أخبار

الخطاب الإسلامي وضرورة المرحلة

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
أحمد غلوم
&
&
أضحى لزاماً على الخطاب الإسلامي المعاصر المراجعة الذاتية والنقد الذي يهدف لإعادة بناء بعض آلياتها وممارسة التجديد الذي لا يعني إلغاء ما سبق واستحداث خطاباً جديداً، وإنما يكمن في الاستحداث والإبداع والتكيف والمستجدات التي تتوالى على المنطقة العربية.
ولا يعني التجديد الخروج من مراحل يأس أو فشل والوغول في مرحلة جديدة تتلألأ فيها النجاحات والإنجازات، بل هو الاستمرار في النجاح والإبداع وطي مراحل من التقدم إلى الأمام والتقرب للأهداف المبتغاة من هذا الخطاب الإسلامي.
وفي ظل التطورات المتلاحقة والزاخمة بالتصورات المنوطة بتغييرات جذرية لبقع جغرافية عديدة وتشكيل منظومة النظام الدولي الأحادي القطبية الذي بات مارداً يهول الانظمة القائمة وأصبح وكأنه يملك " الريموت كنترول " الذي يتحكم به بالدول ونسيج المجتمعات وعقائدها والذي امتد أيضاً لقيمها ومثلها المجتمعية، أضحى من الضروري بمكان أن يمارس الخطاب الإسلامي الدور الأكثر فاعلية وجرأة مما كان في مراحله التاريخية الماضية، لا سيما وأن بعض نوافذ الحريات النسبية بدأت تتفتح في بيت كان مظلماً وكابتاً لتلك الآفاق لعقود ليست بقليلة من الزمان.
و (الخطاب) لا يعني مجرد الكلام بل هو تبادل الكلام والحوار مع الآخرين، وقد استخدم هذا المصطلح لأكثر من عقدين من الزمان بكثرة وقد تبنى ملتقى ابن رشد في الجزائر عام 1980 استخدام هذا المصطلح الذي يشير بـ (مقالات الإسلاميين) كما كان تعبير أبو الحسن الأشعري، وقد تطور المعنى الاصطلاحي للخطاب إلى الممارسة العملية للاسلاميين عبر المؤسسات الإسلامية والحركة الإسلامية وغيرها، والتي تمثل وجوه هذا الخطاب فيها، وهذه الممارسة تتضمن المشاريع والأهداف المعلنة في مجالات السياسة والثقافة والفكر والتي تمثل توضيحاً لهذا الخطاب، وأما ما نعنيه بـ (ضرورة المرحلة) فهي التغييرات الجذرية الحاصلة في المنطقة والتي لا تقل أهمية عن التقسيم الاستعماري السابق لمناطق في الشرق الأوسط بعد سقوط الدولة العثمانية التي كانت بمثابة الصداع النصفي المزمن لدول الغرب، وهذه التغييرات ليست مجردة من تحولات في الفكر والثقافة التي تسعى تلك الدول جاهدة " تمييعها " لتتسالك والمسار (الخدمي) للمصلحة الغربية، وهي ليست مجردة من محاولات لإلغاء الهوية العربية والإسلامية على وجه الخصوص، والتي تسعى تلك الكيانات منذ إبان الاستعمار في طمسها وإعادة تركيبها " تركيباً " يمكن بسهولة تفتيتها وفصل أجزاءها إذا ما شاءت مرة أخرى، وهي ليست مجردة من تعطيل أي تجديد في الخطاب الإسلامي ومحاولة فصل الإسلاميين عن نسيج ومسمى الإسلام ببصمة (الإرهاب) التي بصمت على خريطة الحركات والجماعات والمؤسسات الاسلامية والخيرية والاغاثية ايضا، وهذا الفصل بدوره يفرز تجميد الخطاب الإسلامي وجعل الإسلام يقف عند الشعائر العبادية البعيدة عن واقع الحياة، ليجد (الاسلاميين) اصحاب الخطاب الاسلامي (خارجين) عن اطاره، ويكون الخطاب في دائرة الطهارة والنجاسة، او في أفضل الاحوال خطابا يستذكر أمجاد أجداده وتاريخه النضالي بالتهليل،، فضرورة المرحلة هي المرحلة التي يسعى من خلالها الغرب تحجيم الخطاب الإسلامي، وهو لا يقتصر على تجميد الخطاب وإنما استبداله بخطاب علماني - ليبرالي مستغلاً بذلك دعوات الحرية والتحرر من الأنظمة المستبدة.
&
الخطاب الإسلامي والمشروع الثقافي
لذا يعتبر التحدي الثقافي من أبرز معالم الضرورة المرحلية التي بتنا في قلبها، وأصبح لزاماً أن يكون الخطاب بمستوى التحدي، وقد أشرنا أن هذا التحدي بدأ يأخذ أبعاده ويستحكم بآلياته منذ عقدين من الزمان كان خلالها الغرب يضع المخططات الهيكلية للمنطقة، وها هو يعلنها الآن بنظامه الدولي الجديد والذي قد مهد لها بنظامه الاقتصادي ( العولمة )، ولعل الأبعاد الجديدة في الخطاب العلماني والنابع من الدولة العلمانية الليبرالية العربية (المزروعة) والذي سيكون اللاعب الظهري للعبة الغرب الأمريكية المرتقبة، أوضح دليل لتشكيل صورة هذا التحدي، وتجربة الشيوعية في المنطقة العربية وخلال الحرب الباردة لا يزال جلياً أمام ناظري الخطاب الإسلامي، وتعاد تلك التجربة الآن لكن بالايديولوجية الرأسمالية التي لا تقتصر على استغلال وقود المنطقة لتشغيل الآلة الامريكية، وإنما التغيير الثقافي لنكون قطع غيار لهذه الآلة، وهذا بطبيعة الأمر لا يقصر الدوافع على هم المصالح وإنما يمتد لبناء جسر التحدي العقدي الذي بدأ من خطبة البابا ( أريان الثاني ) في جنوب فرنسا عام 1095 والذي دعا فيه المسيحيين للوصول إلى بيت المقدس والذي سمي لاحقاً بالحروب الصليبية، وليس بالسذاجة الثقافية أن تطرح هذه المخططات وإنما السذاجة تكمن في تأطير أهداف الدول (العظمى) في مصالح اقتصادية وتوسيع السيطرة (الامبراطورية) فقط.
ومن قضايا هذا التحدي الثقافي اختلال موازين القوى بين الشرق - الإسلام- والغرب، ففي حين تحاول دولنا ملاحقة التطورات العلمية والتكنولوجية لإضافتها في الكتب والمواد الدراسية يقفز الآخر قفزاته العلمية التي لا تستطيع الدول العربية وشعوبها المبوتقة فيها أن تتخيلها وتتفهم أبعادها، وفي حين لا زالت الدول العربية أو دول العالم الثالث تتحدث عن الثورة الرقمية والمعلوماتية المتسارعة أضحى الغرب يتحدث عن (البيوتكنولوجيا)، وقد أشار الفاتح كامل في دراسة له في جريدة القدس العربي تحت عنوان (الحالة الأمريكية الراهنة - قراءة مقارنة) 7/3/2003م ، أننا في حين لا زلنا في وقفة الانبهار والطفل الكسول أمام الأستاذ البروفسور وهو يتحدث عن ثورته المعلوماتية كان ( بين كل هذا وذاك عصر جديد في حياة البشرية يتطور بصمت بين جدران المعامل ومراكز الأبحاث بعضه بسرية مطلقة وبعضه بعلنية فيها من التعمد بعض الشيء معلنة عن أفول عصر المعلوماتية وبدء عهد تقنيات البيوتكنولوجيا، حمى الاستنساخ التي اجتاحت العالم حتى لقد وصفت بأنها أخطر تقنيات البيوتكنولوجيا حتى الآن...).
ويساعد هذا التحدي الثقافي طبيعة الانظمة القائمة التي لا تكتفي بإهمال قضايا التنمية والتطور وانما تقف حجرة ثقيلة أمام خيارات الامة في التطور، فلا زال الخطاب الاسلامي يعاني من المطالبة برفع طوق الكبت وإطلاق الحريات، وهذا ما يساعد في تحجيم هذا الخطاب ويصعب من درجة التحدي الثقافي الذي أضحى الآن في أخطر منحنياته، ولهذا بات أبرز وجوه التحدي هو (التحدي الثقافي)، وأصبح من واجب الخطاب الإسلامي أن يطور هذا الخطاب الثقافي حتى لا يقف أمام الآخرين وقوف العاجز او المشلول،وحتى يحافظ على قيمه ومبادئه لكون الخطاب الثقافي هو كما يعبر عنه محمد محفوظ في كتابه (الفكر الإسلامي المعاصر ورهانات المستقبل) : (قوام الأمة وهويتها الأصيلة ولا يتحقق مفهوم الأمة بلا خطاب وسمات ثقافية.. ).
فجدير بالخطاب الإسلامي المعاصر أن يركز في بناءه لمشروعه الثقافي تلك التغيرات والتحولات المتسارعة وتداعياتها وابعادها، بالإضافة لصياغة داخلية للخطاب تتأقلم وظروف الدول العربية لا سيما في ظل التغيرات الداخلية القادمة.
ولعل من أولويات المشروع الثقافي هو العمل المؤسسي والانخراط في المجتمع المدني والأهلي الذي سيكون من أولويات الأنظمة العربية القادمة، والتي باشرت بالفعل اصلاحاتها الداخلية، وهذا العمل المؤسسي الذي يعتبر ديمومة المجتمع لا يأتي بتغيير او صناعة هيكل اداري محكم ومنظم فقط، بل يمتد الى تشكل سلوك ثقافي يتناسب ومبدأ التعددية والحوار والاستعداد بقبول رفض المجتمع .
هذا بالإضافة لإنضاج بعض السلوكيات والأفكار وقراءة التجارب السابقة والمتزامنة، فالعمل الطوعي على سبيل المثال لا الحصر من الأشكال الرئيسية للعمل المؤسسي التطوعي والذي لا يزال يفتقر لدراسات واعية وجادة تساهم لرقي العمل المؤسسي، ولا نشكك في المحاولات الجادة في هذا المجال في الفترات القريبة السابقة.
&
الحركة الإسلامية والخطاب الإسلامي
الحركة الإسلامية أحد الوجوه المفعلة للخطاب الإسلامي، وهذه الفاعلية أثبتت صدقها في تطوير الخطاب وتغيير مساراته في أزمنة كان لزاماً عليها أن تنتقل فيها نقلة نوعية لتتناسب والمرحلة، كما كان إبان الثمانينيات والتحول الثقافي الذي تشكل في أوائل التسعينات من القرن الماضي، والتي مارست الحركة الإسلامية دوراً بارزاً في استيعاب تلك التحولات الفكرية لاسيما بعد سقوط المدرسة الشيوعية وختمت المرحلة الأخيرة من مراحل الحرب الباردة، بالإضافة للثورات المعلوماتية والرقمية التي مازجت وقربت الأفكار عبر طي المسافات بين ثقافات الشعوب وسماتها، ودور الحركة الإسلامية لم يتأطر في زاوية التطوير والتغيير للخطاب فقط، بل مارست دوراً بارزاً، ولعله الدور الأكبر في تجديد وتفعيل هذا الخطاب وإيصاله للآخر، وهو ما يتضح جلياً منذ عصر التنوير الإسلامي بدءاً بجمال الدين الأفغاني ( ) ومرورا ببدايات تطوير الآليات الحركية على يد الأستاذ حسن البنا ( ) ووصولاً بتجربة الجمهورية الإسلامية في إيران، ولا شك أن طبيعة الحركة تؤهلها لإيصال الخطاب للآخر كونها منظومة جماعية منسقة متعاونة لها شبكة من المؤسسات المنتشرة في أرجاء الأقاليم الأخرى، وهذا ما يساعد في القدرة والتميز في إيصال الخطاب للآخر مقارنة بالوجوه الفاعلة الأخرى للخطاب.
والحركة الإسلامية تواجه في هذه المرحلة تحديات عديدة تعوقها من تطوير الخطاب الإسلامي وتفعيله، وهذا التحدي يتجلى في الاستهداف العلني لنشاطها بل في كثير من الأحيان في ذات وجودها، وهذا الاستهداف بدا جلياً بوصمها بـ (الإرهاب) الذي لسنا بصدد التفسير المصطلحي له، بقدر ما يعنينا امتدادات المعنى، حيث بات المعنى الثقافي لا يضاهي الإطار والمعنى السياسي له، ولعل هذا التحدي من كبرى التحديات في تاريخ الحركة، ولا يعني ذلك بالضرورة عدم نضال حركات التحرر من الاستعمار تلك التجربة، بيد أن طبيعة التحدي والنظام الاستعماري النوعي الجديد شكل تحدياً مختلفاً، فهو أقرب ما يكون باستعمار ثقافي سياسي واقتصادي، وهذا بطبيعته يتجاوز وخطورة الاشكال السابقة من التدخل والاستعمار.
ومن وجوه تلك التحديات، أن التحولات المتسارعة أصبحت واقعة وحاصلة، ومثل هذه التحولات يجب أن تستوعب وإلا استثنيت الحركة من المرحلة الجديدة القادمة، وقد أضحت شعارات بعض الحركات في تغيير وإسقاط الأنظمة القائمة غير واقعي، ذلك لكون ذات الأنظمة المستبدة القائمة وبفعل التحولات الدولية قد بدأت بممارسة تلك الإصلاحات التي ضحت الحركة الكثير لنيلها، ولهذا فنوعية التحولات بدأت تختلف وتباعاً تختلف أيضاً آلياتها، ويعتبر هذا تحدياً لا يمكن تناسيه أو الانشغال بالمطالبة بالحريات والمشاركة في القرار الداخلي فقط.
فالحركة الإسلامية يجب أن تحدد أولوياتها في المرحلة القادمة عبر ممارسة النقد الذاتي، ولعل من أولويات الحركة في المرحلة القادمة :
1- تفعيل دور المؤسسات والمراكز البحثية، التي أصبح العالم الإسلامي يعتبر من دول الصف الأخير مقارنة بالدول المتقدمة، وبات في قعر التخلف قبال المؤسسات الدراساتية والبحثية في الدول الأخرى، فعدد العلماء في دول العالم العربي لا يضاهي ثلثا عدد العلماء الموجودين في إسرائيل على سبيل المثال، بل إن الانتاج الثقافي والعلمي لجميع الدول العربية مجتمعة لا يساوي نصف انتاج دولة أوروبية واحدة ، ولسنا بصدد سرد الاحصائيات في هذا المجال بقدر استعراض ضرورة الانتاج الثقافي والممارسة العلمية والتي من ابرز وجوهها تلك المراكز الدراساتية وتلك المختبرات والمعامل البحثية، فالفكر الاسلامي لا يزال يعاني من ندرة الدراسات في الفكر السياسي الاسلامي، ولعل اهمال التراث السياسي من دلائل ذلك فرسالة (تنبيه الامة وتنزيه الملة) للشيخ الميرزا محمد النائيني والذي هو محاولة جادة في البحث الفقهي للسلطة والدولة كما وصفها المفكر السعودي توفيق السيف في كتابه (ضد الاستبداد)، قد أهملت لعقود من الزمان، وهذا من مؤشرات القصور في تلك النوعية من الدراسات.
ولا يقتصر دور تلك المراكز الدراساتية على هذه الاولوية، بل تتعداها لرصد التحولات الثقافية وقراءتها، وهذا بدوره يوضح ويبين موقعية الخطاب الاسلامي في خارطة المرحلة الثقافية المنبعثة، ومثل هذا الدور لا يمكن اتمامه بأعمال ومبادرات فردية، بل يحتاج الى طاقم من الباحثين واصحاب الرأي والخبرة كي يتم هذا الدور على اكمل اوجهه، لان هذا الدور بالاضافة لرصد تلك التغييرات الثقافية والفكرية هو التمهيد والعامل الحيوي للتخطيط والتنمية.
2- الاستمرار بفاعلية لاستحداث آليات جديدة للخطاب، فلكل مرحلة آلياتها الخاصة التي تضع الخطاب في نظاق يكون فيه (أمميا) لا يقتصر على الخطاب الداخلي الذي اتسمت به الحركة الاسلامية في مراحل سابقة، ولا يعني بكل تأكيد إلغاء الدور الداخلي بقدر ما هو تأكيد أهمية الخطاب الخارجي وضرورة المرحلة الراهنة.
&ولعل ما يساعد استحداث تلك الآليات الجديدة لهذا الخطاب ما تشهده المنطقة من حريات نسبية منشودة وتفعيل دور الأقليات من قبل الأنظمة القائمة، وهذا ما يساعد في بلورة العديد من الآليات ونوعية الخطاب ذاته في حين لم يكن باستطاعتها ذلك في ظل الكبت ومصاردة الحريات العامة والخاصة وحتى العقيدية منها في بعض الدول لبعض الجماعات والأقليات سابقاً. ومن العوامل المساعدة الأخرى، آفاق الاحتكاك الثقافي المباشر مع شعوب المناطق الأخرى والتقاء المجتمعات بفضل وسائل الاتصال الحديثة والتقدم المعلوماتي والرقمي، وكان ذلك في السابق من الهموم الرئيسية في كيفية إيصال الخطاب للآخر وقراءة الفاعلية للآخر، ولم يتم استغلال هذا العامل كما يجب في حين أنه أحدث طفرة وقفزة واضحة في الأفكار التي تداخلت وخلقت نسيجاً من الثقافات المتداخلة والمدارس الحديثة، ولا يخفى أن للاحتكاك المباشر والقريب الدور الأكبر ولا يزال يأخذ الصدارة في مسألة (الاحتكاك الثقافي) وما يصطلح عليه علم الانثروبولوجيا بـ(الانتشار الثقافي)، وهذا أيضاً بدوره بات واقعاً موجوداً لدولة كالعراق بتاريخها التراثي والعلمي العريق والذي سيكون له الدور الواضح في التأثير والتأثر بثقافات المنطقة، وهذا بدوره سيساعد ايضا في تشكيل آليات مستحدثة وآفاق جديدة لكونها تجربة جديدة في المنطقة من جهةً، ولأنها مركزاً علمياً كانت له أدوارا عديدة في صفحات التاريخ الحديث والمعاصر.
3- تولية الخطاب الاسلامي الاهتمام الجدير بالآخر الغربي، والآخر هو المجتمع لا النظام بطبيعة الحال، فالتقارب الإسلامي الغربي أصبح في وضع لا يحسد عليه منذ تطبيق الإدارات الغربية سيناريو صموئيل هينيغتون لصدام الحضارات، وباتت تلميذا مجتهداً في تطبيق هذه النظرية، وفي قبال ذلك لم يقدم الخطاب الإسلامي على نطاق الممارسة تقدماً كبيراً للتقرب والمجتمع الغربي، الذي تقربت إليه التيارات وحلقات الضغط الأخرى وهنا نعني باللوبي الصهيوني واليهودي، في حين أن الخطاب المتسم بسماحته وتقبله للآخر هو الذي هو أقرب لروح أي مجتمع من أي خطاب آخر بات بعيداً لأسباب ذاتية داخلية في المقام الاول، لكن يجدر الاهتمام في هذه المرحلة الأخذ بعين الاعتبار الخطاب الموجه للآخر، فالآخر ينظر للخطاب الإسلامي كأيديولوجية وليس كنظام إلهي حياتي متكامل، فهو يساويه بالخطاب الرأسمالي الليبرالي والاشتراكي وغير ذلك، والالتفات لذلك ليس فقط لإعادة التفكير في بعض آليات هذا الخطاب وإنما لإعادة صياغة الأهداف المرجوة من هذا الخطاب، والنقطة الأخرى التي يجب أن تؤخذ بقدر من الأهمية أن لكل مجتمع خصوصياته وسماته الخاصة وهذه السمات وليدة تاريخ طويل وأحداث ومواقف وثورات تاريخية، ولا يمكن التغاضي عن ذلك فهو لا يعتبر المسلمات التي يعبر عنها الخطاب الإسلامي في المجتمعات العربية والإسلامية بديهية ومسلمة بل لعله يعتبرها تدخلا فكرياً يريد هذا الخطاب أن يمارسه في زرع جذور ومبادئ جديدة في مجتمعاتهم !، ويجب أيضاً أن يعي الخطاب الإسلامي أن الآخر يتأثر بخطاب السلطة بصورة أكبر مما تتأثر بها مجتمعاتنا العربية والإسلامية بأنظمتها ودولها المتأخرة، فهو الآخر يعتبر من أفضل دول العالم تقدماً وازدهاراً مادياً وعلمياً، وشعوبها لا تخفي اعتزازها بأنظمتها التي أوصلتها لصدارة دول العالم تقدما وهذا كان جليا في تصاعد رصيد أصوات الرئيس الأمريكي جورج بوش الإبن بعد انتصاره على العراق، في حين كان هذا الرصيد قد خسر كثيراً إلى الثلث في قبال وإبان الحرب.

المؤسسة (الحوزة) العلمية والخطاب الإسلامي
لا شك أن المؤسسة (الحوزة) العلمية تشكل أحد الوجوه الرئيسية الفاعلة في تشكيل الخطاب الإسلامي، وهذه العلاقة تكمن في أن المؤسسة منبع من منابع التشريع الإسلامي الذي بدوره يستقي الخطاب منه القواعد والأصول، ولا يقتصر الأمر على تلك القواعد وإنما تمتد الى ممارسة التفكير والإنتاج المعرفي، وهذا ما نجده جلياً في إنتاجات الشهيد محمد باقر الصدر والنائيني والشيرازي وفضل الله والخميني وغيرهم من العلماء، وهي علاقة أيضاً ترجمت على الواقع الحياتي والسياسي في مواقف عديدة وقفتها هذه المؤسسات إبان الاستعمار وعند أوجه التحديات وكان ذلك جلياً في ثورة العشرين وحادثة التنباك وثورة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهي علاقة كانت ولا تزال تمارس فيها المؤسسة السلطة التشريعية الأولى لأي خطاب إسلامي، بيد أن المؤسسة العلمية عانت كثيراً وفي مراحل تاريخية متواصلة ومتقطعة مما أنتج ابتعادها عن الواقع السياسي والقضايا الحياتية الرئيسية، بل وتحديات الأمة التي كانت تتطلب دخولاً في معترك السياسة، وفي هذا الصدد يقول المفكر السعودي توفيق السيف عن هذا الانفصال بين المؤسسة والسياسة والسلطة : (( وفي تقديرنا فإن هذا الانفصال كان واحداً من العلل التي أصابت جسد الحضارة الإسلامية، وساهمت لاحقاً في انحدارها ومن ثم تلاشيها، حتى لم تعد غير ذكريات عن مجد غابر لم يعد له وجود إلا في كتب التاريخ ))، وقد خلق ذلك فجوة بين الفكر الإسلامي وفكر السياسة الاسلامية وبالتحديد مسائل السلطة والدولة وغيرها من مفردات الفكر السياسي الحديث، وقد أثار الشهيد الصدر مشكلة تجديد الفقه الإسلامي مراراً في كتبه وندواته، لذا يسطر توفيق السيف في توضيح المشكلة فيقول : (( في الوقت الراهن فإن مفهوم الفقه لا يغطي أكثر من الموضوعات المتعلقة بالعبادة، وبالنظر لكون الفقه المعاصر قد ركز على الجانب القانوني الحدود فإن العبادات التي يجري البحث فيها قد فصلت عن المفهوم العام للشريعة، شريعة كمنهج لحركة الإنسان نحو غايات محددة، فتكرس البحث الفقهي للنواحي الفنية فيها، وليس للأغراض أو لخيط الارتباط بينهما وبين بقية أجزاء الشريعة )).
الاستمرار في هذا الانفصام لن يشفع وضرورة المرحلة الراهنة، والتي سيواجه الخطاب الإسلامي تحديات الأيديولوجيات الأخرى لها، ولعل بعض سحاب الحريات سيكون بمثابة الفرصة التي كانت تمر بها المؤسسة العلمية في فترات متفاوتة ماضية من الزمان كما كان في (بعض) أيام السيد الطباطبائي أو الميرزا النائيني والشيخ الخراساني وغيرهم، لا سيما وأن التحديات الراهنة لا تقل خطورة ومواجهة عن تلك التحديات السابقة، لذا يتطلب من المؤسسة العلمية تحديد أولوياتها بعد تنفسها الصعداء من النظام الاستبدادي في العراق، ولعل من أبرز تلك الأولويات التي تهم الخطاب الإسلامي البدء في ردم الفجوة والانفصال الذي اشرنا إليه سابقاً عبر تطوير المناهج العلمية في هذه المؤسسة العريقة، وقد كان للشهيد محمد باقر الصدر محاولات في هذا المضمار ولا يجب أن يقف الأمر عند هذا الحد بل دراسة إمكانية إدخال بعض العلوم الاجتماعية المعاصرة في تلك المناهج الثرية، وهذا بدوره ليس بالعمل الذي يستهان به، لكنه في الوقت ذاته قابل للتطبيق، وقد أثبتت تجارب بعض تلك المؤسسات ذلك، ولكنها بقيت جهوداً فردية وطوعية.
ومن أوليات المؤسسة التي يجب أن لا يتغاضى عنها هو ضرورة دخولها في رحاب المجتمع الأهلي والمدني، والذي يتطلب بدوره التطوير الإداري والذي لا ريب أنها تعاني منه، فبفعل العلاقة التقليدية والحسنة في ذات الوقت بين التلميذ والمدرس وبين الإدارة والطالب، بيد أن المسالك الإدارية الحديثة ستساعد في ممارسة التقييم وإصلاح الأداء الناقص والخلل إن وجد بصورة أفضل، والتداخل مع مؤسسات المجتمع سيساعد في الاقتراب والتداخل والمجتمع والتأثير في الحياة السياسية وغيرها من شؤون الحياة، وهذا بدوره يساعد أيضا في تشكيل علماء واصلاحيين أقرب لقضايا الأمة ومشكلاتها.
&
الخطاب الإسلامي... السمات والملامح
ندرك تماماً أن لكل خطاب سماته وملامحه التي يميزه عن غيره، ونعلم جيداً أن يجب التركيز على بعض السمات والملامح والمكونات لإبرازها والتأكيد عليها في كل مرحلة لا يعني بطبيعة الحال أن تقتصر على هذه السمات أو تنفي وجود غيرها من الملامح والمكونات، لكن لوجود العديد من التحولات التي يتطلب منا مراجعة ونقد الخطاب على ضوء تلك التغيرات والتحولات حتى لا يكون الخطاب رسالة غير مسموعة أو صياح في خواء وادي، ولعل ضرورة المرحلة تؤكد على بعض السمات التي يجب أن يتخللها الخطاب، ولعل أبرز تلك السمات :
1- أن لا يقع الخطاب في شباك صموئيل هينغتون وفوكوياما، وبمعنى آخر الاستمرار بفاعلية ووضوح في حوار الحضارات والتعايش مع الآخر، كي يأمن الخطاب عدم الوقوع في خندق الصدام، فلم يعد يخفى أو يمكن تجاهل بعض تيارات الخطاب الغربي وأنظمته التي باتت تضع الذرائع كي تبقى باصطدام مباشر مع الخطاب الإسلامي الذي أعلنته عدواً رئيسياً بعد القطب البائد في حربها البارد معه.
ولعل تجنب الوقوع في هذه التصادم ليس بالأمر اليسير، كون من يمثل الخطاب وجوه عدة إلا أننا يجب ملاحظة أن الخطاب يجب أن يوجه في المقام الأول إذا ما كان الحديث عن الآخر الغرب إلى مفكري تلك الدول الأوروبية والغربية والذين بدورهم الأحق يصنعون رأي مجتمعاتهم ويدفعون نحو الواقعية والموضوعية في التعامل مع الآخر وهذا بطبيعة المطلب والدور يتطلب العديد من الأبحاث والدراسات الميدانية بالإضافة إلى إيجاد قنوات إضافية في التواصل مع الآخر والحوار معه.
2- يجب أن يكون الخطاب واعياً، أي أن يخلو من تلك الشعارات التي لا تصنف من أولويات الخطاب ولا أحبذ تسمية بعض الشعارات (كبيرة) لكون التشريع الإسلامي دين وحياة ولا يعد أي شعار أكبر وأوسع من طموحاتها، ولعل السعي لإسقاط بعض الأنظمة المستبدة القائمة لم يعد خياراً مرحلياً والحديث فيها لن يجدي إلا إلى تأزم الخطاب لا سيما في المرحلة الراهنة الذي بات هنالك من ينتظر هذا التأزم ولانتهاز الفرص، لذا لم يعد هذا خياراً في المرحلة الحالية، ولعل ممارسة الإصلاح والمشاركة في القرار السياسي، وتنمية المجتمعات وترقيتها، وتوجيه المجتمعات أصبح من الخيارات الرئيسية في الخطاب
3- كان ولا يزال الخطاب يمتاز بأممية الطرح وهذا لا ريب أنه من روح الإسلام كدين ومنهج، بيد أن الخطاب يجب أن يميز بين ما هو داخلي وما هو خارجي، فالخطاب الإسلامي (الوطني) الداخلي يمتاز ببعض الخصوصيات التي لا يمتاز بها الخطاب الخارجي والخطاب الموجه للآخر، ولا يعد هذا تناقضاً وإنما يندرج في سلم الخصوصيات والأوليات التي يختص بها كل مجتمع على حدة.
4- في ضوء بعض الإصلاحات التي نشهدها وبعض الحريات النسبية القادمة، يلزم أن يمتاز الخطاب بالجرأة في الطرح وهي سمة كانت تغيب في مراحل عديدة من الخطاب تضامناً وظروف كل مرحلة وخصوصياتها، وبالطبع يجب أن توجد هذه الصفة بوجود طرح ومطلب وخطاب واقعي يستحقها.
5- إبراز وتأكيد الجانب القيمي من الخطاب، ولعل تسليط الضوء على هذا الجانب بات ضرورياً في ظل انعدامها أو عدم جدواها في الأيديولوجيات الأخرى، وهذا الجانب القيمي هو أبرز ما يميز الإسلام كدين ومنهج عن غيره، ولهذا يجب أن يكون أيضاً أبرز ما يتصف به الخطاب الإسلامي، ومن جانب آخر لا يخفى أن الآخر بات يهيمن على الدول ويمارس إلغاء هوياتهم باسم القيم الحقة والمبادئ المباركة، وهذا ليس تحدياً بقدر ما هو إبراز خصائص الخطاب الآخر، ومجابهة أي قيم ومثل يمكن استغلالها.
6- يجب أن لا يقتصر الخطاب في المرحلة الراهنة بالاكتفاء والتركيز على المطالبة بالحقوق الإنسانية المسلوبة من قبل الأنظمة المستبدة فقط، وإنما يجب أن يكون الخطاب متكاملاً ومتزنا.
&
الخاتمة
لا يكون المبالغة بمكان إذا ما ادعينا أن الخطاب الإسلامي يواجه تحدياً حقيقياً في المرحلة الراهنة، وهي مرحلة تتسم بسرعة التحولات والتغيرات، فإن اعتاد الخطاب الإسلامي على بطء الإصلاحات والتغييرات في دولنا العربية، فهو لم يعد كذلك دولياً وداخلياً أيضاً بتأثير الأول، وهي مرحلة يواجه فيها الخطاب الإسلامي أقوى دولة في العالم بترسانتها الثقافية وأسلحة مراكزها ومدافع مكانتها الدولية.
&وهي مرحلة ستشهد بروز وظهور تيارات ومدارس عديدة، منها الجديدة ومنها المنبعثة من جديد، وهذا بطبيعة الحال سينمي الأفكار والتلاقح المعرفي، لكنه في الوقت ذاته سيجعل الخطاب الإسلامي أمام مهمة كبيرة وصعبة إذا لم تتطور وتزدهر وتغذي مراكز دراساتها بالباحثين والعلماء والمهتمين.
ومن جانب آخر يجب أن لا يكون الخطاب الإسلامي يقف عند خيار إثبات الوجود فقط وإنما يسمو فقط هذه الخيارات كي يكون خطاباً في مستوى التحدي، وقد أثبت التاريخ قدرة الخطاب الإسلامي في التميز في أحلك مراحل تاريخه الطويل، ولا زال هذا الخطاب ديناميكياً وفاعلاً إلا أن لكل مرحلة تحدياتها الخاصة التي يجب أن يراجع الخطاب فيها ذاته.
&
كاتب من الكويت
tahmasbi@hotmail.com

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف