مختصر الفتاوى النهلستية
قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
&
كنت أتمشّى مع الصديق الشاعر محمد الماغوط في شارع العابد في دمشق قرب البرلمان، إلتقينا بصديق الطفولة المهندس رأفة الكردي، و كان قد أصبح وزيراً للمواصلات. كان سيادة الوزير يغذُّ الخطى للوصول إلى مقر عمله، و كنا نغذ الخطى للوصول إلى مقهى عادل القباني حيث نعاقر الميسر و نحتسي قليلاً من الويسكي، عاتَبَنا سيادته بجديته التي اشتهر بها:
-&كيف أصبحُ وزيراً ولا تأتون لزيارتي؟
كُنا في عجلة من أمرنا، وعدناه بالزيارة في اليوم التالي، لكن محمد رفض في اليوم التالي تنفيذ الوعد، قال لي:
-&أنا لا أزور وزيراً!
حاولت إقناع محمد أن رأفة الكردي صديق و شيوعي و زميل تسكع، قبل أن يكون وزيراً، و أن هذه الصفات تغفر له من ذنبه ما تأخّر، لكن محمد أصر على الرفض، واضطررت إلى الذهاب منفرداً.
استقبلني سيادته في مكتبه في الوزارة ببشاشة، استرجعنا ذكريات الطفولة ورابطة وحي القلم التي ضمتنا في الخمسينيات، وفجأة أصيب سيادة الوزير بنوبة من نوبات التنظير و الافتاء، إتخذ وضعية رجل يحمل مستقبل الأمة على كتفيه، تغيّرت ملامح وجهه بحيث صار قريب الشبه من أندريه جدانوف، قال:
-&أنت يا أبا يسار "نهيليست" و أن تكون نهيليستياً ليس بالأمر السيئ جداً، لكنك زوّدتها كثيراً!
و لمن لا يعرف، فان كلمة نهيليست في قاموس الماركسية الأورثوذكسية، تهمة استعملها ستالين و جدانوف لإرسال بوخارين و زينوفييف إلى أقرب ساحة إعدام، وحذا الرفيق خالد بكداش حذو المعلم لإرسال رشاد عيسى و نجاة قصاب حسن و رئيف الخوري و غيرهم، إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم بذات التهمة. النيهيليست هو الذي لا يرى في النصوص الجامدة نبراساً يهتدي به، ويعتبر أن الحياة أغنى من النظريات والإيديولوجيات، باختصار فإن النهيليست هو الشخص الذي يحاول استعمال رأسه للتفكير و النقاش و النقد، يحاول تحويل العمامة المفتخَرَة إلى رأس حقيقي!
قلت للصديق رأفة، وهو الشيوعي المتصّوف الذي دخل الوزارة نظيف اليد عفّ اللسان، وخرج منها لا يملك غير راتبه الذي لا يُسمن و لا يغني من جوع، رأفة الذي كان مع كثيرين من الشرفاء، يخدمون نظام القمع بقناعات التفريق بين التناقض الرئيسي مع الإمبريالية، والتناقض الثانوي مع الديكتاتورية:
-&سأروي لك قصة طريفة، زعموا أن شاباً كان عاقاً لوالده، و كان والده يقول له: إنك لن تصبح رجلا ً في يوم من الأيام، وضاق الشاب ذرعاً بتعنيف أبيه له، فهام على وجهه إلى أن وصل الى استامبول، و هناك تقرّب من السلطان و دخل في خدمته إلى أن أصبح وزيراً، أرسل الشاب دعوة إلى والده لزيارته، وعندما التقيا قال له:
-&كنت تقول لي أنني لن أصبح رجلا ً، وها أنا اليوم أصبحت وزيراً، فما رأيك؟
ابتسم الأب و قال:
-&يا بني... أنا لم أقل لك إنك لن تصبح وزيراً، لكنني قلت لك أنك لن تصبح رجلا ً!
ضحك صديقي الوزير من أعماق قلبه، قال إنك لا تتغيّر و لا تحيد عن رذالتك، تابعت:
-&مثلي و مثلكم يا صديقي، كما قال الجواهري في قصيدته " بريد الغربة":
ذنبُه أن كان لا يُلقي على النفس ستارا
أنّه عاش ابتكاراً، ويعيشون اجترارا
مضت على هذا الحديث سنوات، أثبتت الأحداث خلالها أن النهلستية هي الشيء الوحيد الذي يعصم الانسان من تسلط الايديولوجيا، فالنهيليستي ينظر وراءه و أمامه بغضب، لا يعجبه العجب، و لا الصيام في رجب، لا يعطي أي قائد أو زعيم سياسي شيكاً على بياض، ليس عنده شيء مقدس و لا خالد و لا نهائي.
في مجلة فراديس، وهي مجلة كان يصدرها عدد من الكتاب و الشعراء المفاليس، كتب محمود شريح مقالاً بعنوان: فرمانات جمهورية بصيغة الوصايا العشر الذهبية إلى نفر الحداثة الشعرية في الوطن و المهجر، أقتطف منها هاتين الوصيتين القيمتين:
"لا تسجد لأساطين النقد و لا تعبُد أمراء الشعر، ففي سجودك مذلة و في عبادتك فاقة، و ليكن إبداعك لا يخص إلا إياك."
"لا تبكِ على ماضٍ غَبَر و لا تنعِِ حاضراً يتعثر، فابشر: المستقبل كلُّه شرّ، وعينك على الرغبة الإباحية."
أما أنا، فقد قرّرت افتتاح دار إفتاء نهلستية شعارها أن سِفر الحياة، إذا اكتفيت بِِمَتنه، أغناكَ موجَزُهُ عن الشُّرّاح،، كما يقول شاعر سورية الأكبر بدوي الجبل، و فور الإعلان عن افتتاح هذه الدار، وردتني أسئلة من عدد من القراء الكرام واللئام أيضاً، أجيب اليوم عن واحد منها فقط، سألني القارئ الذي اتخذ اسماً مستعاراً خوفاً من العسس:
"أرأيت لو أن شاعراً كبيراً، أصبح وزيراً، أو نائباً، أو قبل وظيفة حارس ليلي في أي دولة عربية، فهل تجوز الصلاة وراءه؟"
الجواب: إعلم يا رعاك الله، أن من تبسَّم في وجه ظالم، أو أخذ من عطائه، أو أوسع له في المجلس، فقد كتب من أعوان الظّلمة، هذا بالنسبة للشخص العادي، أما بالنسبة إلى الشاعر، فإن قبوله منصب وزير أو مختار حي، هو من كبريات الكبائر، ولا تجوز الصلاة وراءه، و يتوجب على من يصافحه أن يغتسل. أه، انتهى "
و أخيراً و ليس آخراً، لكي لا تموت غبياً، كما يقول الجنابي، كُن نهلستياً، وفقك الله الى هجر النظريات و الايديولوجيا و جميع النتاج العُصابي في هذا العالم، ولله أعلم!
&
ALGHAFARI@wanadoo.fr
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف