ثقافات

الحقيقة إلهام الكتابة

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
أحمد الخميسي&
&
&
&للكاتب الإيطالي العظيم دينو بوتزاتي (1906-1972) قصة قصيرة بعنوان "الخبر" يتحدث فيها عن مايسترو شهير يقود بحرارة وإلهام السيمفونية الثامنة لبرامز في دار الأوبرا. المايسترو وعازفو الأوركسترا والنغم والجمهور والضوء والمقاعد والأنفاس كل ذلك ينبض في قلب واحد. الاتصال الخفي السحري بشفرته غير المعروفة يسري في الجو بين المايسترو والجمهور. لكن فجأة، ينقل أحدهم إلي الصالة خبرا أن المعتدين يهاجمون روما. أي معتدين؟ لا ندري. ويبدأ الجمهور بهدوء واحدا بعد الآخر في مغادرة القاعة. وحين يرهف المايسترو السمع يتناهى إليه من وراء كتفيه ومن حوله ومن أعلى صرير ضعيف، وهمهمات، وخطوات متلصصة، وتنقلات لمقاعد، وأبواب تفتح وتغلق. وينظر المايسترو بجانب عينه فيلاحظ ازدياد الأماكن الخالية. كان المايسترو مقبلا في تلك اللحظات على الحركة الأخيرة من السيمفونية، الحركة التي تعزف بحماس وفرح، وينبغي أن يصل بعد قليل إلي النقطة الحاسمة: إلي طرقة النجاح السعيد. لكن خيط الإلهام السحري ينقطع فجأة ويأخذ كل شيء في الانهيار داخل المايسترو وحوله. وأصبحت إشارات عصا القيادة الصغيرة ميكانيكية تماما، لم تعد تنقل شيئا إلي الأوركسترا الذي أحس بدوره الانهيار العام فيما حوله. خيانة الجمهور كانت فجائية وصارمة، وتركت المايسترو هامدا، بلا معنى. إنه مازال واقفا على المنصة يعطي إشاراته، لكن دون أن يعبر عن شيء. قال المايسترو لنفسه: "هذا الجمهور جبان". قالها وهو يقدر أيضا حجم الهلع الخسيس الذي استولى عليه هو ذاته حين فكر: "إلى أين يذهب لو أن الحرب اندلعت فعلا؟& وإلي أين يبعث بذويه؟ وما العمل في الفيلا التي بناها لتوه؟& هل يهرب إلي خارج البلاد؟"&&لقد سيطر الذعر على المايسترو والجمهور، وانقطع خيط الإلهام والإبداع.

أحيانا كثيرة ينقطع خيط مثل هذا، ليس بين المايسترو والمستمعين، بل وبين الكاتب والقارئ، والمثقفين والناس. فتتوالى الكلمات ميكانيكية تشير إلي الأحداث والآراء، والمواقف، لكن دون إلهام، ودون إيمان. تقرأ النص فتجده مفهوما واضحا، لكن شيئا ما ينقصه. كان الناقد الروسي بيلينسكي يقول: "ليست الكلمة هي المهمة، المهم النبرة ". هل الجمهور الجبان هو الذي يقود الكتاب إلي ذلك الهمود؟& أم أنه هلع الكتاب؟& ما الذي يجعل شعاع الإلهام والاتصال السحري ينقطع بغتة فلا تبلغ الحقيقة ذروة النجاح والانتصار؟ إن الإلهام يحتاج إلي الحقيقة، ولكي تقال الحقيقة لابد أن يتبدد الخوف، ولابد أن يكون هناك إيمان قوي بها وبتأثيرها الاجتماعي والسياسي. وهو إيمان يحتاج إلي تماسك إنساني وأخلاقي في مواجهة النفس، والآخرين، والمغريات، وفي مواجهة الشكوك في جدوى الكتابة. يسأل الكاتب نفسه: لماذا أكتب؟& وما الذي يريده الجمهور من كتابه وفنانيه ومؤلفيه؟ المتعة؟ أم معرفة جزء ولو كان صغيرا من الحقيقة؟& لكن أية حقيقة؟ تلك التي ليس لدي الجمهور استعداد للدفاع عنها؟ ألا تموت الثقافة والكتابة ما لم تستند إلي مد شعبي؟ يكتب الكتاب، ويرمون أوراقهم إلي الصحف كمن يرمي عقله إلي الشارع ليسقط في الليل دون صوت. هل أفاد أحدا؟& هل ترك أثرا؟ الكاتب هنا يصبح مثل شخص يمسك بوق السماعة ويتكلم وقتا طويلا إلي الفراغ والصمت، لأن الجمهور على الجانب الآخر قد غادر مقاعده، ولم تعد تسمع سوى همهمات. وينقطع الخيط. ويفكر من يكتبون: ومن تلزمه الحقيقة؟ الجميع يعرفون الحقيقة. وأحيانا يعرفونها أفضل بكثير ممن يكتبون عنها. الحقيقة لا تلزم أحدا. هذه هي الحقيقة الوحيدة. والكلمات في نهاية الأمر حروف على الورق. هذه الشكوك تأكل كل شيء. والكاتب في النهاية شخص بمفرده، معلق في فراغ من الهواجس، والمخاوف، والتردد. ومع ذلك تظل الحقيقة والرغبة في إشهار الحقيقة تقض مضاجع الجميع، بهدوء، ليلا ونهارا. ولهذا أدرك المايسترو في قصة دينو بوتزاتي وهو واقف على منصة المسرح، أن الخلاص الوحيد أمامه أن يستمر في عمله حتى النهاية وأن يظل مكانه. في ذلك الاستمرار وحده نجاته هو والآخرين أيضا. وبذلك الإيمان انتفض ورفع العصا الصغيرة وهو يلقي على أعضاء الأوركسترا نظرة حية أعادت إلي القاعة سريان الحياة، وإلي اللحن الخامد روحه. وعادت القاعة كلها: العازفون والجمهور والنغم والضوء والمقاعد إلي ذلك الشوق المؤرق لمعرفة الحقيقة، وتقديرها، والنظر من جديد للمايسترو باعتباره الفنان صاحب تلك الرسالة الجميلة المقدسة التي لا تنفصل عن الحقيقة.
&
كاتب مصري

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف