أضواء على الحركة الاسلاميّة في تونس: حركة الإتجاه الإسلامي التونسية ( 1981 1989 ) (2 4)
قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
&
&
الحلقة الثانيّة 2 -
&
اثر اعلان الحزب الدستوري الحاكم في تونس عن مشروع التعددية السياسية في سنة 1981 بادر أعضاء الجماعة الاسلامية الى عقد مؤتمر أعلنوا في ختامه عن حلّ الجماعة الاسلامية وتأسيس حركة جديدة باسم حركة الاتجاه الاسلامي،أنتخب راشد الغنوشي رئيسا للحركة والشيخ عبد الفتّاح مورو أمينا عاما للحركة، وتمّ الاعلان عن الحركة بشكل رسمي في 06-06-1981 وتقدمّت في اليوم نفسه بطلب الى السلطات للحصول على اعتماد رسمي ولم تتلق الحركة أيّ ردّ من الجهات المعنية.
وفي شهر تموز يوليو 1981 تمّ إلقاء القبض على راشد الغنوشي و أحيل إلى المحاكمة في العام نفسه مع مجموعة من قيادات حركة الاتجاه الإسلامي بتهمة الانتماء إلى جمعية غير شرعية وحكم عليه بالسجن لمدة 10 سنوات أمضى ثلاث سنوات منها في السجن، وأفرج عنه في 02-08-1984 بعفو رئاسي بعد وساطة من رئيس الحكومة في ذلك الوقت محمد مزالي، وأثناء اعتقاله خلف الغنوشي في قيادة الحركة الفاضل البلدي ثمّ حمادي الجبالي.
وقد عقدت حركة الاتجاه الإسلامي مؤتمرا سريّا في كانون الأول ديسمبر 1984جرى فيه تثبيت زعامة الغنوشي وعبد الفتّاح مورو. وفي 06- 06 1985 عقدت الحركة مؤتمرا صحفيا كشفت فيه علانية في الذكرى الرابعة لتأسيسها عن كل أوراقها وأسماء أعضاء المكتب السياسي المنتخب.
وعندما اندلعت أعمال العنف في تونس ووضعت عدة عبوات ناسفة في فنادق سياحية أعيد اعتقال راشد الغنوشي في أغسطس آب 1987 بتهمة أنّ له صلة بأحداث العنف والتفجيرات التي عرفتها تونس في ذلك الوقت. و حكمت عليه محكمة أمن الدولة بالسجن المؤبّد وذلك بتهمة تهديد أمن الدولة والتواطؤ مع دولة أجنبية هي إيران.
وفي 15- 05- 1988 أصدر الرئيس زين العابدين بن علي عفوا خاصا عن الغنوشي وذلك بعد وصوله الى السلطة وانقلابه على الحبيب بورقيبة.
و فكرة تأسيس حركة الاتجاه الإسلامي ذات الطابع السياسي لم تكن محل إجماع بين كل عناصر الجماعة الإسلامية، و حول مستقبل الاتجاه الإسلامي برز اتجاهان الأول يمثله راشد الغنوشي و عبد الفتاح مورو وكان يريان ضرورة المضيّ بالحركة نحو بلورة تنظيم على غرار تنظيم الإخوان المسلمين، والاتجاه الثاني ومن رموزه صلاح الدين الجورشي وأحميدة النيفر وزيّاد كريشان الذين رفضوا النموذج الإخواني و أقترحوا إبقاء الحركة في بوتقتها الفكرية والثقافية، ومن رحم الاتجّاه الثاني تأسسّ ما عرف بالإسلاميين التقدميين.
وكانت هناك مبررات عديدة جعلت الجماعة الإسلامية تخرج من الدائرة الفكرية والى الدائرة السياسية، ومن هذه المبررات :
-&نضج الخطاب الإسلامي وبداية اقتناع كوادر الفكرة الإسلامية بضرورة لعب دور في الواقع السياسي التونسي.
-& إغراق السلطة التونسية في حالة التبعية وضرورة التصدّي لها من خلال المساهمة في التغيير السياسي.
-&تحديّات التيارات والقوى العلمانية والتغريبية.
-&التحديات التي عاشها العالم العربي والإسلامي مثل أحداث أفغانستان ولبنان وفلسطين وغيرها.
-& انتصار الثورة الإسلامية في إيران.
وكل هذه العوامل الداخلية والخارجية أملت على راشد الغنوشي ورفاقه ضرورة تكوين حزب سياسي. وفي حزيران يونيو 1981 أعلن راشد الغنوشي عن تحويل الجماعة الإسلامية إلى حزب سياسي تحت اسم الاتجاه الإسلامي برئاسة راشد الغنوشي، و عضوية عبد الفتاح مورو الذي أصبح أمينا عاما لحركة الاتجاه الإسلامي، وبن عيسى الدمني مسؤولا عن الاتصالات وحبيب المكني مكلفا عن بالإعلام.
وقد رفضت وزارة الداخلية التونسية جملة وتفصيلا الترخيص لحركة الاتجاه الإسلامي وللحؤول دون أن تكبر في الواقع السياسي التونسي بادرت إلى اعتقال كل قيادات حركة الاتجاه الإسلامي.
وفي بيانها التأسيسي ركزّت حركة الاتجاه الإسلامي على ضرورة تحصين الشخصية التونسية من الذوبان في إفرازات التغريب ووضع حدّ لحالة التبعية المطلقة للغرب، وإعادة بعث الإسلام الحضاري ليلعب دوره الكامل في الواقع التونسي المتجذّر في عمق الحضارة الإسلامية، والمساهمة في تأسيس كيان تونسي منسجم كل الانسجام مع حضاريّة الإسلام وإعادة توزيع الثروات توزيعا عادلا.
وكانت السلطات التونسية تنظر إلى هذا التنظيم السياسي الجديد بكثير من القلق والحذر خوفا من تكرر التجربة الإيرانية في تونس والتي كان راشد الغنوشي ورفاقه يمدحونها كثيرا ويبدون إعجابهم بها، وكانوا يعلنون جهارا تأييدهم لها، وخوفا أيضا من تكرار التجربة الجزائرية حيث خرجت التنظيمات الإسلامية في الجزائر من قمقمها إلى العمل العلني، وبروز الحركة الإسلامية المسلحة في الجزائر بقيادة مصطفى بويعلي (أنظر كتاب الحركة الإسلامية المسلحة في الجزائر ليحي أبوزكريا، الصادر عن دار التعارف في بيروت).
وما زاد في قلق السلطات التونسية هو وقوع انفجارات في بعض الفنادق التونسية، ومعروف أنّ تونس تعتمد بالدرجة الأولى على صناعة السياحة، ولأجل كل ذلك قامت السلطة التونسية باعتقال راشد الغنوشي حيث حدث عندها أول صدام سياسي بين السلطة التونسية وحركة الاتجاه الإسلامي و خصوصا عندما تورطّ بعض الإسلاميين في أعمال عنف اتخذتها الحكومة التونسية ذريعة للقمع والعنف الرسمي، ويورد بورجا صاحب كتاب الإسلام السياسي، صوت الجنوب مشاهد عديدة لبدايات الصدام بين السلطة والإسلاميين في تونس منها ما حدث في الحرم الجامعي في شباط فبراير 1981 حيث تمّ سجن عميد كلية جامعية وتهديده بالقتل عندما تدخلت الشرطة في الحرم الجامعي وأشتبكت مع الإسلاميين، وكذلك حاول الإسلاميون منع المفطرين في شهر رمضان وتصادموا مع الشرطة في حزيران يونيو 1981 بعد حريق الباخرة الروسية التي كان يجري تصليحها في الميناء، وكان المتظاهرون يرفعون شعارات إسلامية، كما وقع تخريب لنوادي القمار في تونس ووقع تصادم بين الإسلاميين والشرطة التونسية في 17 تموز يوليو 1981 و في اليوم التالي من هذا التاريخ جرى اعتقال راشد الغنوشي زعيم حركة الاتجاه الإسلامي وأمين الحركة العام عبد الفتّاح مورو وعدد من أعضاء المكتب السياسي باستثناء الحبيب المكني وعدد كبير من المتعاطفين مع حركة الاتجاه الإسلامي، وقد صدرت ضدّهم مجموعة من الأحكام تراوحت بين عامين الى اثني عشر عاما.
وقد تمّ تعيين حمادي الجبالي مسؤولا للمكتب التنفيذي الجديد. وذهب الإسلاميون التقدميون الى القول بأنّ الجماعة الإسلامية أو حركة الاتجاه الإسلامي لو بقيت على ما كانت عليه وأنصرفت إلى الدعوة الإسلامية بشكل هادئ ومتزن لما تعرضّت الحركة الإسلامية التونسية إلى هذه المحنة، وكانت عناصر من جماعة الإسلاميين التقدميين ترى أنّ المجتمع التونسي لم ينضج بعد لاستيعاب مفاهيم الإسلام السياسي خصوصا وأنّ نهج الحكم العلماني والتغريبي قد خلفّ في تونس أثارا لها أولّ وليس لها أخر على المجتمع التونسي أفضت إلى تشويه الشخصية التونسية.
والجدل الواسع بين الثقافي والسياسي داخل الحركة الإسلامية التونسية وعلى رأسها حركة الاتجاه الإسلامي استمرّ متواصلا إلى وقت لاحق حتى عندما أصبحت حركة الاتجاه الإسلامي تحمل عنوانا جديدا هو حزب النهضة.
وإذا كانت السلطة التونسية قد اتهمّت حركة الاتجاه الإسلامي بالوقوف وراء أعمال العنف، فانّ الحركة الإسلامية التونسية وعلى رأسها حركة الاتجاه الإسلامي كانت تدفع عنها تهمة العنف، ويته راشد الغنوشي السلطة التونسية بأنها هي صانعة العنف ومهندسته الأسّاسية وفي هذا السيّاق يقول :
أبرز ما يسم علاقة الدولة التابعة بمجتمعها هو علاقة العنف، إنّ التغريب في حدّ ذاته هو أبرز وأفدح ألوان العنف الذي تمارسه الدولة، انّه عملية سلخ مجتمع عن أصوله وضميره من أجل ما يسمى بالحداثة وهي في الحقيقة ديكتاتورية الغرب على شعوبنا من خلال وساطة جماعة التحديث والتغريب على النمط الغربي نقيضا كاملا للديموقراطية من كل وجه. (الحريات العامة في الدولة الإسلامية لراشد الغنوشي، و حركة الاتجاه الإسلامي للغنوشي أيضا.)
ويكمل الغنوشي الصورة بقوله : فإذا أضفنا إلى هذا القمع الاجتماعي والسياسي الرسمي ما تمارسه بعض فصائل المعارضة بدافع الغيرة والحسد والخوف من تنامي الاتجاه الإسلامي وما تمارسه من دسّ وإيغار للصدور بل من عنف ضدّ كل منافسيها السياسيين الذين أستطاعت بأساليبها الإرهابية أن تصفيّهم تقريبا وتخرجهم من حلبة الصراع حتى إذا جربّت ذلك مع الاتجاه الإسلامي تصدّى لها دفاعا عن الحرية العامة.
ويجزم الغنوشي أنّ حركة الاتجاه الإسلامي كانت ترفض العنف وهذا ما يفسّر وقوف قواعد الاتجاه الإسلامي ضدّ أعمال التخريب التي كان يغذيها شعور الفتيان في المعاهد التعليمية بالحيرة والقلق وغموض المستقبل وديكتاتورية الإدارة كما تغذيها أطراف سياسية داخل النظام وخارجه تتبنىّ العنف منهاجا، وعلى رغم ما أجتهد بعض الحاقدين ممن لا خلاق لهم في إلباس الاتجاه الإسلامي لبوس العنف في الأحداث المدرسية الأخيرة فإنني أؤكد وسيكشف التاريخ ذلك أنّه لولا تصدّي الاتجاه الإسلامي في المدارس لأعمال التخريب لما بقيّ شيئ قابل للكسر أو الحرق لم يكسر ولم يحرق.
ويقول الباحثون الذين تتبعوا مسار الحركة الإسلامية التونسية أنّ الغنوشي كان يرفع شعار الديموقراطية وحقوق الإنسان ونبذ العنف في مرحلة كان يعمل فيها على تكريس حزبه الاتجاه الإسلامي في الواقع السياسي التونسي، ذلك أنّ قواعد اللعبة السياسية كانت تقتضي أن يناور الغنوشي إلى حدّ ما، لكن بعدما تبينّ له أنّ السلطة التونسية لا يمكن على الإطلاق أن تستوعب وجود حركة إسلامية سياسية تتبنىّ المشروع الإسلامي وتحارب التغريب.
وبعد انقلاب السلطة الجزائرية على مشروع الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر، بدأ الغنوشي يطلق تصريحات ومواقف تدين كافة الأنظمة، وأخذ يدعو إلى الجهاد على المنظومات السياسية القائمة وفي تصريحه لصحيفة الانقاذ الوطني السودانية قال الغنوشي : والجهاد ضدّ أنظمة الكفر والاستبداد والعشائرية والتجزئة والولاء للأجنبي - وتكاد أنظمة العالم الإسلامي لا تخرج من هذه الأوصاف فانّ للأمة الإسلامية أن تنهض بمهام الصراع الحضاري والشهادة للمشروع الحضاري الإسلامي، فلا مناص من تركيز الجهد الجماهيري على مجاهدة هذه الأنظمة الخائنة لتعريتها وتوهينها وإرضاخها لسلطة الشعب والإطاحة بها.(صحيفة الإنقاذ الوطني السودانية في تاريخ 25-04-1991.)
وهذا الكلام الذي كررّه راشد الغنوشي في أكثر من مكان وأدلى به لأكثر من منبر إعلامي أخذ يطلقه بعد مغادرته تونس حيث حكم عليه بالسجن المؤبّد.
ويمكن القول أنّ الغنوشي بات مقتنعا أنّ الديموقراطية هي حكر على طبقة سياسية معينة، وفي حال حققّ التيار الإسلامي لأيّ نجاح وعبر القواعد المعترف بها فانّ مصير هذا التيار وعاقبته ستكون على وتيرة ما حدث في الجزائر عندما ألغت الدبابة المشروع الديموقراطي،
وعندما أسقطت الدبابة اختيار الشعب الجزائري.
&
المنطلقات الفكرية لحركة الاتجاه الاسلامي :
تعتبر حركة الاتجاه الاسلامي جزء لا يتجزأ من الواقع السياسي التونسي وهي وان لم تتمكّن من التحول الى الرقم الصعب في المعادلة السياسية التونسية، الاّ أنّها أستطاعت أن تهزّ الواقع السياسي والذي كانت ترسم مساراته ومنحنياته القوى العلمانية والتغريبية.
وعندما تأسست حركة الاتجاه الإسلامي كان المناخ السائد في تونس مناخا تغريبيا تتجلى فيه الأنماط الغربية بكل صورها، وكان مشروع حركة الاتجاه الإسلامي مناقضا لمشروع الحكم والقوى السياسية التي كانت تسبح في فلك السلطة.
وكانت حركة الاتجاه الإسلامي ضدّ العلمانية مع الإسلام الحضاري، ضدّ الظلم مع الدولة العادلة ودولة الإنسان والعدالة، ضدّ الأحادية السياسية مع التعددية السياسية والإعلامية، ضدّ إغراق تونس في التبعية للغرب ومع عودة تونس إلى أصالتها وشخصيتها في نطاق المنطلقات الإسلامية، ضدّ مشروع بورقيبة الذي أغرق تونس في كمّ هائل ولا حدود له من المعضلات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والمعيشية، مع مشروع مغاير هو مشروع دولة الإسلام.
صحيح أنّ الغنوشي لم يكن يطرح هذا الطرح بشكل مباشر إلاّ أنّه وفي خطابات حركة الاتجاه الإسلامي كان يركّز على ضرورة المشروع الإسلامي و جاهزيته لقيادة الأمة.
وفي كتابه الحريات العامة في الدولة الإسلامية يقول راشد الغنوشي : أنّ السلطة وظيفة اجتماعية لحراسة الدين والدنيا والقيمّون على الدولة ليسوا الاّ موظفين وخدّاما عند الأمة، والسلطة هي مدنيّة على كل وجه لا تختلف عن الديموقراطيات المعاصرة الاّ من حيث علوية سيادة الشريعة الإسلامية أو التقنين الإلهي على كل سيادة أخرى في هذا النظام، أمّا ما تبقى فهو وسائل يؤخذ بها على قدر مساهمتها في تحسين أداء تلك الوظيفة ألا وهي في دحض الظلم وإقامة العدل على مقتضى الشرع الإلهي أي بحسب ما نصّ عليه أو تضمنّه أو بحسب ما لا يخالفه.
ويتضح من خلال هذا الكلام أنّ راشد الغنوشي كان يملك تصورا لما يجب أن تكون عليه الدولة أو السلطة، وهذا النموذج الذي كان يتحدث عنه مغاير كل المغايرة لما كان سائدا في المنظومة السياسية التونسية، وقد فهمت السلطة التونسية أنّ الغنوشي ومن خلال هذا الطرح إنمّا يعمل على قيادة انقلاب شامل على البورقيبية في أبعادها السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وأنّه يعمل وحركة الاتجاه الإسلامي من منطلق نسف المنطلقات الإيديولوجية الذي قام عليها نظام الحبيب بورقيبة في تونس، وكانت دوائر القرار في تونس تتخوّف أن يتحوّل هذا الجنين إلى غول خطير يأكل اليابس والأخضر في المستقبل القريب، ومثلما كان لحركة الاتجاه الإسلامي مشروعها في التعاطي مع النظام القائم والمجتمع، كان النظام القائم يملك استراتيجية تعتمد في الراهن على الاستئصال، وفي المستقبل على المجابهة الشاملة
&
أضواء على الحركة الاسلاميّة في تونس:
البدايات ( 1 4 )
yahya@swipnet.se
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف