس للحاضر المتحرر من تلك السيطرة، ما يدل على ان السيطرة مستحكمة. الواضح بذلك عدم الاعتراف، او حتى معاينة ان ما تحقق كحرية تعبير ليس انجازا لبعض القوى، التي انتقلت، وبعد بريّهة من برهة - من جمهورية الخطر اليومي والموت الروتيني الى شعار جديد، ترفض فيه مصدر تحررها من الموت التقليدي، وبلاد المقبرة، وهذا يدل عدم تصرفها مع اللغة والكلام والخطاب الا باعتباره تحجبا وتنكرا للحقيقة، وقد جاءت الاستدراكات متاخرة، ومتفاوتة الاعتراف، لجهة التيقن من فكاك الماضي من نظام السيطرة الخارق ان على السر او على المستقبل والابد الفردي!!فكل يوم يزداد التيقظ قوة على تلمس الحدث الجديد، وفي موزاته يختلف الخطاب الذي تهيأ طويلا للتشويش، أي تمجيد قاتله، عبر نظام اكراه خارق، من الممكن تلقطه بالقوى الموالية للنظام والقوى التي عبرت عن انقلاب سريع ضده، وعبرت بارتباك او شطح عن نفسها، الى تعبيرات اكثر انتقامية وعدم احتشام في سياق تنفس حريتها، وهذا كله يبين الرعب المدهش لمقدرة ذلك النظام في اعادة صياغة الفطرة، وخلق عناصر تشويشها بطريقة خارقة للمالوف، حيث الخوف نظام السلامة، والحرية نظام الخطر.. انها تربية طويلة من الصعب تقبلها دفعة واحدة.. فالننتظر!!
بالعودة لشعار لا لاميركا، او طرد الغزاة بحمايتهم!!( كما لو ان البعض محكوم حتى الان برقابة صدام وخطاب الحزن وكرهية الحرية)، او الشعار المستورد ايرانيا "الموت لاميركا"، الى تحديث اجماع خجول يحاول التكيف مع التراكم الادبي الراسخ عبر اجيال عدة ترعرعت على مشاركة حفلة التنكر هذه، وبالتالي الاسهام في تدمير نظام الحرية، وتطور نظام الاكراه من شروطه الخارجية الى الداخلية، الرضائية والاستمرائية، فان بعض الحكمة تطلبت ايجاد تسوية بين التراكم الادبي للامس وخطابه المعادي لاميركا، وبالتالي الاعتراف بالجميل الخجول، بكونها قوة حررت الجميع من الاستبداد الخارق، وهذا خطاب تعبوي، جماهيروي، لم يكن خطاب تعريف الحدث على مستوى عقلانية المنطق، وذلك بعد خمسة وثلاثتين عاما من العزلة واللامنطق واللادولة واللاوطن.. وبعد غياب مفزع للشروط الحسية والشعورية المتوازنة، الى هدم كل سوية تفكير ولغة وسيكولوجيا، حتى ليبدو الامر ان المنطق يتطلب ادارة استشفائية، او وطن يفترض ان يصبح مشفى وشركات للتطبيب الاجتماعي والسياسي، او جمهورية طوارئ طبية، وذلك لان قوانين الاستثناء الداروينية، او الماندلية من ماندل- او الارتجاعات ما فوق البافلوفية!!كلها حققت توازن المرض، توازن اللامعقول بصفته سوية جماعية عزلت الى اقصى الحدود من تفاعلها الانساني، بل واعيدت لأحط مراحل التاريخ، حيث حصارها تكنولوجيا وعصريا ومعلوماتيا عن اخوانها من البشر. ولعل انتقال النقد من صمته المكره الى اعتراضه المصوت على الوجود الاميركي يكشف عن رغبة مضمرة تجدر قراءتها، وهي اقرار بنعمة الحرية دون الاعتراف بمصدرها، لذلك فان التعبير غير العرفاني بهذه النقلة النقدية سيكون عرضة لمخاطر ذاتية عدة، تقدم العديد من مداخل استعادت الاستبداد، وقد اتضحت صورته، ما اثار الحفيظة الاميركية الى مخاطر تفاقمه، ولعل تجلياته الملحة على تحذير الايرانيين وقبلهم السوريين، هو من تداعيات خطاب الحرية ونعمتها، وقد تسلل عبر شرعياتها، باحثا عن خطاب متضرر منها، ومعه خطاب جماعي قاصر او حسن النوايا محكوم بتنويم عقائدي ايديولوجي غير متمرن على مزاوجة الحرية بالقانون، ولا على مزاوجة وجهة النظر بحماية نظام الديمقراطية، وهذا قابل للزلقة السياسية التي تحضرها قوى متضررة من الوعي الجماعي وحق الراي وبالتالي تفقد هذه القوى سيطرتها على مجموعات تعيش في انظمة القمع وتلوذ بها، كقوة رجاء مستقبلي او ميتافيزيقي، في وقت يكون معه نظام الحرية خسارة لسلطانها، لكنها ايضا مستفيدة على مستوى رفع الحيف الشخصي عنها من نظام الحرية، الامر الذي يطرح امامها وبقوة، الانقلابات الهائلة لحضورها وبالتالي الاعتراف الرسمي العالمي بوجود معترف به كوجود قانوني ورسمي، تجلى لاول مرة بقوة التراجيديا الكربلائية، كمظهر مقبول لاول مرة، تتعامل معه اجهزة الاعلام كظاهرة طبيعية محترمة غير مرفقة بالتشوه القديم، المحمول بعناصر طائفية متحيزة. اذن هناك عالم جديد يطرح على القوى الدينية الحوزية قراءة المستجدات من دون عقل المنتصر، ولا عقل المتظلم، فكلاهما انتحار لهذه الظاهرة، وفي مقدمة ما ترجم عن دفعها الى حد جعلها جامحة، ما صرح به غامزا ومتقبلا هنري كيسنجر، الذي يؤيد دولة شيعية منتخبة، وهذا غمزا للجموح الانتحاري الذي يختزن طاقته ومقبلاته، حيث تداعيات البعد الكلاسيكي الكيسنجري الخرف، إزاء مسالة الوطنيات المذهبية والقوميات الدينية، وهذا مخبول وتافه!! المنطق والحكمة، مع ما في الكلمتين من تعدد للتاويل والاعماء والبلاغة، تستدعي مجموعة متداركات!!اهمها فك الارتباط بالمناخ الادبي السائد على مستوى الماضي، وهو مناخ يستميله حتى محازبو اميركا، وذلك لما فيه من امتيازات قدرية للسلطة، حيث اعتاد الجمهور تقبلها كمشيئة للعقل الجبري المؤرخ والمؤرث، فيما تتصرف مع عامل الاعتراض عليها كتعبير اثمي وذمي، وهذا يجعل سلوكها جامحا وجرميا، لا يتقبل فكرة عقلانيته وفضيلته الهادئة والطاهرة، الا اذا حقق سلطة لاعتراضه تقوم على نفس ادوات الاستبداد، وهنا مكان الشبه المعقد بين تربية الولاء والمعارضة!!ذلك لان فهم الشرعية السائدة اعتراضا وسلطة يقوم على فكرة العزلة المستبدة. اذن ان القيم الجديدة والبنائية بشرط الانعاش والاستشفاء الخارجي، يشكل قراءة لفشل الذات وعدم اهليتها لتقديم مؤهل تاريخي لفكرة الديمقراطية، وهذا ببساطة ليس تهمة ولا تسفيه ولا دونية، لان العراقيين غير مسؤولين عن مظهره وقوة تكريسه، انما جاء بفعل تراكم تربوي وثقافي، حيث تراجع الحضاري لمصلحة الثقافي(والثقافي هو ليس بمفهوم الخطا الشائع عن الثقافة، كمفردة متفاضلة، فالثقافة هنا تهمة متدنية غير محترمة، لان مصطلحها المالوف اسقاطي، يعني التحضر وليس التثقف، لان الثقافة مكتسب وليس مركب)، وبالتالي فجهوزية عقل العزلة للكنتنة من كانتون- واخلاقية المحمية الهنود حمرية، الى العشيرة المطلقة كلها جهوزيات تلك الثقافة.
بالعودة الى شعار معاداة اميركا وتغليب شعور التحرر منها على التحرر من دول الموت بواسطتها، هو مجرد استعادة محترمة للذات وهي تعاني من تاريخ تغييب دورها النقدي، ولعل اول من تفهم هذه الاستعادة المحترمة للذات هم الاميركان انفسهم، وقد جاء بلسان عسكرييهم ومشرفي ادارتهم حول تفعيل حرية التعبير والاعتراض لاول مرة في تاريخهم، اذ كان تاريخ الحرية المعدوم ليس بمقدوره التعقل او العرفانية، انما في اختبار صدقية تملكه الحرية، وقد جاءت بصيغ مترفة غير مقارنة بعقلانيتها التمييز بين الماضي الممسوح من كل حرية والحاضر المفعم بها، وان جاء ضد من قدمها وحماها، وهنا لا يجد المنهج كائنات ذات عرافان متعالي الا في نخب عاقلة وعارفة، وكلها عبرت عن حصار عرفاني لوجدانها وشكر داخلي لما قدمته القوات الاميركية من امكانات للحرية والتعبير، لايمكن مقارنتها بقوى شعبية غير مسؤولة، واخرى تتصرف بسياسة الدين وقيم التعبئة الامبراطورية القديمة، حيال فكرة متعالية تقبل حكم المسلم للكافر وترفض العكس، وهذه تتصرف بعنصرية طقوسية ما تزال تبقي على قيم تعبوية الرسالة الاولى التي لم تتوقف وتجد قراءات خارج محيط ثقافة الجهاد والحرب!!ولعل تكريسها الحاضر ينطوي على استنباطات غاية في الحذر وارادة الاحتراز كشرط لتخطي كمينها السياسي، اجل فان الصدفة جعلت القوة المحررة سلطة، اذ لا تعبير ديمقراطي. التوظيف والخلط غير النزيه والمطعون بشهادته 1هو استعادت شعارات في الازمنة الخمينية الايرانية والتي خبت وضمرت واستحالة لمنظومات الخداع السائد في التاريخ، وقد استمر بقائها الخجول والسري في تيار متازم ومهزوم امام التطورات الاصلاحية داخل ايران، وقد جيء به للمناقصات السياسية والبورصات الاقليمية والدولية، ولاسيما هو مناقض بالكامل حتى لمستوى الدهاء الايراني وعلى خارطة تحرك المجلس الاعلى، الذي يبدو استبعاده اميركيا جعله يلوذ بشعارات كسدت في بلدانها، وكرهت في عقر دارها، وذلك لتحسين شروط دخوله العملية السياسة، وقد تصرف باستغفال وتسفيه مع العقل العراقي، محاولا ايرنة العراق بشعار الحرية، وتبديل شعارها جهاديا حربيا، ينوب عن الخوف الايراني ويقدم حماية له بواسطة جدار اللحم والدم العراقي، وهذا صلب الاستراتيجية المخابراتية الايرانية، التي تحاول تطوير منظومة التصرف العراقي ببراءة ممارسة تعويض ما غاب من حرية، وترميزه باعتراض ادبي واخلاقي على الوجود الاميركي، كمعبر وحيد على اختبار حرية الراي في عصر الحرية، وقد جرى ويجري تطويره في اتجاهات التكييف الايراني، وبتر شروطه الحضارية لتحويله الى شعار مقاوم وحربي، تحاول ايران قطف ثماره السياسية في لحظة ستتخلى عنه، بل وتقطف الصداقة الاميركية، وفرض الامر الواقع باعتبارها البوابة الاميركية في المنطقة، ريثما تكون قد حولت شعب باكمله لجحوش سياسية وفدائية لمصالحها، وهو الامر الذي ينفذه جماعات المجلس الاعلى بدهاء كلاسيكي اقل قدرة على التحايل والمراوغة!! كل خارطة التحركات ان على صعيد تذبذب المجلس الاعلى وهو يتنقل بين اميركا الكافرة واميركا المحررة، حيث كان عميلا للايجار لها، فعدوا مقاوما بعد التخلي عنه، الى استخدامه المزدوج لخطاب التطرف تارة وخطاب الاصلاح تارة اخرى، الامر الذي يحسمه جموع العراقيين في ايران الذين ذاقوا الامرين وعوملوا باسوء من معاملة الحيوانات في ذلك القسم المهمل في خارطة التشرد العراقية، وسنخصص قسطا من التحدث عن ذلك في مكان اخر، لاسيما وان شهادات وشهود حقيقة هذا القادم السياسي، الذي يستثمر لحظة الدهشة الاولى والحنين لخيال شعارات الحرية في الوسط الداخلي، حيث بقي بمناى عن الفعل مستمرا بخيال جماعي لا يعرف افعاله، فان اؤلئك الشهود والشهادات تستمر محاولات حجرهم في داخل ايران وابتزازهم، على ما جاء من معلومات اغرائية حول تقديم الاموال وتيسير الدخول للعراق باثمان تنفيذ استراتيجية مستقبلية وانقلابية، تنتظر لحظة تنضيج ما، توظف الحرية من اجل استعادت نظم الاستبداد، عن طريق فوضى نارية تضطر فيها اميركا تبني نظام ردعي واستبدادي وان لم يكن عبر تنصيب ال الحكيم كبديل لصدام بعمامة، بل بمجرد وجود دولة متجانسة مع دولة الظل المتشدد وهو سيضعف تيار الاصلاح داخل ايران كلما ضعفت تجارب الديمقراطيات في المنطقة، فيما العكس صحيح لان نجاح ديمقراطية العراق سيقدم اسباب القوة لتيار الاصلاح في ايران ويضعف تيار المتشددين، كما سيحدث ذات الحدث في العراق، الذين يمثلهم حتما تيار المجلس الاعلى الذي استغنت عن خدماته اميركا، لاسباب معروفة ومجهولة!!وهذا ما جعله يجدد تحالفه مع دول الظل في ايران وليس مع الدولة الرسمية بتيار خاتمي، والتي هي رهينة مستضعفة لقوى الجيش والمخابرات وقوى الارهاب التي كانت مسيطرة سابقا، ثم تطل بين الحين والاخر مازمة الشارع الايراني، اثر كل حرب مع رمز متنور!! وهنا لا يستطع العراق من تحجيم النموذج الايراني المتشدد الا في هجوم سياسي وديمقراطي على ايران، فانضاج التجربة الديمقراطية وتطويرها.
الاستدراكات الجماعية العراقية المتنوعة من الطوائف والمذاهب، الى الاعتراف المضطرد من قبل الاعلام العربي، الذي هو الاخر يحاول فك ارتباطه بعراق تمثل في فرد تراكمي، الى مجموعة الفتات الشحيحة والمفرطة احيانا على المستوى العربي، وذلك بعد ان اصبح غيبوبة النظام امرا واقع، كلها تتشكل على اساس من المستقبلية وهي تكاد تقلع نفسها المنخورة في منابت التاريخ، بحيث حدثت قراءات مقبولة على المستوى العقلاني في هذه الايام، وهي تحاول استشراف الوقائع والاقلاع عن نوبات الخيال اللغوي!! الوقائع تثبت عمليا ان شعار طرد القوات الاميركية الى كل العنتريات الثورية، هي بقايا الفكر التعبوي لدولة الموت المعزولة والشعب المعزول باراسيكولوجيا بسبب تشوشها الخارق، بحيث لا يملك هذا المشروع أي قاعدة بديلة غير الوقوع بخطاب اكراهه الفاقد للتميز بين الحرية والقمع، بين السلامة والخوف، أي في عالم انعدام الحواس. وهو في لحظة استعادت حواسه يستدرك تدريجيا خطورة الفخ السياسي لمصلحة قبول الفخ الادبي، المكون من مجموعة شعارات تربى عليها.. بحيث سيقبل الفخ الادبي على الفخ السياسي، وسيقبل نتائج الحرية على نتائج الامساك بتاريخية الشعارات.. وبهذا المستوى يحاول ملامسة الواقع عبر الوضع العملي، وهو امام تخريب شامل لمؤسسة التاريخ وبناها التحتية المفرغة حطاما بصريا ونفسيا، امام استحقاقات امنية وخدماتية عديدة، وهذا يرغمه على التعامل مع الوقائع مستقرئا نواجعها ومحاسنها، وهي عديدة، ناهيك وقد وضعه امام خيارات لا مجال لبديلها الا خيالا على مستوى الوضع اليومي الداخلي، فيما اراء الانتجاع السياحي الذي يدلي بها عراقيو رومانسيات الحنين والهومسيك المشوشة والمترفة في المنافي لاتستحق اعتبارها مواجع يومية مباشرة ذات صفة عراقية واقعية، لانها في انظمة حماية وبيئة جاهزة. فهي تتصرف بالتاريخيات الحزبية باحثة عن مواقع في العالم الجديد، ومتحدثة بثقافة سياسية لبيئة غير بيئتها، وهموم تاريخ ولى وانتهى!!وهكذا فان استحقاقات الامن والخدمات يتشكل طبقا لامن مزاوج للحرية وليس انظمة القمع، الامر الذي يستدعي مرجعية امنية، لا تتمكن حركة الانفلات الاجتماعي من تاريخ القمع انجازها، في وقت كانت تنجزها اخطر واشرس انظمة الردع، التي هزمت بقوة خارجية وليس بقوة ذاتية، وهذا يجعل مرجعية تلك القوة على مستوى الانتقال الجمعي ليس للامن وحسب، بل ولآليات نقيض الاستبداد كتاريخ وحيد في الثقافة الاجتماعية والسياسية، لاسيما فان الامن هو عملية غير مجتزاة من مجموعة تطورات وتراكمات عديدة تضمن عدم عودة الاستبداد، وهذا لن يتحقق الا بتناغم متعدد الوجوه يتسق توازيا وتكافلا في نظام ديمقراطي مؤسساتي، يخلق ازدواجية حراسة مشتركة بين المواطن والدولة وبين الدولة والسلطة وبين القضاء والعدل. ولكن في هذا الجو المرشح للسير بالحرية سيكون شعار لا لاميركا عمليا يدفع اما: للانتحار الايديولوجي وعودة الاحاديات المركزية البارة، او لانتحار اخر من الفوضى الامنية والتشريعات الثورية والحروب الداخلية، الامر الذي يتطلب رعاية مركزية من قبل قوة تحملت مسؤلية اقصاء الاستبداد وبموازته تحمل المسؤولية الامنية والفراغات الخدماتية العديدة عبر حماية قانونية وردعية لنمو العالم الجديد من دون السماح لاي اجتهاد ايديولوجي او لملاك الحقيقة من ان يوحهوا الحياة السياسية ويقرروها، لعدم اهليتهم للعدل والديمقراطية وعقل المؤسسة، فكل ما يحملوه هو العداء المبرم للقديم بفكر مستقبلي غامض او مستبد، وهو برنامج تاريخ معارضتهم، لاسيما ودائما قوى الحروب والصراعات غير مؤهلة لاقامة مجتمع السلام الا برقابة خارجية مشددة، لانها ستستمر في تطوير حربها على مستوى الداخل وبشتى الفكر التلفيقي التعبوي لانهاء خصومها حربيا وليس ديمقرلاطيا، وخصومها يبدؤون من النظام القديم مرورا بكل مخالف، حيث سيشار له على انه من النظام القديم، وذلك لان سيكولوجية الحرب والمحارب كقوة تشريع، غالبا ما تخلق من نفسها مركز القياس الوطني بل مركز القياس الكوني والانساني والعالمي، وكل مخالف هو مخالف للانساني والكوني والوطني ومخالف لذاته، لانها تقع في غائلة امتلاك الحقيقة ومن تداعياتها امتلاك ذات الاخر!!
المعارضة الحالية للوجود الاميركي، كما اوردنا هي في صفاتها البريئة اختبار لحق الراي وتمرين على نجاح الذات على الاعتراض على الشيء وحماية وجوده في ان، أي عدم الانتقال الى مرحلة الغائه او محقه، وهذه من صور الجناية القانونية وليس حرية الراي، ولعلها مبرر حكومي للاستبداد امام شعب يخون انظمة الحرية ليدخل ادوات تخريبها وخلط حق الراي بحق الغاء الاخر، وهذا استبداد اخر، وهو الاستبداد الجماعي والشعبي الذي يبرر ويخلق مشروعية الردع، ولعله الفكر السائد بنسبة ما، او الفكر الذي يعيش مكابشة قانونية وسياسية بين عالمين احدهما متضرر من الحرية واخر مستفيد منها، لكن المتضررين يحاولون ايجاد قواسم مشتركة مع المستفيدين، عبر استنهاض لرومانسيات وبلاغة سياسية، لم تجد مفاعلها العملي الا عبر محاولة توحيد صورة هلامية عن الوطنية المغدورة سابقا، او حول تسويق وطنية التخلص من الاحتلال، وهذه خلطة مخيفة في الوقت الحاضر تتصرف بكمون في ناحية وحسن نية في مكان اخر، لاسيما وبعد فشلها تحشيد فكرة مقاومة الاحتلال عبر خطاب النظام القديم، والذي حاول نقل المجتمع وبسرعة من هنيهة نهاية الاستبداد الى المقاومة ممثلا بصطام الكعود، تراجع ليطرح فكرة وطنية الحكومة، محاولا تجديد اصطفاف جديد اكثر اريحية واغراء، ومصدر كمونه. ان هذا الشعار التعبوي سيجد استقطابا ينتهي الى تكريس شعار السياسة على المناخ الخدمي الضروري ويخلط الاوراق وبطرح شعار السياسة تبرز مداخلا لعسكرة وتغييب النقد الاجتماعي والخدماتي ليتحول كل الشعب رؤساء وزراء ووزراء خارجية واعلام، حيث يهمش المجتمع المدني ويجري تدمير نظام البراءة الاجتماعي وتحويله الى انظمة ولاءات قبلية مختصمة، وصولا الى اعداد الناس وتاجيل نقلتهم للاستفادة من الفرص الجديدة، ثم الابقاء على جهوزية ما كجتمع الثكنة والجند والحروب والموت، وهذا تاهيل للاستبداد وعودته وليس للديمقراطية والاستفادة من خدماتها. ان فحصا ما لهذا الشعار، وفي مجتمع كانت وحدته قائمة على شروط ردعية حتى التوحش وعدم تكيفه في ظل التعدد الحزبي، واختزانه تاريخا من الاحتراب والفرقة الباطنية، الى المنافسات الدموية حتى في الحزب الواحد والكتلة الواحدة، غير مؤهل الا الى حروب زواريب وخنادق وطوائف ومدن، قد تكون مخاطرها على دعاة شعار طرد الاحتلال اكثر من غيرهم، في ظل كمون قوى بائسة وجائعة وفقيرة ومحرومة تتربص متحينة لحظة فوضى، قد تجهز على ارستقراطية هكذا مجتمع يتبنى وطنية السلطة باعتباره طبقة نافذة ومرفهة، معتقدا ان العراقيين في وضع غياب دولة الردع التي شكلتهم امنيا، سوف يتقيدون بمرجعية او حزب او نظام، وسوف يصطفون في ارستقراطيتهم الوطنية، التي اثرت وترفت بسبب النظام القديم، فيما تختزن السكاكين وسيوف الجياع الفالتة لحطتها لتنقض على كل رافعي شعار الاستقلال الوطني في هذه اللحظة وغياب قوة ردع ان لم تكن مميزة عن سلوك واخلاقية قوة الردع القديمة، فانها على الاقل اقوى منها على المستوى العسكري والادبي بعد انتصارها!!لاسيما وان كل تنفذ هذه القوى الارستقراطية جاء في ظل النظام القديم، وتسللت الان عبر الحرية والديمقراطية، معتقدة ان هذا الانسان سيتقيد كما السابق بشروطها واستعلائها الامني، وسيحترمها وقد شاهد بام عينه كيف تنهار اقوى نظم الاستبداد والتوحش، المشكلة لمفهومه المرجعي والامني، كما شهدت نقلته المرجعية والامنية مع قوى منتصرة على سلطة خوفه السابق، وقايس انتماءه طبقا لميزان قوى انتصرت فيه اميركا، الامر الذي يجعل مرجعيته الامنية لميزان القوى، والمنتصر، لان تشكله الانساني ترعرع على الامن الردعي، وهذا في حال غيابه سيخرج من عرينه مستكملا ما اجلته قوى الردع الاميركية، وهو ادخال البلاد في حمامات دم وتصفيات هائلة، لم تعد السلطة القديمة كقوة وحيدة قادرة على ردعه، اذ لا تستطع ان تخرج من ركامها وحطامها وموتها لتردعه كما الانتفاضة القديمة، وقد جرى تفكيكها وحرقها تماما، وتدمير كل طاقتها الردعية الى اعتقال معظم اطقمتها او هروبهم او انمحائهم، ناهيك عن انكسار زجاج الهيبة والتمرجع خوفا ورعبا!!كل ذلك ان القوى النافذة والنخب السياسية التي ما تزال تراهن على استعادت السلطة لها كارستقراطية مبتذلة وطنيا، هو ضرب من الخطر عليها والمستحيل في شعاراتها، لانها ستكون اول ضحايا حفلات التذبيح المنهجي للقوى الشعبية ضد القوى المستفيدة من النظام سابقا، كما ستكون بيوتها واملاكها نهبا وحرائقا!! اذن اميركا ليست حماية لها وحسب انما هي حماية حتى لرموز النظام قياسا ومقارنة بالقصاص الشعبي او السجن المحترم لهم من قبل اميركا، وهذا ما حدا باطقم النظام ان تفضل الاستسلام للقوات الاميركية خوفا من قصاص الشعب الدموي!! اذن حكومة تخاف شعبها وتفضل قصاص الغرباء على قصاصهم لهي اصدق صورة من كل الخطاب الوطني والتحريري والثوري، الذي لا يفكر لمرة ماهي الاليات العملية للبدائل؟ وكيف تسد الثغرات الامنية في ظل تلك القراءات والتربية الردعية العاتية؟ هكذا تبدو شعارات ما، هي مجرد خطب تعبوية، تمتثل الى الخطاب البطولي محاولة ان تؤسس اجماعا انتخابيا يقوم يتسليع ادبي بين المستهل والمنتج للخطاب، غرضه ليس الوطنية، وليس الاجتهاد انما تسويق الذات انتخابيا، وترويجيا في ظل وقائع واضحة. ومن مظاهر هذا التسويق المترنح، الذي يحمل من الاثم النفسي عبر ذاكرة ولاءات الاكراه هو ما يسوق من احتلال عراقي للعراق!!اي احتلال العراقيين المشردين ضحايا النظام للحياة السياسية، في سياق تطهري، يحاول قلب الصورة، فيكون ميله الاكراهي للنظام السابق للنظام هو الوطنية، فيما ضحايا النظام هم اللاوطنية ممن تشرد وتعذب ولا يملك أي فرصة للعيش بكنف النظام الا الموت، وهذا مظهر جديد من التسويقات البغي، التي تبحث عن مخاصمات لتعويض الاحساس بالاثم السياسي وتبرير ذاتها، لاسيما هذا جزء من المحمول السياسي والاستمالات المبتذلة للاكثرية، بخلق شرخا بين عراقيي الخارج والداخل، وبالتالي فانهم يكررون تهم النظام، معتبرين داب هذه القوى على الحوار مع الامم والدول لانقاذ اخوتهم خيانة!!اجل خيانة الاستبداد، خصوصا وان الحرية التي ينعمون بها، اذا افترضنا ان كل من الجلبي ومكية ورندة وغيرهم من اقنع الاميركان لاجتثاث الارهاب العراقي واحلال الحرية، فانهم سيكونون ابطالا وليسوا خونة.. لان نقلة الحرية تنسب الى جهودهم وليس لجهود المنعمين والنافذين او الصامتين في ظل النظام.. حيث فقد الجميع بما فيها دول عظمى على انهائه واجتثاثه.
يبدو ان مسوقي الشعارات، يحاولون ممارسة اختبار وعرض قوتهم السياسية، وهذا حق ديمقراطي، لكنه لا يجب ان يكون كشارب الماء وباصقا فيه!! ومن المفيد النظر بحذر ومسؤولية عملية لما سيترتب على الشعارات من خطر على مطلقها قبل غيرهم، لان غياب المركزية الردعية حاليا، أي محاولات استمالة الناس لطرد القوة الاميركية المحررة التي هي ارحم من قصاص العراقيين، سيكون فرصة شهية للغاضبين والكامنين والمترقبين فرصة الفراغ الامني، واقامة حكم الشعب وانظمة الانتقام من قبل المتضررين من النظام القديم ومخاطر الحروب الطائفية التي لا يمكن السيطرة عليها من أي مرجعية كما حدث في مناطق اخرى. وبصريح العبارة ان وجود القوات الاميركية اكبر ضمانة وحماية لخطاب محازبي السلطة القديمة الذين جاؤوا بشعارات مكيفة جديدة، وطلوا من نوافذ عدة، وهذا ما اكده رجال الحكم وهم يسلمون انفسهم للحلفاء خوفا من قصاص الشعب وجر الحبال والحريق الغاضب!!وهكذا تراجع خطاب الشيخ الكبيسي بعد قراءة الامر الواقع وفك الارتباط العملي مع صدام اثر التفكيك الكامل لنظامه وكسر هيبته نفسيا، الى تراجع خطاب اخر استدرك مخاطر التوظيف الايراني، وما يشيعه من استحرام سياسي فيما كان حتى الامس خادما مجانيا لاميركا عبر تصريحات رموزه، وهذا يعود لحكمة وفطنة المرجعية في النجف الاشرف، كما تراجع الاصطفاف السوري عن طريق احزاب علمانية تتمرجع الى قيادتها الكائنة في دمشق!!كل ذلك يؤذن بنسبة ما من العقلانية السياسية، امام اكبر مخاطر اهتزازها حول ما تبيته ايران على صعيد تطوير شعارات الحرية للبازار السياسي وخلق جندي عراقي للايجار في حروبها كما خلق صدام شعبا للايجار في حروب العرب. ومن المفيد حماية الديمقراطية العراقية وهذا بحد ذاته هجوم سياسي على ايران وسوريا والمنطقة، لما يقدمه من انعاش للمجتمع المدني وغياب دول الثكنة والطوارئ، اذ كلما تراجعت الديمقراطية في العراق نجح التيار المتشدد وضعف التيار الاصلاحي والمدني.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف