أخبار

خطان متوازيان لا يلتقيان 1 التعصب والحضارة

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
علي عيسى
&
&
الحمد لله الذي قال في كتابه العزيز : (كنتم خير أمة أخرجت للناس .... الآية 11. آل عمران) بحيث أنها وردت بصيغة الماضي وليس باستمرار الفعل، والتي هي رد على اليهود الذين ادعوا أنهم شعب الله المختار كما كتبوا في توراتهم التي يجب أن تكون مزورة، لأن الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يوقع عباده الصالحين في حيرة من أمرهم بخصوص الأمة أو الشعب المفضل، خاصة وأن أرحم الراحمين رؤوف بالناس يريد إسعادهم وخيرهم وشفاءهم من أمراضهم العضوية والنفسية، حيث أن العرب الجاهليين كانوا يشعرون بالدونية لأنهم ليسوا أهل كتاب، الأمر الذي استدعى تسميتهم بالأميين. أقول الحمد لله الذي قال (كنتم...) بالماضي وليس (أنتم... ) بالحاضر أو المستمر أو المستقبل وإلا لكانت مصائبنا أكبر بما لا يقاس مما نتردى فيه اليوم من خرافة وجهل وعنجهية واستعلاء وتعصب وادعاء باطل ونفخة كذّابة، أدت إلى تحدي الآخرين وتحقيرهم بحجة أن حضارتهم وديمقراطيتهم برغم استفادة الإسلاميين اللاجئين والمقيمين في الغرب من هذه الديمقراطية - وقيمهم الإنسانية باطلة مرذولة أو متخلفة فاسدة، تشرّع للكفر والرذيلة، وأننا نحن من يمتلك البديل الإلهي لتلك الحضارة الموبوءة، وحقيقة الأمر أن هذا الإدعاء والاستعلاء ليس إلا شكلا من أشكال التعصب لا يؤدي إلا إلى التقوقع والجمود العقلي يحد من حركة صاحبه الفكرية والثقافية والمعرفية، ويقف به على حدود منطقة لا يستطيع تجاوزها لأنها خط أحمر بالنسبة إليه، تمنع انطلاقه وتفاعله مع الحياة المتحركة المتطورة ساعة بساعة لا بل لحظة بلحظة، وتفرض عليه بالتالي استخدام كافة الأسلحة للدفاع عن هذه المنطقة (المقدسة)، خاصة عندما يتعلق الأمر بالثقافة الموروثة التي لها أصول ومرجعيات في تراث الأدبيات الدينية، فلا يتورع عن قمع واضطهاد ونفي وقتل كل صاحب رأي مخالف أو ثقافة متباينة، دون أن يدري أو يفكر أن تعدد الآراء يؤدي إلى تكامل الصورة، وليس أيضا إلا نوعا من الحسد والغيرة من التقدم والقوة والرفاهية والحرية التي وصل إليها الغرب، وعلاقات الاحترام المتبادل بين أفراده المبنية على الاعتراف بحقوق كل فرد من أفراد تلك المجتمعات، بالمقارنة مع مجتمعاتنا التي يستشري فيها التعصب والنفاق والكذب والفساد والجهل والقمع والخوف والعبودية. لقد أراد سبحانه وتعالى أن يعالجنا من مرض الشعور بالدونية، لكننا بسبب الجهل الأعمى الذي يسيطر على عقولنا وقلوبنا أُصبنا بمرض آخر أشد وأخطر هو جنون العظمة، والإيمان أننا خير الناس بلا استثناء، وأننا السادة، وما الآخرين سوى عبيد سخرهم الله لنا، تماما كنظرة اليهود إلى أنفسهم، وأنهم شعب الله المختار الذي ملكهم الأرض وما عليها، وفوّضهم حتى بقتل الدواب واقتلاع الأشجار إن كانت في خدمة غيرهم، لدرجة أنهم زعموا أن (يهوه) لا يفضل غير اللغة العبرية. إن هذا التعصب والعنجهية أدى بنا أن نقول ردا على اليهود أن الله سبحانه وتعالى يفضل اللغة العربية بدليل أنه أنزل كتابه العزيز بها، وأن الملائكة حتى الملائكة تصلي بالعربية، وأن صلاة العبد يجب أن تكون بالعربية أيضا، دون أن نسمح لعقولنا أن تعمل وتفكر أن الله سبحانه سمح بكل اللغات ويعرفها جميعها، وأنه إذ أنزل كتابه الكريم بالعربية فلأننا عرب الجاهلية لا نعرف لغةً سواها. إن هذا التعصب جعلنا - دون تفكير - نحاول أن نفرض مفاهيمنا وقيمنا وديننا علىالآخرين، دون أن نعلم أن من يوافقنا ويقبل بعقيدتنا إنما يفعل ذلك خوفا، وبالتالي كذبا ونفاقا، وهو يحمل في أعماقه ثقافة وعقيدة أخرى تحارب ثقافتنا وعقيدتنا بقصد أو دون قصد وما الاتهامات التي ُتكال لبعض علماء المسلمين القدامى من أن فلان من أصل يهودي، وآخر من أصل مجوسي أو رومي، وأنهم قد اندسوا واعتنقوا الإسلام كاذبين منافقين بقصد تخريبه وتدميره ونشر البدع والخرافات في أوساط المسلمين إلا دليل على ذلك، وعلى مخاطر التعصب والنتائج التي يقود إليها و وربما كان لدى البعض الكثير من المبررات التي تقول أن إسلام أبي سفيان وأبنائه يوم فتح مكة لم يكن إلا خوفا ونفاقا لدرء خطر الموت عنه وعن عائلته وقسم كبير من بني أمية، وأن قناعاتهم واعتقاداتهم وآراءهم بقيت في قلوبهم وعقولهم الباطنية ورّثوها لأبنائهم من بعدهم، ظهرت لنا من ردود أفعالهم وأقولهم في مناسبات عدة بوعي منهم أو بدون وعي وقد سجل لنا التاريخ كثيرا من هذه الأقوال والأفعال لأولئك الخلفاء أظهروا فيها حقدهم وعداءهم للدين الإسلامي وتاريخ الدعوة والوحي والكتاب، كشعر يزيد بن معاوية الذي قاله في موقعة (الحرة) بالمدينة المنورة انتقاما لأجداده في معركة بدر، مبينا رأيه أيضا بالوحي (ليت أجدادي ببدر شهدوا... إلى آخر القصيدة) أو هدم الكعبة بأمر عبد الملك بن مروان الذي كان أول من نهى عن الأمر بالمعروف حين قال على المنبر: (والله لا يأمرني أحد بعد مقامي هذا بتقوى الله إلا ضربت عنقه) أو رأي الوليد بن يزيد بالوحي والكتاب، وخرقه القرآن بالسهام (تلعب بالخلافة هاشمي = بلا وحي أتاه ولا كتاب) إلى آخر ما هنالك من الأمثلة التي عكست سلوكهم وتصرفاتهم وسيرة حياتهم المخالفة للتعاليم والمبادئ الإسلامية. إن جميع الأديان على إطلاقها تؤمن إيمانا راسخا بأنها تمتلك الحقيقة المطلقة، وأن جميع الحقائق الأخرى مزيفة وباطلة، وبينما اقتنع كثير من رجال الدين راضين أو مكرهين على العمل داخل دور العبادة وأن العقيدة علاقة خاصة بين الإنسان وخالقه تعنيه وحده، يُسمح له التبشير بها ونشرها بشكل سلمي دون فرض أو إكراه، فإن الإسلاميين المسيّسين بتعصبهم وعنجهيتهم واستعلائهم يحاولون فرضها بالحديد والنار والإرهاب على الجميع مدعين أن الإسلام - الذي لا يرون منه غير الحجاب واللحية والسواك والجلباب هو الحل، وعندما يصطدمون بواقع هذه المجتمعات وتدهور أوضاعها وتخلفها يوما إثر يوم بسبب الأمية المتفشية والتزايد السكاني الذي لا مثيل له في العالم، والفساد والقمع والكبت، وبدل أن يبحثوا عن حلول واقعية لعلاجها (لن يجدوها أبدا في كتب السلف)، فإنهم يخترعون أسبابا أخرى بسبب ضيق أفقهم يوهمون بها الناس تتمثل في وجود مؤامرة أبدية مستمرة على الإسلام والمسلمين، هذه النظرية التي تعطيهم إحساسا بالعظمة والأهمية و وأننا بألف خير وعلى أحسن ما يرام لولا الغرب الذي يتآمر علينا، فتعفيهم بالتالي أو تمنعهم من مواجهة عيوبهم واكتشاف أسبابها وإصلاح أنفسهم وغيرهم، وكأن التدين هو همّ الغرب الأول والأخير وليس له من همّ سواه، والإسلاميون الذين يعيشون في الغرب كمقيمين أو كلاجئين يعيلهم الغرب يعلمون علم اليقين أن قضية التدين غير مطروحة في الغرب أبدا ولا يعبأ بها أحد، وإلا لما سُمح لهم بالتبشير والدعوة وممارسة جميع الوسائل التي تساعدهم على ذلك بأموال الغرب وعلى نفقة أبنائه.
إن التعصب لثقافة واحدة ومعرفة واحدة وقهر كل الثقافات والمعارف الأخرى التي تتناقض مع الإرث المعرفي والإيديولوجي لجماعة أو طائفة أو حزب، إنما تمنع أي تقدم أو تطور أو كشف جديد مما يُبقي على حالة التخلف والجهل والتوهم السائدة، وهو أيضا نوع من أنواع الأمراض النفسية (النرجسية كما قال المفكر الكبير العفيف الأخضر) لن يخلف سوى القمع والاضطهاد والخوف والعبودية التي تجعل المجتمعات في مهب الريح.
&
الموضوع التالي : خطان متوازيان لا يلتقيان 2 الخرافة والحضارة

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف