ثقافات

الوائلي في القاهرة

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
د. عدنان محمد آل طعمة
&
&
بعد اسابيع من وقف اطلاق النار في حرب اكتوبر 1973 حللتُ في القاهرة المعزية طالباً بدار العلوم وحتى انتظمت الدراسة من جديدة.& كان غالبية طلاب الدراسات العليا ضباطاً مجندين في الجيش المصري وكنا شباباً متحمسين للحرب كنا نقع في جدال يطول أمده مع زملائنا في الكلية لماذا أوقفت& القاهرة هذه الحرب؟ ولماذا نُحي الفريق سعد الدين الشاذلي من منصبه وغيرها، كانت هذه الاحاديث تدور في باحة كلية دار العلوم بالمنيرة قبل ضياعها بعد سنوات طويلة حينما انضمت الى جامعة القاهرة هيكلياً!
وما أن أطلت سنة 1974 حتى رأينا أقطاباً ورموزاً كنا نسمع بها هنا وهناك يفدون على الكلية. ونجتمع بهم ونسمع اليهم ونتحدث معهم عن قرب ونرافقهم الى حفلة شاي او دعوة غداء اوعشاء على شرف هذا القادم من العراق او الكويت او السعودية ومن بين هؤلاء الرموز العمالقة كان الشيخ الوائلي رحمة الله عليه. لم اكن اعرف الوائلي شخصياً لكنني سمعت به لاول مرة في مهرجان الشعر ببغداد 1967 حينما قرأ قصيدته العينية:
يا مهرجان الشعر حسب جراحنا& ان الهوى مما يُعتق يُكرع
&&&&& يا قاصدي قتل الاخوة غيـلة&& لمّوا الشباك فطيرنا لا يُخدع
غرز الاخاء كتابنا ونبينا&&&& فامتد واشتبكت عليه الاذرع
انا لا اريد الشعر ان جدت بنا& نُوبٌ يخلّي ما عناه ويقبع
ومشت تصنفنا يد مسمومةً&& متسنن هذا& وذا متشيع

لكن الشيخ الوائلي كان يأتي الى كربلاء، وعنده مجلس في بيت الشيخ محمد أبو طحين في محلة باب بغداد مدته عشرة ايام في ربيع الاول يجتمع اليه خلق كثير من الناس ليستمعوا اليه وكانت طريقته في الخطابة تستهوي عشاق المنبر ومريديه ولم أكن منهم ولم يكن يُسمح لنا أن نخرج في الليل حتى لحضور المجالس الحسينية! لهذا لم أكن أعرف الوائلي في ذلك الوقت لكنني عرفته في القاهرة بدار العلوم، كما تعرفت الى السيد محمد بحر العلوم هناك، والسيد طالب الرفاعي، والشيخ عبد الهادي الفضلي أطال الله في عمرهم جميعاً، وبدار العلوم تعّرفت على السيد مصطفى جمال الدين حينما جاء لينتظم في الكلية المذكورة في قسم الدراسات الادبية في مكتب المرحوم د. علي الجندي.
كان الوائلي قد أنهى دراسته العليا سنة 1972 ولم أكن حاضراً حينذاك ولكن كان يأتي الى القاهرة وله فيها أصدقاء ومعارف وأحبة يجتمع به ويتلقونه بالترحاب والسرور ويجلسون حوله وتدار كؤوس الشاي بينهم كأحلى ما يكون.
في دار العلوم تعرفت على الشيخ الوائلي وقد جاء بعد أسابيع فقط من إعدام الشهداء الخمسة الشيخ عارف البصري ورفاقه ومن بين الشهداء ابن عمّ لي هو الشهيد السيد نوري آل طعمة لهذا فقد تحدث اليّ ملياً وكان الدكتور الطاهر احمد مكي هو اول الاشخاص الذين أخبروني عن إعدام الشهداء ومن بينهم ابن عمي.
في ذات الوقت وفد السيد محمد بحر العلوم الى القاهرة وكان حينها يقيم في الكويت& وقد التقيت به لاول مرة في دعوة عشاء بالمنظر الجميل وهو مطعم يرتاده العراقيون منذ الثلاثينات من القرن العشرين. وقد حضر العشاء د.حسين على محفوظ، ود.عبد الرزاق محيي الدين كما حضره السيد طالب الرفاعي وأظن أن الشيخ الوائلي كان حاضراً. ولم نكن نعرف السبب الذي اجتمع هؤلاء على مائدة واحدة ويبدو ان السبب كان في التقريب بين السيد طالب الرفاعي والشيخ رحمه الله. وكنت انا وصباح نوري مرزوق ومصطفى عباس الموسوي (مكوطر) وصاحب المطعم الذي كان صديقاً للدكتور محي الدين منذ زمن طويل. في تلك الليلة قال الدكتور عبد الرزاق محي الدين ان الشيووعية والنظم الاشتراكية ستسقط خلال خمسين سنة، وحين سألناه كيف قال: ان الاشتراكية جميلة حينما نقرأها في الكتب لكنها صعبة اذا اردنا تطبيقها، قلت له خالي لماذا لا تعترفون بهذه الصعوبات وتتراجعون الى الطريق الصحيح، قال: من الصعب على الاشتراكي وقد أمضى سنوات طويلة يبشّر في افكاره ويعد الناس بالرخاء الاقتصادي أن يعود بهم الى نقطة الصفر!! ولم تمض عشرين سنة وقد رأينا أن توقعاته قد تحققت وسقط الاتحاد السوفييتي والنظم الاشتراكية.
في هذه المجالس والاجتماعات كان للوائلي حضور واضح مع أقطاب مجمع اللغة العربية الوافدين من العراق لحضور مؤتمرهم السنوي وحالما نسمع بمجيئهم نهرع اليهم في جراند هوتيل في وسط البلد وأول ما يطلّ علينا عبر نافذة الصالون محمد بهجت الاثري ود. حسين محفوظ أما الدكتور عبد الرزاق محي الدين فيظل عاكفاً في مقصورته وعادة كان أولاده وبنته سُلمى يرافقوه في هذه الايام، وحينما نذهب الى العشاء كان واحد من الاولاد فقط هو الذي يأتي معنا أما الباقون فيلازمون الفندق، أحياناً نذهب في الليل الى بعض المسارح لمشاهدة عرض مسرحية وكانت لكل استاذ مقصورة يأخذ فيها من يشاء من طلابه ومريديه. وكنا من مريديهم بطبيعة الحال.
كان الوائلي رحمه الله أول ما يأتي إلى القاهرة في مثل تلك الأيام، او في أوائل الصيف يمر على دار العلوم ليترك خبراً بأنه قد وصل، ويعرف الجميع أنه يسكن في حي المنيل فيذهب اليه من يريد السلام عليه فيستقبله ويشرب معه الشاي ثم يذهب به الى مكان قد دُعي له أو الى زيارة صديق ويعرف لهذا المريد الزائر أنه رجل مهم وأن كثيراً من الاصدقاء والمعارف بانتظاره في القاهرة. والشيخ الوائلي قليل الكلام حينما يكون وحده مع هذا الصديق أو ذاك ولكن ما أن يجتمع حوله الاصدقاء حتى تراه منطلقاً في الحديث كأنه قطب المجلس وخطيبه وقد ملك ناصية الخطابة فينتقل بك من حديث إلى آخر، ومن قضية متى ما فتحت لا تُغلق، فتارة يذهب لك سائق التاكسي الى مصر الجديدة عند الدكتور حمود عبد الامير حمادي ونكون على موعد مع الغداء وتارة أخرى يذهب بك عند صديق من جماعة التقريب لا ندري لماذا نذهب اليه ولا يوجد هدف واضح وبيّن سوى كلمات المجاملة والترحاب وتناول الشاي او القهوة وبعضنا لا يحتسي الشاي ولا القهوة، حتى اذا قضى الشيخ الايام والاسابيع عاد من حيث أتى، وقد لقي كثيراً من الاساتذة والباحثين والادباء والشعراء في القاهرة، وزار الشيوخ والخطباء والقراء وطاف بمسجد سيدنا الحسين، وأطل على الأزهر وذهب يتملى مسجد السيدة زينب فينتقل من مكان الى مكان ولا بد من رفيق يرافقه وهو غاد ورائح& وتكون تلك الايام موسماً ثقافياً دينياً يلتقي المرء بشخصيات عراقية أدبية وفكرية ودينية وسياسية. هذا الموسم بعضه يستغرق عشرة أيام وبعضه الآخر يطول الى اسبوعين او ثلاثة اسابيع لكن الوائلي أحياناً يمد هذه الزيارة الى اكثر من ذلك ويقيم شهراً او شهرين.
في دار العلوم كان الوائلي يلتقي الطلاب الوافدين من العراقيين وكنا نضع الكراسي في الشمس ونجتمع الى بعض وقد يصل العدد الى عشرة أفراد أو يزيد قليلاً ويمرّ علينا د.الطاهر أحمد مكي ليقول: يا جماعة أخشى عليكم من حاسد يحسدكم ويعني ذلك أن افراداً من اتباع السفارة موجودون في الكلية اذا ما رأوكم بهذا التجمع سنقلون أخباركم الى مسؤوليهم فكنا نضحك ولا نأبه بذلك لأنه لم نكن نصدق أن من حولنا أفراداً لا يحلو لهم الا كتباة التقارير اليومية عن زملائهم لكن بعد ذلك اكتشفنا أنّ زملاءنا شغفون بهذا الاسلوب المتني والسيئ الصيت.
كان من بين الدارسين بدار العلوم الشيخ عبد الهادي الفضلي وكان يحضر للدكتوراه مع الدكتور أمين على السيد وكان وافداً من السعودية مع انه عاش في العراق، وكان بعض المعممين يأتون الى دار العلوم لرؤية أساتيذهم وأحياناً يكون الاساتذة قد سافروا الى السعودية والخليج للعمل، او الى ليبيا، ويبقى الطالب معلقاً لا يدري ماذا يفعل. وبعض الاساتذة ذهب بعيداً ليصبح مستشاراً ثقافياً في بلد اوربي كما حصل للدكتور احمد هيكل حينما اصبح مستشاراً للمعهد المصري في مدريد، وبقي تلميذه محمد مجيد السعيد بدون مشرف حتى أوجدت الكلية له مشرفاً آخر وكل طالب من طلاب دار العلوم والكليات الاخرة كانت له مشكلة بعينها وحتى اولئك الذين لم تكن لهم مشاكل ادارية كانت لديهم مشاكل فنية، بعضهم لا يدري ما معنى دراسات عليا، كيف يكتب رسالته الماجسترية، كيف يختار موضوعه، كيف يرسم مخططاً لهذه الرسالة، كل ذلك يجهله هذا الطالب المسكين ولكن كان يعرف شيئاً واحداً هو انه لا بد من الحصول على هذه الدرجة لكي يرتقي بنفسه في الحزب والوظيفة ليقال عنه حاصل على درجة الدكتوراة، ثم بعد ذلك يذهب ليتسلم وظيفته الادارية في هذه السفارة او تلك الوزارة.& وطالما الشيخ الوائلي وغير الشيخ الوائلي يكون زائراً الى الكلية يجتمع هؤلاء المساكين عسى ان يجدوا في هذا الزائر معيناً يعينهم على خلق هذه الرسالة ومنحها اياهم خلال دقائق حتى اذا عجزوا عن ذلك ذهبوا يستعينون بأنس آخرين باذلين المال والهدايا والتحف أو استخدموا نفوذهم وبسطوها ليحققوا أمانيهم وغاياتهم واذا سألتهم لماذا انتم تصرون على نيل هذه الشهادة الجامعية العليا، وما هو مفهومها؟ أجابوا: انهم قالوا لنا الماجستير والدكتوراة عبارة عن فترة نقاهة واستجمام يقضيها الطالب العراقي في القاهرة!!! وهنا يتدخل الوائلي لإبداء الرأي والنصحوالتوجيه والمشورة في كلّ ما يحتاحه الطالب الوافد وهو موقف نبيل لا ينساه الطالب العراقي مدى الدهر.
كان الوائلي يعتبره العراقيون قمة من القمم وواحداً من العمالقة في الادب والشعر والخطابة، أما الدراعمة فيعدونه واحداً من الطلاب العرب الوافدين على القاهرة للحصول على التعليم العالي، وكان الدكتور عبد الحكيم بلبع رحمه الله يقول له: هيه يا شيخ أحمد،فكانت تربطه بالوائلي علاقة قديمة من بغداد فكانا يجلسان معاً ويتحدثان سوية في الممر الذي عند حجرات المدرسين، ويستعيد بلبع رحمه الله ذكريات بغداد،، عندما كان استاذاً في كلية البنات في باب المعظم، كان الوائلي يفرض نفسه على الجميع ولا يستطيع أحد منا أن يمزح معه حتى وان كانت مزحة خفيفة وبريئة وعكس ذلك كنا نأخذ راحتنا في الحديث مع السيد طالب الرفاعي، وكان الوائلي طرازاً خاصاً وشخصية رسمية فهو ليس مثل السيد طالب الذي يجتمع حوله الخليجيون والعراقيون وبعض المصريين مثل عبد الرحمن البنا وحسين الحسيني وبعض شخصيات مصرية، مرموقة وكان للسيد طالب مجلس يوم الجمعة ليلاً يديره المرحوم الحسيني وتنتقل الاخبار الى الشيخ الوائلي على لسان ملائكة النقل وربما سأل الشيخ الوائلي عن الحاضرين في المجلس ويسؤوه أن يرى بعض أصدقائه وأحبائه حاضراً هناك فيعاتبه عتاباً خفيفاً وأحياناً،بشكل غير مباشر ويرى أن المجلس لا يستحق ضياع الوقت من أجله أذكر ذلك للتاريخ فقط، أما السيد طالب حفظه الله فقد قال لي يوماً أنا هنا لنشر أفكار أهل البيت وعقيدتهم والحوزة في النجف ترسل فلاناً وفلاناً وتعطيه خمسة آلاف دينار لتحقيق رسالة صغيرة موجودة بدار الكتب وبالتالي يريدني ايصال& هذه الرسالة اليه، بل كان ممتعضاً مما يحصل من حوله. فكان الوائلي يحسبني مريداً للسيد طالب لأنني أتردد على مجلسه ولم اكن كذلك، بل كنت أزوره من حين لحين وربما كان السيد طالب يظن أنني من معارف الشيخ الوائلي القريبين والحق ليس كذلك فقد كنت صديقاً للجميع، وحينما نذهب الى مطعم المنظر الجميل في الظهيرة تفاجأ برجل بصير ابن الاربعين أو يزيد قليلاً عند الباب يجلس وراء طاولة ولم أكن أعرف ماذا يعمل وما هي وظيفته ولكنه أحياناً يدخل في جدال ونقاش مع عبد الحسين الشمري وهو طالب دراسات عليا في الآثار ونجلس بعيداً في المقصورة& لنسمع هذا النقاش العقيم وأحياناً نرى سبعاوي يدخل ويجلس الى هذا الرجل ويتحدثان قريباً من نصف ساعة وينصرف في سيارته الحمراء المرسيدس، بعد سنوات طويلة عرفت أن هذا الرجل كان مسؤولاً عن تنظيمات حزب البعث في مصر، أو في القاهرة هذا الرجل اسمه عبد الله الحديثي يجلس عند البوابة فيسترق السمع خاصة وأن المطعم يستقبل عدداً كبيراً من العراقيين يومياً في الغداء والعشاء وبعضهم قادم من الكويت والامارات والسعودية، ويجلس حتى المساء، سبحان الله يعرفهم من أصواتهم وويميزهم من همساتهم وضحكاتهم، أحياناً يستريب بعض هؤلاء الضيوف فينتقلون الى الطابق العلوي في المطعم ليزيدوا من فضوليته ان كانت عندهم أخبار خاصة أو أحاديث أو مناقشات فيسأل عنهم من يكون جالساً الى جواره، ولكن مع كل ذلك كان الكثير من الطلاب يتحدثون بحرية ولا يأبهون بهؤلاء الناس.
كان صاحبي السيد مصطفى عباس الموسوي من المعجبين جداً بالشيخ الوائلي ويعتبره ملك المنبر وكنت أعتبره شاعراً كبيراً أزوره كلما جاء القاهرة وأذهب معه حيث يذهب وبقيت علاقتنا على هذا المنوال ولم أره إلا في كربلاء بعد سنة 1977 عندما عدتُ الى العراق، في مكتبة السعادة عند السيد سعيد زيني حيث يجتمع كثير من أدباء العراق وأساتذته، ثم رأيته في دمشق اكثر من مرة ولكن الشيخ الوائلي كانت الغربة قد فعلت به ما تفعله بالعمالقة الكبار من الناس وتغيرت حال الوائلي كثيراً خاصة بعد وفاة أحد أبنائه فلم يعد ذلك الشيخ الذي أعرفه وانقطعت علاقتنا لا لجفوة لا سمح الله ولا اختلاف في وجهات النظر ولكن لنوائب الزمان وقد أصبحنا أيدي سبا وتوزعنا في المنافي وشغلتنا الهموم.
لاهاي - هولندة

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف