أخبار

الدولة الآشورية بين الحلم والحقيقة

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
سليمان يوسف يوسف
&
&
توضيح: كان من المفترض أن ينشر هذا المقال في جريدة (الحياة) اللندنية باعتباره جاء رداً على مقال سبق أن نشرته.لكن بعد أن تحفظت (الحياة) على نشره من غير أن توضح الأسباب، ارتأيت أن ينشر في (إيلاف)، هذه الحديقة الفكرية المحاطة فقط بسياج الديمقراطية، واحترام الرأي الآخر، أنها ساحة إعلامية مفتوحة لكل من يريد أن يزرع فيها فكرة أو رأياً، لذلك بدأت تكبر وتتسع في فضاء الإعلام العربي.
&

&مع استمرار الحروب بين الإمبراطوريات القديمة والحديثة على أرض (بلاد ما بين النهرين)& تحول الآشوريون من (إمبراطورية عظيمة) غزت وحكمت نصف العالم القديم، إلى مجموعات بشرية أثنية، دينية، ثقافية، صغيرة& متفرقة، تبحث عن ذاتها، وهي تواجه سياسات (التعريب والتكريد والتتريك والتفريس). في ظل هذا الوضع المأساوي للآشوريين، نتفاجأ ببعض الكتاب والمثقفين العرب الذين يبدون& تخوفهم من إعادة(أمجاد الإمبراطورية الآشورية) كلما سمعوا صوتاً أشورياً يعلو مطالباً بالحقوق القومية للآشوريين في العراق وغير العراق. من هؤلاء أذكر الكاتب والمفكر العراقي (سليم مطر) الذي أشار إلى وجود خريطة(آشورستان) لدى فصائل الحركة الآشورية في العراق، وقد جاء كلام السيد (مطر) عبر مداخلة له& في برنامج(ما وراء الأحداث) في قناة (فضائية الجزيرة).
&كذلك& نشرت جريدة (الحياة) اللندنية بتاريخ 17/4/2003 مقالاً& تحت عنوان (( شمال العراق بين أم المعارك وأم الجمارك)) في صفحة( خاص) للسيد ( محمود السيد الدغيم)، معرفاً& نفسه أنه باحث وكاتب سوري مقيم في لندن. يحذر الكاتب من إعادة بناء(الإمبراطورية الآشورية) في العراق. ونظراً لما حمل المقال المذكور، من أخطاء تاريخية ومغالطات سياسية وفكرية، استوجبت الرد، دفاعاً عن الحقيقة وحق الآشوريين ورد التهم عنهم.
&يقول السيد(محمود السيد الدغيم): (( عندما تستعرض قوى التناحر في شمال العراق تطفو على الخريطة العراقية في شمال العراق خرائط سكانية تهدّد وتتوعد بحرب أهلية، وتصفيات على مُجرد اللغات واللهجات، ثم تنتقل إلى حيز الأديان والمذاهب.إذ يرسم الأكراد خريطةً سكانيةً لـ(كوردستان الكبرى).... تمتد إلى جميع دول الجوار حتى روسيا. كذلك يرسم المتعصبون التركمان خريطة ... تمتد من الحدود التركية إلى حدود إيران، .... ويضيف: خريطتا الأكراد و التركمان لهما معارضة بخريطة ثالثة يرسمها السياسيون الآشوريون و الكلدانيون والسريان والأرمن، وهؤلاء يطرحون خريطة "آشورستان الكبرى" التي تتضمن محافظة الموصل بكاملها مع قسم من الجزيرة السورية حيث توجد مجموعة قرى آشورية على ضفاف نهر الخابور، وتمتدّ الخريطة إلى جنوب تركيا لإعادة أمجاد (الإمبراطورية الآشورية). و يتابع الكاتب: لا شك في أن هذه الخريطة تسيء إلى العلاقات السورية الآشورية، لأن سورية استضافت الآشوريين ومنحتهم الأراضي الواقعة على ضفاف نهر الخابور حينما هجرهم الإنكليز من العراق، وما زالوا يقيمون في سورية، ويتمتعون بحقوق كاملة إلى جانب الحقوق الثقافية قراءةً وكتابةً بلغتهم الأم التي تدرِّسُها الكنائسُ النسطورية).
بناءً على الحقيقة التاريخية التي أقر بها السيد(محمود الدغيم) في بداية مقاله والتي يقول فيها: ((أن أرض العراق كانت موطن السومريين والبابليين و الكلدانيين والآشوريين وفيها نمت وازدهرت حضارتهم)) يكون من الخطأ مقارنة (الوجود الآشوري) في العراق، مع كل من (الوجود الكردي) و(الوجود التركماني) لا من حيث (البعد التاريخي) ولا من حيث (الهدف السياسي)، فليس من الدقة والموضوعية التساوي والتشبيه بين المشاريع السياسية لـ(الحركة الكردية)، التي قطعت شوطاً كبيراً وخطوات متقدمة باتجاه (الدولة الكردية) المنشودة في الشمال العراقي، ولا مع الطموحات السياسية (للتركمان) المدعومين من (تركيا)، ذات الأطماع القديمة في العراق من جهة أولى، وبين الطموحات القومية والسياسية لـ(الآشوريين) السكان الأصليين للعراق من جهة ثانية. خاصة وإن الآشوريين ينظرون إلى& العرب على أنهم أقرب الشعوب إليهم في العرق(السامي) والتاريخ والجغرافيا والثقافة والعقيدة. لهذا رحب الآشوريون بالغزو (العربي الإسلامي)، الذي تم& قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام، عندما جاؤوا& لنشر الدعوة(الديانة)الإسلامية، حين كانت (بلاد ما بين النهرين) حينذاك& تحت الاحتلال الفارسي(الميدي) والبيزنطي، وكان لهذا الترحيب الآشوري بالعرب أسباب أخرى منها:
&سبب ديني: فالإسلام دين يدعو للإيمان بالله الذي بشر به السيد المسيح. ثم سبب سياسي: فقد كان يرى الآشوريون في العرب محررين لهم من الاحتلال الفارسي والبيزنطي وليس كمحتلين جدد لأراضهم، حيث كان يأمل الآشوريون بعودة العرب إلى من حيث قدموا وتركهم يقيموا دولتهم في (بلاد مابين النهرين). هذا وقد لعب الآشوريون& دوراً مهماً في استمرار واستقرار النظام العربي الإسلامي في العراق. و تؤكد الوثائق التاريخية تمسك الآشوريين بوحدة دولة العراق وهم في أحلك ظروفهم، ففي قضية الخلاف بين العراق وتركيا حول الموصل وقف الآشوريون إلى جانب العراق في الاستفتاء الذي أجري من قبل عصبة الأمم عام 1924م , وكان لموقف الآشوريين الأثر الحاسم والكبير في عودة الموصل إلى العراق .
&لا أعتقد بأن هناك جهات آشورية داخل الوطن& تطرح خريطة( آشورستان) أو ( بلاد آشور) والسعي لإقامة (دولة آشورية) وإعادة أمجاد (إمبراطورية بابل وأشور). ربما هناك بعض الأحزاب الآشورية التي نشأت وولدت في دول المهجر تحمل وتطرح مثل هذه الشعارات، لكن أكاد أجزم بأن لا وجود تنظيمي& لهذه الأحزاب على أرض(بلاد آشور)، فهي تعيش حالة اغتراب فكري وسياسي وتنظيمي، وبالتالي هي عاجزة عن تحرير (قرية آشورية) واحدة في العراق تم التجاوز عليها من قبل العرب أو الأكراد.عندما تطرح الأحزاب الآشورية قضية (الوجود الآشوري) والانتماء التاريخي للآشوريين لأرض العراق و(بلاد ما بين النهرين) لا تستهدف من ذلك إقامة (دولة آشورية) وإنما بهدف تثبيت أصالة هذا الشعب وإبراز هويته القومية المتميزة، دحضاً لبعض الأصوات الشوفينية لدى كل من الأكراد والعرب، التي تحاول طمس التاريخ الآشوري للعراق وبلاد ما بين النهرين، كذل وضع حد لسياسة التكريد والتعريب التي يتعرض لها الآشوريين من (كلدان وسريان و أثوريين). وكذل من أجل نيل الشعب الآشوري (حقوقه القومية) إلى جانب باقي القوميات في عراق ديمقراطي حر موحد.
لا شك حدثت أخطاء تاريخية كثيرة وكبيرة بحق الآشوريين، لكن من الصعب، إن لم يكن من المستحيل تصحيح الأخطاء التاريخية وإعادة التاريخ إلى الوراء، لهذا ليس من الوارد إخلاء العراق(بلاد ما بين النهرين) من الأقوام الغير آشورية وأن يعود كل من العرب و التركمان والأكراد وغيرهم إلى من حيث قدموا، من أجل بناء (الدولة الآشورية) وإعادة (أمجاد الإمبراطورية الآشورية) الذي يتخوف منه البعض. وإن كان من حيث المبدأ من حق كل شعب أن يقرر مصيره ويقيم دولته، إذا توفرت العوامل الذاتية و الشروط أو الظروف الموضوعية لهذه الدولة. لهذا ليس حراماً أو جرماً يرتكبه الآشوريون إذا فكروا أو حلموا بـ(دولة آشورية) ولو على جزء من أرض (بلاد ما بين النهرين).
يقول السيد (محمود الدغيم) في مقاله المذكور: ((في مناطق الخرائط الثلاث ينتشر العرب من دون خرائط من محافظة بخاري في أوزبكستان إلى الجزيرة السورية حيث تقع ديار بكر وديار ربيعة وديار مُضر وديار تغلب، وما زالت القبائل الناطقة بالعربية في قرى بخاري، وتمتد جنوباً إلى محافظات وان وسرت ومديات وماردين وأورفا وأنطاكية في تركيا، وكل هذه المناطق موجودة ضمن خرائط "كوردستان العظمى" و"تركمان الكبرى" و"آشور الكبرى")).
يبدو أن السيد (محمود الدغيم) لم يكتف بخريطة (دولة العراق) الحالية لعرب العراق، لهذا نجده& يعاتب ويلوم العرب القاطنين في الدول (الغير عربية) المجاورة للعراق، على عدم وجود لهم خرائط& للمناطق التي تتنافس عليها خرائط القوميات الثلاث( الأكراد والآشوريين و التركمان)& التي حددها هو. ويقوم برسم خريطة للعراق العربي الكبير أو(عربستان الكبرى) حسب مفاهيمه، تمتد شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، هبوطاً وصعوداً، بحثاً عن كل عائلة تتحدث بالعربية، ليضمها إلى (أمة العرب) دون أي اعتبار للأصل الإثني أو العرقي لهؤلاء، ودون مراعاة حتى الحدود السياسية بين دول المنطقة، تماماً كما يفعل اليوم الأخوة الأكراد في رسم حدود خريطة (كوردستان الكبرى) حسب التوزيع الديمغرافي الراهن للأكراد دون أخذ أي اعتبار لحقائق التاريخ والحدود السياسية بين الدول. وهنا نتساءل السيد الباحث (محمود الدغيم): ضد كم دولة وقومية على العرب أن يحاربوا- تركيا،إيران،أرمينيا،أوزباكستان حتى حدود أفغانستان- ، وكم شعباً عليهم أن& يستعمروا، وكم& قرناً من الحروب عليهم أن يخوضوا حتى يحققوا خريطة (لعراق العربي الكبير) التي& رسمها وحددها. وفيما يخص (الوجود الآشوري) في سوريا، يقع الكاتب في مغالطات تاريخية وأخرى سياسية معاً. لأن الذي هجر سكان القرى الآشورية الموجودة على ضفاف نهر الخابور من العراق، أيام الانتداب البريطاني، هي حكومة (رشيد عالي الكيلاني) الشوفينية في بغداد، فهم هربوا من بلدة (سيميل) الآشورية التي ارتكبت فيها (القوات العراقية)& مذبحة فظيعة يدنى لها جبين البشرية في آب 1933، وقد ذهب ضحيتها أكثر من أربعة آلاف قتيل من الآشوريين العزل.ثم أن الوجود الآشوري في سوريا قديم قدم سوريا ذاتها والمأخوذ أسمها من التسمية السريانية (سيريا من أسيران)، ثم أن الوجود الآشوري في سوريا لا ينحصر في& مجموعة القرى الآشورية على ضفاف الخابور، لأن عدد الآشوريين بمختلف طوائفهم ومذاهبهم الكنسية( سريان، كلدان، آشوريين شرقيين) يتجاوز المليون- من ضمنهم المهاجرين- وتتمركز غالبيتهم في الجزيرة السورية التي هي امتداد طبيعي وتاريخي لـ(بلاد ما بين النهرين).أما فيما يخص الحقوق التي يتمتع بها الآشوريين( سريان /كلدان) في سوريا، لا شك أنهم يتمتعون بكامل (حقوقهم الدينية) ويعلمون لغتهم (السريانية) في مدارسهم الخاصة كلغة (طقس كنسي) وليست كلغة قومية، فالدولة السورية ما زالت ترفض الاعتراف بالآشوريين ومنحهم حقوقهم الثقافية على أساس أنهم قومية متميزة إلى جانب القومية العربية.&
يختتم السيد(محمود الدغيم) مقاله بالقول: ((مستقبل شمال العراق مهدّد كغيره بخرائط خططت في أقبية الظلام لإثارة الفتن في المنطقة سعياً إلى مكاسب اقتصادية في الدرجة الأولى، ولا يتحقق ذلك إلاّ بمعارك تُزهقُ فيها الأرواح)). لا شك أن مشكلة التكوين القومي للعراق هي مشكلة معقدة وصعبة، تعود بجذورها إلى أساس تكوين الدولة العراقية عام1921م من قبل بريطانيا، وهي تهدد بمزيد من القلاقل والصراعات العرقية إذا لم تجد طريقها للحل على أسس ديمقراطية عادلة، في دولة علمانية يتساوى فيها الجميع في الحقوق والواجبات، وتصبح الهوية العراقية بكل تشكيلاتها وتلويناتها، الإثنية والدينية والثقافية هي عقيدة ومذهب وقبلة جميع العراقيين. لكن نتساءل؟: من الذي حول أرض النهرين مهد الحضارة الإنسانية إلى مقبرة جماعية لكل من لم يسجد& لأصنام تماثيل دكتاتور العراق (صدام حسين). ومن الذي جعل& كل العراقيين في حالة حرب ضد بعضهم البعض من جهة أولى، وضد جميع دول الجوار من جهة ثانية. أليس نظام البعث العفلقي ، حزب القومية العربية الحاكم ، الذي لم يكتف بابتلاع جميع القوميات العراقية فحسب، بل أراد أن يبتلع دول الجوار، تارة باسم الإسلام وتارة باسم القومية العربية.
أخيراً:
من المؤسف جداً& في هذا الظرف الصعب الذي يمر به العراق، أن يقوم بعض الكتاب والمثقفين العرب أمثال السيد (محمود الدغيم)& بإثارة النزعات العرقية وبث الفتن& بين أبنائه وقومياته، في الوقت الذي فيه العراقيين هم أحوج ما يكونوا إلى تقوية وحدتهم الوطنية، وتمتين علاقة التآخي والعيش المشترك بينهم& لمواجهة التحديات التي تواجههم، ومن أجل بناء عراق جديد، حر ومستقل.
&
الكاتب من سوريا.... مهتم بمسألة القوميات.
shosin@scs-net.org

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف