وزير الخارجية الفرنسي في كتابه الجديد: الدبلوماسية في خدمة الشعر
قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
&
&
كيف يتأتى الوقت لوزير خارجية، لبلد مثل فرنسا، وفي أوضاع دولية معقدة، كالتي يعيشها العالم هذه الأيام، ان ينجز كتابا في 8.. صفحة، ليس فيها صفحة واحدة، حتى لا نقول جملة واحدة، وضعت مجانا، أو لحشو الفراغ؟
وربما يتبادر الى ذهن القارئ ان الكتاب الذي سنستعرضه، يتعلق بالجهد الدبلوماسي أو بالمؤامرات التي تعقد في كواليس الأمم المتحدة، أو إعطاء الرأي بالأحداث السياسية التي يعيشها عالم اليوم، أو مناقشة قضايا اسلحة الدمار الشامل. لا هذا ولا ذاك.&
بلى، هو هذا وذاك. الكتاب الجديد يطمح لتدمير اسلحة الدمار الشامل، في روح الانسان وعقله، بواسطة سلاح بناء شامل، واحد ووحيد. وهل من سلاح ينهض بمهمة كهذه، غير الشعر.
كتاب وزير الخارجية الفرنسي، دومنيك دوفيلبان، هو، عن الشعر وفي الشعر وللشعر. كتاب في نقد الشعر، لكن أسلوبه هو الى الشعر اقرب. كتاب حر، لكنه يتسلح بكل الرصانة الأكاديمية، وصرامة البحث العلمي. كتاب بالفرنسية، لكنه مشرع الأبواب للجميع. كتاب يحتفي بملوك شعر فرنسا، لكنه يرتقي ذرى الشعر العالمي، ويتوقف كثيرا عند الشعر العربي، للاستئناس بما قاله ملوك وأمراء الشعر في العالم.
(احتفاء بسارقي النار / أو تقريض سارقي النار) " ELOGE DES VOLEURS DE FEU"، هذا هو عنوان كتاب فيلبان، الذي صدر قبل اسبوع، من دار غاليمار الفرنسية.
&وتعبير (سارق النار)، استمده فيلبان من تعبير لأرثر رامبو، ورد في رسالة كان كتبها في 15 مايو / أيار 1871 .
رامبو؟ وأي جامع يجمع صاحب (فصل في الجحيم) و(المركب السكران)،& بين قائد الدبلوماسية الفرنسية؟
لو كانت قصيدة فيرلين "الحكمة / SAGESSE" (التسووية، المسيحية)، هي التي استمد منها الوزير الفرنسي عنوان كتابه، لاستقام الامر. أما، رامبو ...؟
أي حرج سينتاب وزير خارجية فرنسا، وهو يرى رامبو يقتحم عليه مكتبه الوزاري، متأبطا فضائحيا أخرا هو، مثلا، جان جينة؟ وعذرهما، لو عاتبهما، ان اسميهما لا يردان في كتابه، إلا مقرونين بالتأليه، الذي يصل حد التقديس. فهو، إذن، يعشقهما.
يخيل لي ان دومنيك دوفيلبان مصاب بانفصام الشخصية. وهو سعيد، أيما سعادة، بهذا المرض النبيل. في ساعات الليل الأخيرة، يفتح الشاعر فيلبان قلبه وعقله وبيته للشعراء وشعرهم، حتى إذا انبلج الصبح، ارتدى بزته الدبلوماسية، واصطحب (الشعر)، لكن دون (الشعراء).
"الشعر"، يقول فيلبان في كتابه، "يضيء عتمة العالم". و"الشاعر" عنده "مواطن في كل قرية في هذا العالم" وهو "يرى ما لا يراه الآخرون".
وحتى تضاء عتمة العالم، وتتبدد حلكة الكون، فان فيلبان يحمل على امتداد صفحات سفره الشعري، اكثر المشاعل وهجا، ويهتدي بضياء اكثر الكواكب سطوعا : رامبو، بودلير، ريلكه، رينيه شار، مالارميه، جان جينيه، هولدرن، بول سيلان، كوكتو، آزرا باوند، بول البوار، غوتيه، بالث سيليفيا، لوتريامون، سان جون بيرس ...
وعند العرب والمسلمين، يتوقف فيلبان، لماما مرة، وتفصيلا في مرات كثيرة، عند: عمر&بن الفارض، ابن حزم، أبو نؤاس، الحلاج، ناظم حكمت، عمر أبو ريشه، بدر شاكر السياب، أدونيس، صلاح ستيتية، يوسف الخال، خليل حاوي، محمود درويش، طاهر البكري، الطاهر بن جلون، محمد بنيس، فوزي المعلوف، وعبد القادر الجنابي، في موسوعته "الفرنسية" عن الشعر العربي، ورينيه خوام في موسوعته العربية، ايضا.
ومع (سارقي النار) هولاء، وغيرهم كثيرين، يغذ فيلبان السير، بحثا عن (جنة عدن) أو (الفردوس المفقود)، محاولا الإمساك ب" لهب الشعر السرمدي "، ملحاحا على "الحب" و"مستعدا لخوض المعارك كلها"، كما اراغون، "راقصا على الذرى"، كما سان جون بيرس.
والشعر، في رحلته المضنية، يقول فيلبان،، إنما يتقاتل مع (العقل)، "منتزعا من فكيه القاسيتين الكلمات، من اجل الإمساك بجوهر الأشياء"، "حاطا رحاله عند كل ما يعتبره الآخرون، مجرد ترهات، لا قيمة لها البتة"، حتى إذا جن الليل، استل الشاعر قلمه، فخط به مفردة "يفتتح بها كوة نور في العتمة". وعند انبلاج الصبح، يعاود الشاعر رحلته "ناشرا شباكه نحو الأعماق، كي يجهز على الخطيئة الأصلية".
&المفردات هي الأسلحة الوحيدة التي يملكها الشعر. وعندما يختلي الشاعر مع روحه، في بوح حميم، لا يسمعه إلا هو وحده، فان المفردات تتدحرج آنذاك، بجهد شاق، مثلما "أحجار النرد" على بياض الورق، وتبدأ رحلة التعرف على الذات، أولا، من اجل اكتشاف الاخر.
اكتشاف (الآخر)، والتواصل معه هي، واحدة من مهام الشعر الكبرى، التي يفرد لها فيلبان حيزا مهما في كتابه، خصوصا إذا اعتقدنا ان هذا (الآخر) مات، ولم يعد قائما، مثلما يعتقد، ألان، الغرب في تعامله إزاء الشرق.
في الواقع، ان الذي يعاني سكرات الموت هو، الغرب، وليس الشرق. وكل ما نشاهده من بهرجة في عالم اليوم، ما هي إلا "سراب خادع"، لان الضوء الوحيد المشع ألان هو، ذاك الذي ينبعث من قنديل الغرب، وحده.
وعلى هدى هذا الضوء (الغربي) الوحيد، فان "التنوع" بالنسبة للأجيال الحاضرة، "ينحصر في تعدد الماركات التجارية، مع نزعة تحقيرية للآخر المختلف، وعجز في أدراك وفهم المتضادات". وحدانية الضوء تقود، بالضرورة الى وحدانية الحقيقة، التي تتحول، وبالضرورة، ايضا، الى سلاح دمار شامل، بيد الأقوى.
لكن هذه اللعبة النرجسية الجهنمية، تجعل من الغرب مكانا "يدعو للشفقة وللرثاء" : "مسكين، هو الغرب، الذي يعتقد ان العالم طوع بنانه، فقط لأنه نجح في اكتساح موجات الأثير وشاشات التلفزيون، لكنه عاجز عن فك طلاسم رسائل (الآخر) المختلف" إلا بالقوة.
هذا (الآخر) المختلف يمنحه فيلبان فرصة للتعبير، على لسان أدونيس، الذي استشهد فيلبان بكلماته القائلة : "نعم، يخيل ان غربكم يسير، مثلما يسير شرقنا، نحو المستقبل، ولكن بتراجع. ويبدو ان أوربا أصبحت مجرد قارة جغرافية، ومكانا مغلقا على نفسه. وما صعود الأفكار القومية المتطرفة، المؤسسة على الكراهية ونفي الآخر، إلا دليل على ذلك. وعندما نتمعن في فحوى هذه النزعات القومية المتطرفة في أوربا، فأننا نجد ان (الآخر) يتحول، الى آفة. وهكذا يبدو ان فكرة (الإنسان) تموت في الغرب".
دومنيك دوفيلبان لا يبدو على خلاف مع هذا الاستنتاج. بل هو يدعو، ضمنا على الأقل، الى (موسم الهجرة الى الجنوب)، ليس في عملية صهر أو ذوبان بين الشرق والغرب، ولكن ليتعرف الغرب "الأعمى، المأهول بالمنتفخين والمتخمين" "هناك" على "كيمياء أخرى، ما تزال تفعل فعلها".
أطروحة (صدام الحضارات) لا وجود لها، إذن، في كتاب دومنيك دوفيلبان. وإذا كان لا بد لهذا الصدام ان يحدث، فالسبب يقع على عاتق الغرب، لان "عالمنا، بدلا من ان ينفتح على (الآخر)، الذي يزداد عددا ويكبر كل يوم، فانه يقوم بتجاهله، أو تشويه صورته، معتمدا على قناعاته هو".
"إنسان الغرب يتقدم، يبني، يفكر، ويقرر، لكنه يبقى وحيدا". ومهما كابر، أو اعتقد انه سيعمر الى الأبد، أو ظن انه يحتل صدارة العالم، فان الوحدة تطارده. وليس اكثر بلاغة، للتعبير عن هذه الوحدة الموحشة، من قول ايف بونفوي، الذي يستشهد به فيلبان:
وحيد انت ألان، رغم هذه الكواكب
سرة الكون قريبة منك، وبعيدة عن منالك
سرت، وستغذ السير، لكن ما شيء يحدث
دائما وابدا، ذات العتمة، العتمة السرمدية
هذه العتمة ستظل، وستبقى سرمدية، في الغرب خصوصا، ما دام الإنسان الغربي الحديث "يرفض ان يرى ما يحيط به، ويرفض قبول ما حوله"، وما دام الشغل الشاغل لهذا الإنسان الغربي هو "الهيمنة اكثر من محاولته فهم الآخر".
وبدلا من مد جسور التواصل مع (الآخر) المختلف، فان الإنسان الغربي المعاصر يريد ان يظل مكتفيا بذاته، متخندقا في موضعه، جذلا بصخبه، واثقا ومستعصما بما حققه في ميدان التقدم التنكلوجي، لكن دون "خوف حي" يلهب روحه وضميره، ودون "قلق" يؤرق لياليه.
هل بمقدور إنسان الغرب المعاصر، في أوضاع كهذه، ان يكتشف وجهه الحقيقي؟
يجيب فيلبان بالنفي. ويرى ان الإنسان الغربي لا يشاهد إلا نفسه، لكنه لا يشاهد نفسه كقزم، كما هي الحقيقة، ولكن ك" سيد جديد، رغم انه دون قدسية، ودون أيمان، مع ذلك فانه يفرض سلوكه على الجميع، متوهما انه يحيا "، شاعرا بالزهو وبالمجد اللذين هما ليسا اكثر من "قاذرواته المغطى بها".
هل بمقدور إنسان كهذا، يطرح فيلبان تساؤله الآخر، ان يقدم شيئا للناس (هناك)،"المشغولين بحروبهم، المطوقين بالعنف، الراضعين طقوسا وعادات قاسية، المحكومين بعلاقات تستعصي على الدخول في منطقنا الأعمى، المتمردين ضد عجزنا وجبننا وضحالة أفكارنا وأحلامنا وخفتنا، وبؤس جذورنا "؟
وماذا بمقدور، وهذا سؤال فيلبان الثالث، "أقفال خزائننا، وماكناتنا، وساعاتنا، ان تفعل إزاء تمرد الناس (هناك) الحاملين ندوبهم، المطوقين بالذباب وبالملاريا "؟
ولان كتاب فيلبان عن الشعر وفي الشعر وللشعر، فانه يلوذ، للإجابة على هذه الأسئلة، بطائر (قطرس) بودلير. فالغرب المعاصر يشبه طائر (القطرس) البودليري : هرم مثله، يظن، بفضل ضخامة جناحيه، انه ما يزال قادرا على الطيران، لكنه فقد حتى قدرته على المشي، وأصبح أهزوءة الجميع.
في (طائر القطرس)، التي يعتبرها فلوبير "جوهرة حقيقية"، يصف بودلير هذا الطائر الذي فقد عنفوانه، بعد ان كان، "ملك الجو" :
هذا المسافر المجنح، كم هو الآن مرتبك وضعيف
هو، الذي كان في الماضي بديع الجمال
كم هو الآن مضحكا وقبيحا
أحد البحارة يلامس بمناكدة منقار الطائر بغليونه القصير
وآخر يقلد، وهو يتصنع العرج، المعوه الذي كان يطير
وحتى يتخلص (القطرس) الغربي من جميع اسلحة الدمار الشمال الروحية والمادية عنده / من ضعفه الروحي وقبحه وكبرياءه الفارغة وعجرفته وأنانيته وتنمره وذئبيته ومشاعره في التفوق، فان عليه ان يتسلح بسلاح مضاد، واحد، ووحيد، هو الشعر : "الشعر، بالنسبة لهذا العالم، هذا الغرب الخائب، هو المنقذ".
هذا الإكسير العجيب، الذي أسمه الشعر، هو وحده القادر، يقول دومنيك دوفيلبان، ان ينفخ من روحه في روح الغرب الخاوية، فيبث فيها "عنفوانه وتمرده وجنونه".
هل شارف عضو الاكاديمية الفرنسية، الكاتب جان- ماري روار، الحقيقة، او ابتعد عنها، عندما قال عن الشاعر الوزير دومنيك دوفيلبان، بانه "صوت قادم من كوكب أخر"؟
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف