الواشي
قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
&
&
& لذكرى صديٍق
&
حين أخبرت علي حيدر بأنني لم أعترض على اقتراح نائب مدير المدرسة بأنه من الأفضل أن انقطع عن الحضور حتى نهاية السنة الدراسية، جابهني مستنكرا: «انه يطردك وأنت ساكت!»
كان طبيعيا تأويل الاقتراح بهذا المعنى، الا أنني لم أكن قلقا، خاصة بعد أن أكد لي بأنه سيقدمني للامتحان القطري مع باقي الطلاب المتخرجين. كانت المقابلة معه قصيرة وجرت في جو هادىء، وعندما قمت لأودعه قال لي وابتسامة رقيقة على محياه: «واحد من جماعتكم».
عرفت من يعني، اذ أن شاؤل كان الوحيد الذي رآني خارجا من أحد الصفوف وفي يدي رزمة المناشير. لم يكن ثمة سبب لوجوده في تلك الساعة من الظهر في ساحة المدرسة الخاوية، وكنت على يقين بأنه تعقبني حين انسللت عبر الباب وتابع مراقبته لي من مكان ما. تجاهلته وواصلت توزيع المناشير في الصفوف، اثنين او ثلاثة في كل صف، حريصا على اخفائها داخل طاولات الكتابة. وحين انتهيت لم أعثر عليه ثانية، وعند خروجي لم ينتبه الي البواب، كما لم ينتبه حين دخولي.
كان مقر المدرسة الاعدادية المسائية لطلاب السنتين الأخيرتين في حي السنك، أحد الأحياء الجديدة ومعضم سكانه من اليهود. وكان الطلاب بأغلبيتهم ذوي أعمال ومنهم أصحاب عوائل. وقد انتقلت الى هذه المدرسة للصف الخامس الأخير بعد أن أنهيت دراستي في الصف الرابع في مدرسة التفيض المسائية الكائنة في أحد الأحياء القديمة. لقد كان الاقبال على المدارس المسائية واسعا في تلك السنين، أما أنا فقد وجدت فيها متسعا من الوقت لنشاطات أخرى، كما أن الطلاب فيها كانوا غير ملزمين بأنظمة انضباطية كما في باقي المدارس.
لم أر أي سبب للقلق من اقتراح نائب المدير، وذلك لأنه لم يخامرني أي شك في حسن نواياه حين نصحني بالانقطاع عن الحضور. في تلك االأيام كنت شاعرا ايضا بالأمان بعد أن انتقلنا من بيتنا القديم في حارة النصارى لدار أخرى حرصت على عدم تسجيل عنوانها في سجل المدرسة. من كان متشككا هو علي حيدر الذي تعرفت عليه في المدرسة السابقة وأواصر صداقة حميمة شدت بيننا. لقد كان اكبر مني سنا، ابن صاحب زورق لصيد السمك& ويعمل كموظف بسيط في مكاتب البلدية.
«قال لك واحد من جماعتكم ولم تسأل من؟»
«ما كان ليخبرني»
«ولكنه قال لك انه تلقى معلومات سرية عنك وأنت سكت كمعترف بالذنب!»
«وهل كان علي أن أنفي؟»
«وهذا المخلوق يواصل وشاياته؟»
«الوشاة كثيرون.»
«حالفه الحظ أنه يهودي!»
انفجرت ضاحكا فحدجني بنظرة صارمة. هل كان يشبعه ضربا لو لم يكن يهوديا؟ وربما كان يوعز لغيره بأن يفعل ذلك؟ انه ليس من المتحمسين للعراك وبعيد عن أي نشاط سياسي، رغم أنه لم يتورع عن ابداء تذمره من مساوىء السلطة. كان شابا فارع الطول، قوي البنية، لا يشي مظهره برقة مشاعره. كان ذا مزاج رومانطيقي ينشد الترفيه عما في نفسه من مشاعر الاحباط بكتابة القصص الغرامية عن فتيات حرمن من لقاء حبيبهن، عن شبان من عامة القوم يعانون الأمرين بحبهم لبنت القصور الفخمة، قصص تستدر الدموع كان يقرأها على مسمعي بصوت متهدج وعيون دامعة. كنت المستمع الأول لقصصه، وكنت المشجع والمواسي ايضا خلال لقاءاتنا في المقاهي والحدائق العامة.
قلت له: «انه لا يستحق حتى صفعة.»
«وماذا ستفعل الآن؟»
«أنا الآن حر طليق.»
فحدجني بتلك النظرة الصارمة ولم يحر جوابا.
«انت تدفع لي بالدروس ونتهيأ معا للامتحانات.»
«ما كنت اسكت عنه لو كنت مكانك.»
«أنا احتقره. انسان تافه.»
«الحقراء على شاكلته من أخطر الناس. ما من فعل اكثر دناءة من الوشاية.»
وافقت على رأيه ثم أضفت ان الناس يدفعون أحيانا للوشاية مضطرين.
«أتحاول التماس العذر له ايضا؟»
لم أرد. لقد أثار شاؤل اهتمامي منذ بداية السنة الدراسية. شاب خجول، قصير القامة، ذو وجه مسطح وفم معكوف نتيجة لجرح قديم في شفته العليا. في ساعات الدروس لم يكن ينطق بكلمة، ولكنه كان يصغي بانتباه لما يتفوه به الطلاب. أما في فترات الاستراحة فقد كان يمر بين مجموعات الطلاب ويلتقط نتفا مما يدور فيها. شككت فيه ولكن تجاهلته. كنت ذا خبرة بأناس على شاكلته يتصيدون الضحايا في المدارس والأماكن العامة، فالنشاط السري شحذ يقضتي، رغم أنني لم أحذر احيانا، كما حدث لي في تلك الظهيرة& حين تعقبني قرب المدرسة ولم أنتبه اليه.
كانت تلك الأيام عسيرة عقب الحرب في فلسطين والوثبة الشعبية التي أطاحت بالحكومة الموالية لبريطانيا. لقد أعلن الحكم العسكري في البلاد وشنت السلطة حملة واسعة على قوى اليسار، فدفعت بقادة الحزب الشيوعي الى المشنقة وبمئات المعتقلين الى السجون. مصير كهذا كان مقدر لي لولا نصيحة نائب المدير. كان انسانا طيب الخلق، في الثلاثين من عمره، مدرسا في مدرسة ابتدائية في ساعات الصباح. وقد حباني بعلاقة حميمة منذ مجيئي للتسجيل حين سمع أنني خريج مدرسة الأليانس، كما أنه أبدى رغبته في تعلم الفرنسية، الأمر الذي امتنع بعد انقطاعي عن المدرسة . التقيته ثانية& عشية الامتحانات القطرية وكان هذا لقائي الأخير معه. لقد بر بوعده وقدمني للامتحانات كباقي خريجي المدرسة. واليوم، بعد مرور نصف قرن ونيف، يصعب علي تذكر اسمه.
مع علي كنت التقي مساءا في المقاهي. وكان الحديث بيننا في الأدب، كما كنا نتبادل الكتب للمطالعة وقلما تفرغما للمواد الدراسية. لقد واصل كتابة القصص في الليالي وأنا حاولت تشجيعه لتقديم احدى قصصه للصحف. وفي احدى الأمسيات أخبرني بأن شاؤل اختفى ويقال انه هرب الى اسرائيل. لم استغرب ذلك، اذ أن الهروب عبر الحدود الايرانية أصبح حديث الخاص والعام، وشاب بائس مثله وجد في الهروب انطلاقا من مستخدميه. كنت سعيدا بما أنا فيه، أمضي ساعات الصباح بالقراءة والكتابة وفي المساء انكب على متابعة المواد الدراسية. وبالاضافة الى ذلك أنيط بي من قبل الحزب ترجمة مقالات من «لومانيته» و»سي سوار» الشيوعيتين الفرنسيتين، كنت أحصل عليها من بائع صحف يهودي في مدخل شارع السموأل مغلفة بصحف عربية. بطرق غامضة عني كانت الصحف تصل اليه وبطرق غامضة ايضا كانت ترجماتي تتسلل الى بعض الصحف المحلية. في تلك الأيام كنت أعمل ايضا كبائع تذاكر ثلاث مرات في الأسبوع بعد الظهر في ساحات سباق الخيل، وهناك تعرفت على بؤساء الشعب من الحفاة ومكتسي الأسمال الذين ينشدون الربح البسيط وغالبا ما يعودون الى بيوتهم مشيا على الأقدام بعد أن جازفوا بكل ما لديهم.
لقد قلت لقاءاتي مع علي بعد الامتحانات وشهادة التخرج.التحقت بالعمل في مكتب عضو مجلس الأعيان عزرا مناحم دانيال ذي الأملاك الواسعة في بغداد وخارجها، كضارب على الآلة الطابعة ثم كمسؤول عن المكاتبات وأخيرا كمساعد في مكتبه الخاص في ساعات بعد الظهر والمساء. أما علي فقد تسجل في كلية الحقوق وواصل عمله في مكاتب البلدية. كان يحمل معه في كل لقاء قصة جديدة. وبمرور الزمن قر قراره أن يجازف بنشر مجموعة من قصصه على حسابه الخاص. لقد صدر الكتاب على ورق رخيص يحمل عنوان «الحب المحظور» وهو عنوان احدى القصص عن شاب مغرم بمومس حاول اختطافها والزواج منها، الا أن قوادها وأصحابه أشبعوه ضربا وهددوه بالقتل اذا ما حاول ثانية. مجموعة القصص لم تلق اهتماما كبيرا في الصحف، الا أن عليا لم يكترث بذلك، فالنقاد في رأيه ذوي مصالح لا علاقة لها بالأدب. لقد كان انسانا معتزا بنفسه، مستقيما، ينشد العدل ويحتقر ضعيفي الايمان، قيض له أن تجره تقلبات الأحوال لامتحانات عسيرة.
بمرور الزمن تباعدت لقاءاتنا اكثر فأكثر، وبانقضاء سنتين، عندما كنت على أهبة السفر، التقيته في شارع الرشيد المزدحم بالسابلة يحمل كتابا ضخما في يده، وقد بادرني بالسؤال: «أنت ايضا؟» قلت انا ايضا،& فأطرق قائلا : «انا أحسدك.» ثم قال انه لا يجد أية متعة في دراسة نصوص جافة وخاصة بنود «المجلة» ويفكر في ترك الدراسة. والكتابة؟ سألت. الا أنه لم يجب وبعد& صمت قصير أمسك بذراعي وقال: «أنتم نازحون ونحن باقون في هذا الجو الخانق، فاذكرونا بالخير على الأقل.» افترقنا متعانقين، دون كلام وبحناجر متشنجة.
قبل السفر بأيام قليلة ارسلت بالبريد المسجل الى صديق في باريس رزمة من الكتب العزيزة علي خشية مصادرتها في المطار، وبينها مجموعة قصص علي. لقد وصلت الرزمة الى المخيم الذي سكنا فيه مفتوحة وقد ضاع منها بعض الكتب وبينها «الحب المحظور». منذ ذلك الحين مرت سنوات عديدة، وبغداد ابتعدت عني طالما امتدت وتجذرت القطيعة وجرفني تيار الحياة في اسرائيل. صداقتي مع علي وحادثة الوشاية توارتا في زوايا الذاكرة وما كنت لأعود اليها لولا القصة الكئيبة التي لم يقو خيال علي على ابتكارها اذ أنه هو نفسه كان في محورها.
خلال تلك السنين تعودت ان اسأل عن اصدقاء قدماء كلما التقيت نازحين من العراق في اوروبا، وطبعا عن علي ايضا. قلة منهم عرفوا من أعني، وحتى أولئك الذين كان في وسعهم الكشف عن بعض أخباره قالوا انه اعتقل مرات عديدة، وأبدوا الدهشة لسماعهم أنه يكتب القصص. آخرون قالوا انه محام ومتعاون مع السلطة. صديق من لندن قال لي انه سمع أنه يقيم في المانيا بعد أن انفصل عن زوجته التي بقيت في بغداد مع الأبناء. الكل حسب السماع، ولا أحد منهم التقاه في منفاه او كان له في الماضي علاقة ما معه. ومن المؤكد أنه ما كنت لأحصل على المزيد من هذه المعلومات لولا تعرفي علي الرسام العراقي سعيد ناصر المقيم في جنيف. كان ذلك قبل سنوات قليلة حين اشتركت في ندوة لأدباء حوض البحر الأبيض المتوسط التي انعقدت في قاعة المتحف الأتنوغرافي. في احدى فترات الاستراحة فاجأني بقوله ان شخصا في باحة المتحف يود لقائي. وعندما قادني اليه تسمرت في مكاني مندهشا.
ماكنت أتعرف على صديقي القديم لو صادفته في الطريق. لقد احدودبت قامته الفارعة وصلع رأسه وأحاطت وجهه الضامر لحية بيضاء. بقينا واقفين الواحد ازاء الآخر وعلى محيانا ابتسامة باهتة، يدانا فقط امتدتا للمصافحة وسرعان ما طوقنا اذرعنا في عناق حميم. قال لي انه عثر على اسمي في قائمة المشتركين في الندوة وقرر ان يأتي ليتأكد. قال ايضا انه يقيم الآن في زوريخ بعد أن أقام في المانيا وحاز على شهادة اللاجىء السياسي. «شد ما ابتعدت عن السياسة وهي ما انفكت تلاحقني،» قال وابتسامة ساخرة على محياه.
لقد اعتقل لأسباب تافهة وقضى سنتين في «قصر النهاية»، ومنذ عشرين عاما ونيف في المنفى. والعائلة؟ سألت، الا أنه بدل أن يجيب أبدى اهتمامه بما أكتب واستفسر عن وضع النازحين من العراق في اسرائيل. وحين سألته ان كان يواصل كتابة القصص، أجاب ملوحا بيده مستخفا: «كانت ايام زمان.»
وفيما نحن في هذا الحديث، بدا عليه عدم التركيز وأخذ يجيل طرفه يمينا وشمالا. اقترحت أن نتوجه الى مقهى قريب، الا أنه اعتذر قائلا بأن له بعض المشاغل في البلد ويفضل أن نواصل حديثنا في المساء. فبادر سعيد متحمسا: «نتعشى معا على حسابي وأنت لا تتغيب عن جلسة بعد الظهر.»
رافقتهما حتى مفرق الطرق، وبعد أن ودعتهما بقيت واقفا أتطلع الى قامة علي المنحنية وهو يبتعد بخطى وئيدة. وكان هذا المرأى آخر ما أحمل في ذاكرتي عنه، اذ أنه عاد الى زوريخ في ذلك اليوم وطلب من سعيد أن يعتذر باسمه.
«يستصعب الكلام عن نفسه،» قال لي سعيد حين التقينا مساء في أحد المطاعم. «انه يباعد العراقيين، ولكنه أراد ان يلقاك. يعيش منعزلا وصحته ليست على ما يرام. مرتين أجريت له عملية في قلبه.»
«والعائلة؟»
«هذه النقطة الأكثر حساسية.»
«قيل لي انه انفصل عن زوجته. أله أبناء؟»
«بنتان. احداهما في أمريكا تدرس الطب. هي الصغرى وتقيم عند احدى خالاتها. أما الكبرى فمتزوجة وانتقلت للسكنى في عمان. زوجته ايضا هناك.»
«وله علاقة معهما؟»
«مع الصغرى التقى منذ سنتين في باريس. كانت طفلة حين ترك العراق. تزوج في سن متأخرة. كان له مكتب كمحام وزوجته أصغر منه بعدة سنين. كانت شيوعية متحمسة وطالبة في كلية الآداب. أما هو فقد حافظ على استقلاله وامتنع عن التدخل في النزاع الحاد بين الشيوعيين ورجال البعث.»
«هل فعلا& كان متعاونا مع السلطة.»
«هكذا يتقولون. ولكن هذا بعيد عن الصحة. كان في وسعه أن يتحفظ من أذى السلطة لولا الخطأ الذي ارتكبه عندما انتقد نتائج الانتخابات المزيفة في نقابة المحامين حيث نال البعثيون بأغلبية ساحقة. منذ ذلك اليوم لم يعرف الراحة. زعران الحرس الجمهوري هاجموا مكتبه مرات عديدة، صادروا وثائق، أحرقوا ملفات واعتقلوه لمدد متفاوتة. طالبوه بأن يعلن انضمامه لحزب البعث وأن يعبر عن اخلاصه للزعيم. الا أنه حاول جهده التملص منهم حتى الحادثة التي حطمته وقضت على حياته الزوجية.»
كان ذلك عندما هاجمت الشرطة داره بحجة اعتقال أخي زوجته الذي كان ينتمي لاحدى المنظمات السرية، وعندما لم يعثروا عليه اعتقلوه عوضا عنه. وفي المعتقل عذب ومنع منه النوم أياما عديدة. لم يكن في وسعه طبعا أن يخبرهم عن مخبأ الأخ ولكنهم لم ينفكوا عنه، وعندما ادعوا أن زوجته ايضا معتقلة وهددوه باغتصابها أمام ناظريه، تراجع وكتب رسالة تذلل لصدام حسين يعلن فيها اخلاصه له ويتهم الشيوعيين بالتآمر لقلب نظام الحكم.
«لقد خدعوه وكل ما أردوا اخضاعه وتحقيره لرفضه التعاون مع السلطة. فالزوجة لم تعتقل، أما الأخ فقد قبضوا عليه وقتلوه وهو في المعتقل. وبعد أن أطلق سراحه طالبوا&&& العائلة بالمجىء لتسلم جثته. خطة جهنمية أدت الى اتهامه من قبل زوجته ورفاقها في الحزب بالوشاية والخيانة. هذه الحادثة حطمته نهائيا ولم يكن في وسعه تبرير فعله. حياته الزوجية تحطمت واضطر لمغادرة الدار والانتقال الى مكتبه حتى تم له السفر الى الخارج.»
تذكرت حادثة الوشاية من أيام المدرسة وأنا استمع لحديث سعيد وتساءلت هل يا ترى يذكر علي تلك الحادثة. سألت سعيدا ان كان يخبره بما دار بيننا من حديث، فقال هذا ما قصده علي دون ان يطلب منه ذلك.
«انه يرفض الكلام في هذا الموضوع. ودائما يتملص من الاجابة عن اسئلة. معي ايضا لم يتحدث عن ماضيه رغم الحاحي، ولكن عندما بات ليلة في داري لم انفك عنه. انه منغلق جدا.»
«وزوجته؟»
«غفرت له واقترحت عليه أن ينضم اليها في الأردن، ولكنه ما زال مترددا، وكأني به يعاقب نفسه على ما فعل.»
طال اللقاء مع سعيد حتى ساعة متأخرة من الليل، اذ بعد العشاء اصطحبني الى مرسمه لرؤية بعض أعماله. وعند عودتي الى الفندق قيل لي ان عليا قد اتصل وترك رقم تلفونه. في صباح الغد اتصلت وفوجئت بنبرة المرح في صوته. «كان لك دون شك حديث ممتع مع سعيد، انه ثرثار ولكن فنان مبدع.» طلب مني أن أرسل له بعض كتاباتي بلغة يجيدها ووعد بلقاء قريب. وحين كررت سؤالي ان كان يواصل الكتابة، قال انه يفكر في كتابة مذكراته. «هذا كل ما في وسعنا أن نفعل بعد هذا العمر.»
تابعنا الاتصال التلفوني بعد عودتي، وفي كل مكالمة سألته كيف يتقدم في كتابة المذكرات، الا أنني حاذرت أن أسأله عن المصالحة مع زوجته. كان أملي أن اسمع ذلك منه عندما يتم اللقاء، الا أننا لم نلتق ثانية. لقد عثر عليه فاقد الحياة في شقته اثر نزيف دماغي. لم يترك وراءه أية أوراق ذا ت قيمة.
(مترجمة عن العبرية)
&
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف