الدون كيخوته وجان دمو وأنا
قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
&
&
يروى بأن وليم فولكنر، الروائي الأمريكي، وجه إليه السؤال الآتي، إثر فوزه بجائزة نوبل للآداب: ماذا تود أن تفعل، لو خيرت، فيما تبقى لك من عُمْر؟ وكان جوابه: العمل حارسا في ماخور، وقراءة (دون كيخوته). قد تمر هذه الأمنية المستحيلة مرورا عابرا، فلا تلقى اهتماما من أولئك الذين لا يعرفون بأن المكان الذي تمنّى فولكنر أن يمضي بقية عمره في حراسته، هو مخزن لاينتهي للتجارب الإنسانية المتنوعة، التي تستثير كاتبا بمنزلة فولكنر، ولكن الأكثر غرابة بالنسبة لأولئك وغيرهم هو قضاء ما تبقى من العمر في قراءة كتاب واحد. لكنني أسارع إلى القول بأن(الدون كيخوته) هو كتاب المتعة الذي لا ينتهي، المتعة التي تنبثق من سطوره إلى ما لانهاية. وبالنسبة إليّ فإن كتابين اثنين فقط لهما امتياز التجدّد الدائم الذي لا يعرف الشيخوخة: ألف ليلة وليلة، والدون كيخوته.
لم يكن فولكنر على خطأ، الماخور والدون كيخوته يقدمان كشفا خصبا للتجارب الإنسانية. ولم يكن ضعيف البصيرة فهذا الاختيار عبر عنه في خريف عمره، بعد سنين طويلة من تجارب التخيل الروائي: الصخب والعنف، ضوء في آب، فيما كنت احتضر، الدب، اهبط يا موسى، وغير ذلك.ولكن ما السرّ الذي ينطوي عليه هذا الكتاب، ليحوز هذا الإعجاب الاستثنائي؟ فيصبح الكتاب الثاني بعد الإنجيل في كثرة طبعاته في العالم، إلى درجة تشكلت حوله مكتبة كاملة من الشروحات والتفسيرات و التأويلات& والتحليلات النقدية، ونشأ تخصص أكاديمي يعرف بـ" الثربانتسية" نسبة للمؤلف، فثمة أكثر من نصف مليون كتاب وبحث ودراسة عن ثربانتس, ولطالما سألت نفسي هذا السؤال، وأنا أقرأ، وأتمنى دائما أن أعيد قراءة& الدون كيخوته، منذ أكثر من ربع قرن.سأرجئ الجواب الآن، فالواقع قد لا أوفّق في الإجابة، ولكن سأنتهي إلى ما أظن أنه إجابة قريبة.
&صدمني الكتاب بقراءته الأولى منتصف السبعينيات من القرن الماضي، لم أتلقاه ضمن النسق الشائع باعتباره كتابا للبطولات الخيالية، وهو النسق الشائع إلى يومنا هذا، إنما فوجئت به كتابا ينتمي إلى نسق مختلف، وكان هذا بحد ذاته أشبه بالكشف الشخصي الذي جعلني أتعلّق بالكتاب،وكلما مضيت معه عبر السنين ازددت يقينا بذلك الكشف الأولي البسيط، ولقد عززت البحوث والدراسات التي اطلعت عليها فيما بعد فكرتي، فإذا بالدون كيخوته قارة تحتاج دائما إلى إعادة اكتشاف.
حصلت على الكتاب من صديقي الذي انتهى به الأمر الآن في كندا:عواد علي.أتذكر تماما كيف حصل هو عليه.كنا جماعة من عشاق الأدب والحياة في كركوك/ العراق، وقد تعرفنا إلى جان دمو الذي كان قد عاد من بيروت، وكنا نلتقي في إحدى المقاهي كل مساء تقريبا، وليس لنا غير التماهي بشخصيات رامبو وفرلين وبودلير، ثم فلوبير وهيغو ودستويفسكي وتشيخوف وديكنز، وملفيل وليرمنتوف، وأخيرا سارتر وكامو وبيكت وأراغون وإيلوار، وهؤلاء وغيرهم ضربوني في العمق منذ تلك الفترة فلن يصلح أمري أبدا، وكان جان دمو الأكبر سنا، والأثرى تجربة فيما نظن، والعابث الأبدي بكل شيء، يلوك تلك الأسماء المدهشة، ويمضغها، كأنه تربى مع أصحابها في حضانة للأطفال، فيما كانت تلك الأسماء الرنانة تثير الذعر والمهابة في نفوسنا، كأنها لنخبة مبجلة من الأولياء والقديسين، فنسارع إلى المكتبة المجاورة لشراء ما نسمع من كتب ، ولما رأى الأصدقاء الأكبر عمرا هذا التعلّق السحري الذي نبديه بالكتب، شجعهم ذلك على بيعنا ذخائرهم بأثمان بخسة، كانوا هم يحدّدون الكتب وأثمانها، وبلا أي طمع، أشعر منذ تلك السنوات الذهبية إلى الآن بأنني مدين لرعايتهم المخلصة تلك، وهذه الجماعة من الأدباء كانت من الجيل الوسط الذي واصل المسار الخاص لجماعة كركوك الأولى التي ترحّل أقطابها في بقاع الدنيا، ولم يبق سوى جليل القيسي معتكفا في بيته، يعمل في غرفة بمساحة مترين تتبع شركة النفط، والذي سيصبح بعد نحو عشر سنوات من هذه الفترة التي أتحدث عنها أحد الأصدقاء الحميمين لي، لكن هذه الجماعة التي رعتنا نحن الأصغر عمرا وتجربة بكثير، لم تنتزع مكانة تليق بها، جان دمو أحد بقايا الجماعة الأولى، لكنه شخصية محيرة:أديب بلا أدب. تشبع تماما بالتخيلات الأدبية مثله في ذلك مثل دون كيخوته الذي غرق في روايات الفرسان منذ قرابة أربعة قرون خلت.
في أحد الأعياد غاب جان دمو عن المقهى الذي كان يراهن فيه دائما على كتابة رواية تفوق "موسم الهجرة إلى الشمال " لو منحه أحد عشرين دينارا ( لم تتحقق أمنيته تلك على الإطلاق، فأصدر ديوانا بعنوان" أسمال بالية" في مطلع التسعينات، وكتبت عنه مقالة وقت صدوره استعدت فيها ظروف علاقتنا في مطلع السبعينيات) ووجدنا أنفسنا ملزمين بزيارته في بيته، كنا أربعة:
حمزة حمامجي أوغلو، وهو أديب تركماني، عمل في حمام يجاور بيته، ومنه استعار لقبه، ولطالما زرناه في بيته الشرقي الضيق العتيق المعتم الذي يتكون من غرفة فيها سريره العائلي، ومكتبته،وأشياء البيت بأجمعها( الغرف الأخرى يسكنها مستأجرون آخرون) وأتذكر الزقاق المغطى بالدخان الذي يوصل البيت بالطريق العام، ذلك الممر الذي تطل عليه نوافذ الحمام التركي الخلفية المغطاة بالسخام، حيث كان يعمل فيه قبل تعارفنا،وهو يقابل نهاية شارع أطلس في قلب المدينة، وكان يكتب قصيدة النثر، ونشرت له مقاطع مفعمة بالغرابة في مجلة( الكلمة) التي كانت من أشهر المجلات الأدبية في وقتها، ثم نشر أجزاء من رواية بالتركمانية، عنوانها "ثيران الجنة" واكتشفت بعد أكثر من& عشر سنوات أن العنوان مستعار من أحد فصول رواية :يوليسيز لجيمس جويس.
&&&& إسماعيل إبراهيم العبيدي، وهو موظف وديع في بلدية كركوك، شاعر يكتب بالتركية والعربية ومترجم له أعمال شعرية كثيرة، وراح يكتب في الثمانينيات القصة القصيرة، وله اهتمامات بالرسم ومع أن لقبه عربي يتصل بإحدى القبائل العربية في كركوك، فإنه كان يكتب بالتركمانية، وكان التداخل الثقافي، والاندماج الإنساني في تلك الفترة لا يجعلنا نفكر بكل هذا، ومع أننا ترافقنا لنحو عشرين سنة، فإنني لم أسأله عن ذلك، ولم يخطر ببالي الأمر، فقد كنا نتعايش كمثقفين في منأى عن الانتماءات العرقية والدينية الضيقة، التي لم تطل برأسها إلا في فترة متأخرة. وكانت الألقاب العربية شائعة بين الأدباء من قوميات أخرى ،ولعل المثال الأشهر عائلة العزاوي، ومنهم فاضل العزاوي، ثم أخوه يونس كلو، الذي تخطّى اللقب، وكنا في مدرسة واحدة خلال الدراسة الإعدادية، وأذهلتني رسوماته حينما تصادف، وكنا صغارا نتابع لعبة كرة القدم في ملعب المصلى الترابي، وجلست جواره، ورأيته منهمكا بالتخطيط، وفيما بعد علمت بأنه الأخ الأصغر للشاعر والروائي فاضل العزاوي، وكان يتفاخر أمامي بحفظ صفحات كاملة من رواية (الغريب) لكامو، يستظهرها حينما كنا نلتقي، وفي بداية أمرنا كنا نشترك في أماسي شعرية، قبل أن نهرب جميعنا من الشعر، وقد غادر العراق أيضا مبكرا إلى إيطاليا. وهكذا كان الأمر مع أصدقائنا من الأكراد والأرمن وغيرهم، ولما أخبرت فاضل العزاوي بذلك في الدوحة في مارس من عام 2002 صعق وقال أن يونس لم يكن يجيد العربية، فكيف كان يحفظ تلك الصفحات الطوال!
&ثم عواد علي الصديق الأقدم، والأكثر قربا، الذي درسنا معا في المدارس الإعدادية والثانوية ، وكنا نسكن في حي واحد، وكان يجيد اللغات الثلاث الشائعة في كركوك: الكردية والتركمانية والعربية، ومثلي نزح أهله من الحويجة منطقة القبائل العربية، وسكن المدينة قبلي، وكان يعتز بلقبه "المعماري" الذي تخلّى عنه فيما بعد، كما تخلّى معظمنا احتقارا للانتماءات العشائرية، لأنها لا توافق الرؤى الفكرية الجديدة التي ننتمي إليها، والتي تتخطّي أي انتماء آخر، كان ذلك إبان الدراسة الثانوية، وكان قد سكن محلة ( بريادي) في طفولته في بيت يعود ليهودي ترك المدينة في مطلع الخمسينيات من القرن العشرين، والبيت أشبه بخان كبير، فيما روى لي، تسكنه ست عشرة أسرة، وهكذا امتزج منذ الصغر بعالم متعدد اللغات والأعراق، وكنت أعتبر ذلك امتيازا له، لم يتوافر لي، وكان شاعرا مثلي في بدايته، ولغته تفوق لغتي دقة، وله ذائقة مميزة، ويرتدي ملابس بألوان صارخة في مراهقته، أذكر منها بذلته البرتقالية المثيرة ذات البنطال العريض من الأسفل الذي يقارب نصف متر، وتسريحة شعره الطويل، وقد صقلته المدينة قبلي، فقد وفدت إليها، وأنا في نحو الثالثة عشر من عمري تقريبا، وقد لمع نجم عواد علي في الثمانينيات كناقد مسرحي، وأنجز أطروحة عن السيميولوجيا في المسرح العراقي، وشكلنا في بغداد فيما بعد جماعة (النقد الجديد) التي تتكون منا نحن الاثنين وسعيد الغانمي ومحمد صابر عبيد، وكتبت أنا المشروع النقدي للجماعة، ونشرته في إحدى الصحف،وعقدنا لقاء جماعيا واحدا في مدينة السليمانية شمال العراق، وثارت علينا ثائرة الوسط النقدي التقليدي، فردّ عليهم عواد علي وسعيد الغانمي ومحمد صابر عبيد ،وأصبح& عواد مثلي أستاذا في الجامعة ،وبعد مغادرتي بسنوات غادر إلى الأردن، وأقام فيه نحو ست سنوات يعمل باحثاً في المعهد الملكي للدراسات الدينية، وأنجز كتبا في مجال النقد المسرحي، ثم هاجر إلى كندا قبل سنتين. وكان الأخير من المجموعة هو:أنا.
&كان جان دمو يعيش في بيت أهله، بيت والده الذي يعمل في شركة النفط، ويقع البيت في أحد الأحياء الشمالية من المدينة على طريق أربيل على مقربة من أكبر خزانات المياه في المدينة( قصف في الأيام الأولى من الحرب العراقية الإيرانية في عام 1980)، كان وحيدا بين مجموعة من الأخوات، وأعتقد بأن أخاه الوحيد قد سبقه بثلاثين سنة مهاجرا إلى أستراليا، وصلنا البيت وقرعنا الباب، وسألنا فتاة عن جان، فقالت( دنخا؟) وهو اسم جان، أما هذا الاسم فقد انتحله لنفسه لسبب لا أعرفه أنا، والغالب أنه سبب أدبي، فأمهلتنا للحظة، وعادت،وأخبرتنا أن ندخل، قادتنا إلى الطابق العلوي، ووجدنا جان ممدّا على سريره، كصرصار كافكا، وخيل لنا بأنه سوف يستقبلنا بما يليق بزيارة العيد، لكنه على العكس استقبلنا بشتيمة لا تنسى(= الشتيمة نفسها التي استقبلنا بها عواد علي وأنا فيما بعد، حينما زرناه في بغداد، ووجدناه قد استأجر ركنا تحت السلم في إحدى الدور المتهاوية& في الحيدر خانه في قلب بغداد،عام 1977، وكان يقرأ كتابا عن كهربة روسيا للينين) أحدث دخولنا المفاجئ فوضى، لكن جان لم يهتم بنا، وظل رابط الجأش، حتى أنه لم يغادر سريره على الإطلاق إلى نهاية الزيارة.عبثنا بكتبه، عواد علي ( وليعذرني على البوح بهذا السر الذي كان شائعا بيننا) سرق منه كتابا صغيرا مشهورا" بودلير بقلمه" وضعه في الجيب الداخلي لمعطفه، وكان جان دمو مشهورا كلص كتب، وكثيرا ما ضبط في بغداد بمعاطف معبئة بالجيوب الداخلية المحشوة بالكتب الإنجليزية الصغيرة، وهو يهم بمغادرة مكتبات الباب الشرقي، ومن المعلوم أنه أشهر لص معروف الاسم للكتب في بغداد في تلك الفترة. لكن الأمر لم ينته إلى هنا، إنما عرض على عواد أن يبيعه بعض الكتب، اختار عواد كتابين: (الدون الهادئ ) لشولوخوف بأجزائه الكاملة، ثم (الدون كيخوته) بمجلدين، وتفاصلا عليهما أمامنا، وانتهى الأمر بأن نقده عواد أربعة دنانير. كان مبلغا كبيرا، أصبح جان دمو فجأة، وفي أيام العيد، ثريا، لم نعد نفكر أينا سيدفع ثمن قهوته طوال الأسبوع القادم.
&منذ تلك الفترة كان جان بوهيميا يفرض حاجاته على أصدقائه طوعا، ويرغمهم& برضى كامل على منحه المال، حتى اعتدنا بصورة تامة على ذلك، فلم نعد نتساءل على الإطلاق عن السبب في تحمل مصروفات جان دمو الضئيلة، وفي النصف الثاني من الثمانينيات، حينما كنت أرتاد اتحاد الأدباء في بغداد، وكثيرا ما كان جان يطرد لأنه يعبث بكل شيء ولا يتردد في التبول وسط الحديقة الواسعة الجميلة بنخلاتها السامقات، واحتقار رئيس الاتحاد وأعضاء المكتب التنفيذي، ولم أتساءل أبدا، لماذا يأتي إلي النادل ،ويطلب مني دفع طلبات جان، كان مجيء النادل يؤكد لي وجود جان في المكان، وكان ينتزع الأموال من أصدقائه متى رغب، حتى تشكّلت حوله عصبة من الأدباء المفلسين، كانوا يلجأون إلى السرقة الحقيقية في بداية التسعينيات من أجل ان يتعاطوا الخمرة في حانة ( الركن الهادئ) قرب الباب الشرقي في بغداد. والمرة الأخيرة التي رأيت& جان فيها كانت في عمان، عام 1997 في الأكثر، كنت قادما من ليبيا لاستلام جائزة شومان، وعلى موعد مع صديق لي، في فندق القدس الدولي، وما أن دخلت إلى الصالة حتى رأيت جان وحيدا، مخمورا، وضائعا على الأريكة الجلدية الفخمة، اتجهت إليه، وجلسنا معا، ولم أسأله لماذا يوجد هنا، فقد كنت أعلم أنه وجملة من العراقيين النازحين يقيمون معا في كوخ ضيق وعتيق في وسط عمّان، عرضت عليه أي مبلغ يرغب يحتاج إليه، وكنت جادا وراغبا، وأغريته مازحا بأنني محمّل بالدولارات ،لكنه أبى بإصرار، أكد أنه غير محتاج الآن، ولما أخبرته بأنه سيحتاج للمال غدا، غضب ونهض وغادر الفندق، ولم أره بعد ذلك. كان جان في حالة إفلاس دائمة منذ عرفته قبل ثلاثين سنة، لكنه نبيل متى اكتفى، وحاجاته قليلة. ولم أتعرّف على نموذج يماثله في هذه الرفعة.
&باع جان الكتب التي أرجح أنه سرقها بثمن مغر، واعتبر ذلك، فيما يبدو لي، غفلة مراهق يعيش وهم الكتب، وهو الوهم الذي لم يتمكن جان دمو على الإطلاق أن يتخلص منه إلى أن توفى قبل أيام في منفاه في أستراليا.،وهو ذاته وهم( دون كيخوته) الذي جنّ بسببه. وخرجنا من البيت دون أن يكلف جان نفسه رفع الغطاء عن جسده النحيل، يا لروعة تلك الأيام الساحرة! كان أول ما قمت به بعد ذلك استعارة ( الدون كيخوته) من عواد علي، وفي وقت آخر استعرت& (الدون الهادئ) الذي سحرني لسنوات، وأنا أتأمل المصائر المتقاطعة لغريغور بين البلشفيك والمنشفيك، والشد والجذب منقطع النظير بين البيض والحمر. وسحرتني وأغرتني في الصميم بطلة الكتاب:أكسينيا، وجدت نفسي مع (الدون كيخوته) أدلف عالما مخضبا بالمتعة والمفارقة والسخرية الدسمة التي لا تأتي عن سوء تصرف إنما عن تباين في المفاهيم& والتصورات والرؤى،وتعلقت بالكتاب، وأغريت صديقي بشرائه، ولم أفهم إلى الآن لماذا أمتنع عن ذلك، مع أن كثيرا من كتبه التي يتحصل عليها بطرق مختلفة كانت تنتهي في مكتبتي، ومازالت مكتبتي المودعة في العراق، ولم أرها منذ أكثر من عشر سنوات، وفيها آلاف الكتب ،يعود أصل كثير منها لعواد، فقد كان يتعرض دائما للإفلاس، فأستثمر الفرصة، وأساومه على الكتب التي أريدها، كنا طلابا صغارا، وأعتقد بأننا كنا دائما على حافة الإفلاس، لكننا لم نجد أنفسا جائعين يوما ما ومفلسين بالمعنى الحقيقي، وكنا أحيانا نعبث بالنقود القليلة على الملذات الحقيقية، ونسافر من كركوك إلى بغداد (300كم) لرؤية فيلم، أو مسرحية(بغداد الأزل بين الجد والهزل)و( رحلة في الصحون الطائرة) أو لشراء الكتب التي تشكل هاجسنا الأكثر أهمية، ثم زيارة جان دمو حينما ارتحل إلى بغداد ، فيما بعد، وتركنا كالأيتام في كركوك، ولا أتذكر طوال تلك السنوات بأننا تراجعنا عن كتاب كنا نريد شراءه، حينما كان الأمر يتعلّق بكتاب كانت أموالنا موجودة،ومن هذه الناحية كنا أثرياء،والكتب التي نقرأها، ولا نجد ضرورة للاحتفاظ بها، كنا نستبدل بعشرة منها كتابا واحدا عند (دايي أمين) صاحب المكتبة الأشهر والأعرق في كركوك، وكنا نعرفه مذ كان قاطعا للتذاكر في الحافلات الحكومية التي نركبها في طريقنا للمدارس، فتشكلت علاقتنا به على مقاعد الحافلات العتيقة، وفي الليل حينما كنا نعود من المنتدى الأدبي، نجده وحيدا في مكتبته الضيقة، أمام كأس العرق، وآنذاك يمكن ان نشترى منه أثمن الكتب بأبخس ثمن. وبهذه الطريقة كانت تتجمع لدينا أنفس الكتب، فيما بعد، بعد عشر سنوات ذهب (دايي أمين )إلى الحج، وغاب الكأس من مكتبته، خسرناه،& وأرتفعت أثمان كتبه، ولم نعد قادرين على مساومته، بدا لنا فجأة شيخا صارما! فقدنا إلى الأبد دايي أمين الأول الذي عهدناه.
&&&& لم يبد عواد اهتماما صريحا بالدون كيخوته في يوم ما، وأرجح أنه لم يقرأه، لأنني كلما صادف وتحدثت عنه، كان& يشيح بوجهه عن مشاركتي أي إعجاب، ومع ذلك أعتقد بأنه الكتاب الوحيد الذي لم يفلح إلحاحي معه في بيعه حتى في أحلك الظروف المالية التي مرّ بها، كم أتمنى الآن أن أسأله عن ذلك السر، سرّ الامتناع الغامض عن عدم بيع الكتاب، مع أنه كان يتخلى أحيانا بسهولة بالغة عن كتب أكثر أهمية في موضوعات التاريخ والأدب. لقد تركنا مكتبات كبيرة تتضمن كنوز الآداب العالمية، وخلّفنا أيضا هناك ذكريات رائعة: بلاد ومدن ونساء وكتب.
&&& صرت أقرأ الدون كيخوته بصورة متواصلة من صديقي الذي لم يمل يوما من إعارتي إياه، وتتضخم القيمة الفنية له مع كل قراءة جديدة. وعلى الرغم من صعاب السنين العشرين الأخيرة، والترحال، والانتقال بين المدن والبلاد، والانهماك بأعمال الفكر والنقد فإن قيمة دون كيخوته لم تضمحل أبدا في نفسي، وفي إحدى زياراتي الكثيرة إلى العاصمة الأردنية منذ سنوات، عثرت على طبعة جديدة من الكتاب صدرت عن (دار المدى) وهي ذات الترجمة التي قام بها عبد الرحمن بدوي في منتصف الخمسينيات حينما كان مقيما في سويسرا، وأصدرها في منتصف الستينيات، أقول عثرت على الطبعة الجديدة ،واقتنيتها فورا، وظلت معي حتى في أسفاري إلى المؤتمرات الأدبية والندوات، ألجأ إلى الكتاب دائما، واختار عشوائيا أحد الفصول للقراءة، أتصور بأن صفحات.
&في زيارتي الأخيرة إلى أوربا& خلال صيف 2001 حملت معي كتابا واحدا في حقيبة السفر:الدون كيخوته، قرأت أطرافا منه في المغرب، وصلت إلى منتصف الجزء الأول، وفي مضيق جبل طارق جلست أمام إحدى النوافذ في السفينة،وقرأت فصلين من مغامراته العجيبة، ومضيت أقرأ في غرناطة، بعد العودة من قصر الحمراء، وفي قرطبة بعد زيارة المسجد( لاميثكيتا)، وفي أشبيلية بعد زيارة الكاتدرائية العظيمة( الخيرالدا) في سانتا كروث( الصليب المقدس) ثم مدريد بانتظار محسن الرملي الذي يعد دكتوراه في الدون كيخوته، ولكن الذكرى الأكثر جذبا كانت طليطلة، المدينة التي تقع في إقليم لامنتشا الذي ينتسب إليه( دون كيخوته المنتشاوي)، وتنتمي زوجة ثربانتس إلى الإقليم نفسه، وتقع معظم أحداث الكتاب فيه، وقد ادعى ثربانتس داخل روايته بأنه قد وجد مخطوطة الكتاب& العربية التي كتبها& مؤلف عربي اسمه سيدي حامد الإيلي في أحد أسواق طليطلة، كما ترد الإشارة إلى ذلك في الفصل التاسع من الجزء الأول صفحة95 من ترجمة بدوي، طبعة دار المدى، وتتكرر الإشارة في ص198و270، بدا لي أمرا مغريا أن& ينتمي المؤلف والبطل إلى نفس الإقليم:لامنتشا.
&ما إن غادرت طليطلة التي هي متحف أثري بامتياز، واتجهت إلى محطة القطار في الثالثة عصرا، باتجاه مدريد، حتى فوجئت بالمحطة التي بنيت على طراز محطات القطار في الغرب الأمريكي ، كما تظهرها أفلام رعاة البقر، التصميم نفسه، كانت المحطة خالية إلا من امرأة في الطرف الآخر من المقاعد الطويلة، فالقطار القادم من مدريد يصل في الرابعة، وثمة ساعة كاملة، جلست على أحد المقاعد، واتكأت على حقيبة السفر، ورحت أقرأ في الكتاب عن المغامرة التي يتصور فيها دون كيخوته القسس الذين يحملون جنازة بأنهم جيش من فرسان الأعداء فيحمل عليهم. وتصورت للحظة أن الدون كيخوته وتابعه (سانتشوبانثا) سيظهران في أفق السهل المترامي الأطراف أمامي، فقد تخيل ثربانتس مغامراتهما في هذه السهول، كانت المحطة الخالية، والوقت، والدهشة تجعلني على شبه يقين بأن فارس لامنتشا سينبثق أمامي على ظهر بغلته الهزيلة (روثينانته)يرتدي بزة الفرسان، وخلفه التابع العجيب. خطفني القطار إلى مدريد، وفي القطار العابر إلى فرنسا، واصلت القراءة،وفي باريس أيضا، بل إن سحر النورماندي في روان ودوفيل وبروفيل ومون سان ميشيل لم يصرفني عن بعض صفحات الدون كيخوته، وكذلك في بلجيكا: بروكسل، كنت، بروج، نوكا على بحرالشمال، في المقهى وكان الجو ممطرا، ثم بعد ذلك في هولندا:& دنبوس حيث استقبلني المطر، لاهاي (= دان هاغ) ثم امستردام. وفي الطائرة التي أعادتني إلى بلاد الشرق، بعد أن فرغت من الصحف استغرقت في الدون كيخوته، كانت رحلة مثيرة في بلاد وكتاب.
صرت أفهم بعد ربع قرن على أول ملامسة لهذا الكتاب كلام فولكنر بطريقة أفضل، وبتصور أعمق، الدون كيخوته لا يُملّ، كتب على حافة الهاوية بين الرغبة والانطفاء. وفي الحد الفاصل بين الأمل واليأس، وأظنه أفضل مجاز تمثيلي عبّر عن الحكمة الساخرة بين عصرين ثقافيين مختلفين. وخلف الأحداث المباشرة التي تعرض في الدون كيخوته، تلوح في الأفق مواقف لاتخفى، منها السخرية المبطنة من الكنيسة، والفكرة الأكثر إلحاحا وهي الأحلام الاستعمارية الخاصة بفتح الأسبان للعالم الجدي في أمريكا الجنوبية، فالوعود المتواصلة التي يغدقها بسخاء دون كيخوته لحامل سلاحه (سنشوبنثا) هي منح جزيرة فيما وراء البحار النائية حالما يصبح هو إمبراطورا، أو منحه وظيفة كنسية أساسية في حال أصبح هو كبيرا للأساقفة، ومع أن هذه الوعود تظل متعثرة إلى النهاية، لكن أحلام الفارس وتابعه تنبضان في الكتاب إلى نهايته. ارتبط في ذهني إلى الأبد جان دمو بالدون كيخوته، فطالما كانا في ذهني يتشاركان في هذه الأحلام المستحيلة.
&حينما نقل إلي عواد علي نبأ وفاة جان بالسكتة القلبية في أستراليا، تخيلت للحظة أن شيئا حقيقيا تهدم في داخلي، وانبثقت فجأة ذكريات متواصلة عن رجل شجاع في الرأي والذائقة دامت أكثر من ربع قرن، لكنه تعرض للمحنة ذاتها التي تعرض لها سلفه العظيم دون كيخوته، وفيما راح جان يتصاعد ككائن أثيري خالد، فالمؤكد أن كل أدباء العراق سيشهقون بألم عن غياب هذا المارد، بسنه الوحيدة، وسخريته المريرة، وعبثه الاستثنائي بالعالم كله، في وقت شرع الآخرون فيه للفرح، وسيتبادل عراقيو المنافي رسائل الكترونية كثيرة هذه الأيام عن صديقهم الحالم، الذي كان العاقل الوحيد بيننا، فيما ستشرق عصبته المخلصة بالدموع والعرق، وهي تستعيد أثره الذي لا يمحى في بارات بغداد.
abdullah-ibrahim.com
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف