أخبار

الأقليات الدينية والقومية في سورية

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
علي عيسى
&
&
كنت قد تحدثت في مقال سابق عن وضع الأقليات الدينية في البلاد العربية، والإسلامية، ومنها مصر، وما تعانيه من اضطهاد وتجاهل وتهميش واستبعاد في عموم هذه الدول، وإنْ تفاوتت هذه السياسات تجاه الأقليات من بلد لآخر، فإنها تبقى في النهاية أقل بكثير من الحد الأدنى المطلوب لتتماشى مع الحدود الدنيا لحقوق هذه الأقليات، وبينت أيضا في المقال ذاته أن سوريا هي البلد العربي الوحيد الذي لا يشعر أي من مواطنيه بوجود أي تمييز بينهم، فالدين لله والوطن للجميع، والجميع متساوون في الحقوق والواجبات، ولا توجد أية قوانين يُشْتمُّ منها، لا من قريب، ولا من بعيد أي تمييز أو تفرقة بين مواطن وآخر. فقد مُنع منذ بداية السبعينات أن تُذكر الديانة في بطاقة الهوية أو السجلات والأوراق الرسمية التي يستخرجها المواطن بغية تقديمها لجهة ما، رسمية كانت أم غير رسمية، مما يمنع معرفة دين هذا المواطن أو ذاك، لا بل هناك مواد قانونية متشددة تعاقب كل من يميز في الدين أو العرق أو اللون، حتى أن كلمة أقلية (دينية أو قومية) لا وجود لها في القاموس السياسي والاجتماعي السوري، فالفلسطيني الذي يعامل في كل الدول العربية على انه أجنبي، أو في احسن الأحوال ضيف عربي من الدرجة الثالثة أو الرابعة، يعامل في سورية على قدم المساواة مع باقي المواطنين السوريين، فمن حقه جميع الوظائف العامة، أسوة بالمواطن السوري، بما فيها المناصب الرفيعة في الدولة، دون أن يفكر أحد إن كان سوريا أو غير سوري. فإذا كانت هذه السياسة قد ساوت بين السوريين وغير السوريين، فكيف هي الحال إذن بين السوريين أنفسهم؟ إن من لا يعرف تاريخ سورية، وعمق ومتانة العلاقات بين أبنائها، ونبذهم لأي تفرقة أو تمييز فيما بينهم، بسبب رغبتهم وإرادتهم المشتركة في العيش معا، والتاريخ الطويل لوحدة الآلام والآمال التي جمعتهم على مر العصور، أقول : من لا يعرف هذا التاريخ ليس له أي عذر في أن يترك حبله على الغارب، أو أن تجره أوهامه، وأهواءه، ودوافعه لرسم صور وأحداث مشوهة ومختلقة عن حقيقة العلاقات بين أبناء الشعب السوري، والقوانين الناظمة لهذه العلاقات، وهذا التعايش المتين والنوعي، الفريد من نوعه، مما يستوجب ذكر بعض الحقائق التي يجهلها الكثيرون، وخاصة المتصيدون في الماء العكر، البعيدون آلاف الأميال عن أرض الواقع والحقيقة، الذين تصلهم معلومات كاذبة أو مشوهة لأغراض سياسية، أو ذاتية هدفها البحث عن الوجاهة والزعامة، وأولى هذه الحقائق أن أول رئيس جمهورية لسورية قبل الاستقلال كان كرديا، وأن قلة قليلة جدا من الشعب السوري تعرف ذلك، أو يهمها أن تعرف ذلك، لأن المواطنة فوق كل اعتبار، والوطن لجميع أبناءه، دون أي تمييز ديني أو قومي، والتمييز الوحيد الذي فرض على المواطنين،إنما افتعله وغزّاه الاستعمار التركي العثماني لسورية - ( وحاليا يتابع الإسلام السياسي الدور نفسه ) - الذي اضطهد كل من هو غير تركي، بغض النظر عن دينه، معتبرا إياه مواطنا من الدرجة العاشرة، لا بل بقرة حلوبا في خدمة الأتراك، وأن الضباط الثلاثة الذين قاموا بالانقلابات العسكرية المتتالية في سورية بعد الاستقلال منذ عام 1949، فكرسوا بذلك سابقة خطيرة أصبحت فيما بعد عادة متبعة في كل البلدان العربية والإسلامية والآسيوية والأفريقية، ونصّبوا أنفسهم رؤساء جمهورية في سورية هم أكراد، وهم : فوزي سلو، وحسني الزعيم، وأديب شيشكلي، ولم يعارضهم أحد لكونهم أكرادا، بل لا تعرف سوى قلة قليلة متتبعة للشأن العام هذا الأمر، وهذا إن دل على شيء، إنما يدل على أن الشعب السوري والقوانين السورية لا تنحو أبدا منحى التمييز بين أبناء الشعب، فيكفي أنهم مواطنون يحملون الجنسية السورية ليتمتعوا بكل الحقوق التي يتمتع بها غيرهم من المواطنين دون أن نقر أن الانقلابات العسكرية هي حق من حقوقهم بأي مقياس كان -، كما أن ثاني رئيس وزراء بعد تولي حزب البعث السلطة في سورية كان كرديا، وهو السيد محمود الأيوبي، إضافة لعدد كبير من السوريين الأكراد الذين يتقلدون مناصب هامة ورفيعة في أجهزة الحكم والدولة، وأن عشرات من المواطنين ذوي الأصل الكردي يتولون مناصب على مستوى مدير عام، الذي يلي منصب الوزير مباشرة، وفي بعض الأحيان يكون هذا المنصب أهم من منصب وزير، كمدير عام المصارف في سورية، ذو الأهمية الاقتصادية الكبرى، والذي كان يتولاه أحد المواطنين الأكراد قبل أن يقال من منصبه بعد ثبوت تهمة الاختلاس والفساد عليه، وللعلم أيضا، فإن الحزب الشيوعي السوري الذي شغل الناس في فترة من الفترات، والذي انطبق عليه المثل العربي ( أسمع جعجعة ولا أرى طحنا ) كان يتزعمه منذ تأسيسه كردي هو السيد خالد بكداش، إلى أن توفاه الله، فخلفته في زعامة الحزب زوجته وصال فرحة، إلى أن شب ولدهما (عمار) فتنازلت له عن قيادة ذلك الحزب، الذي يشغل حاليا منصب أمينه العام، وهو عضو في القيادة المركزية للجبهة الوطنية التقدمية التي تقود سورية، والذي يعارض بشدة أي عمار وحزبه أية إصلاحات سياسية أو اقتصادية مقترحة خوفا على مصالحه وامتيازاته هو وحزبه الذي أكل الدهر عليه وشرب، وأصبح من مخلفات الماضي، وحجر عثرة في وجه التقدم والتطور وحقوق الإنسان، كباقي الأحزاب الشيوعية العربية والعالمية التي أجبرت الشعوب على عبادة الفرد، وفرضت بقوة السلاح والقهر والمخابرات، النظم الدكتاتورية في العالم أجمع، ولن يخدع أحد، ادعاء بعض الشيوعيين الدفاع عن حقوق الإنسان سعيا منهم للوصول إلى الشهرة بعد أن أدركوا أن دفاترهم القديمة قد بليت، ولن تفيدهم العودة إليها بشيء، مثلهم كمثل الأحزاب الدينية التي تعتمد أسلوب التمويه والتقية، بينما لا تؤمن في قرارة نفسها ومبادئها إلا بالقمع والإرهاب وسيلة وحيدة للبقاء في السلطة، أو انتزاعها. إن الحديث عن طرد المواطنين الأكراد من أراضيهم وانتزاعها منهم من قبل السلطات السورية، حديث واه كله تضليل وافتراء، لا تسنده أية واقعة أو وثيقة، إذ لا يمكن طرد أحد من أرضه إن كان يملك سند تمليك بها، والحقيقة التي جافاها وشوهها بعض المتقولين، أن عددا من المواطنين الأكراد استولوا على أراضي بعض العائلات السورية (السريانية)، التي كانوا يعملون لديها، و كانت تستوطن الجزيرة السورية، وهاجرت إلى البلدان الأوروبية، ظنا منهم أن المهاجرين لن يعودوا بعدها إلى بلادهم، واعتبروا هذه الأراضي ملكا لهم بوضع اليد، مما حدا بوكلاء هؤلاء المهاجرين، أو بالمهاجرين أنفسهم في زيارتهم لبلادهم، أن يقيموا دعاوى إخلاء أمام المحاكم السورية المختصة، لاسترداد أراضيهم التي يملكون سندات تمليك بها ، وقد ربح بعضهم بالفعل تلك الدعاوى، وبعضهم الآخر ما زال ينتظر قرار المحكمة، ولأن الذين استولوا على الأراضي قد رفضوا إخلائها برغم قرار المحكمة، فقد تدخل الموظفون المكلفون بتنفيذ الأحكام لإخلاء الأراضي المستولى عليها وتسليمها إلى أصحابها الحقيقيين، الأمر الذي التبس على غير المتتبعين لهذا الموضوع، وخاصة غير السوريين المقيمين خارج البلاد العربية، أو الذين اعتادوا تزييف الحقائق لغاية في نفس يعقوب. كذلك يتوهم البعض، أو أنهم يعرفون لكنهم يدعون لأهداف سياسية أن هناك عددا من الأكراد السوريين مُنعت عنهم الجنسية، والحقيقة التي يعرفها كل السوريين أن أولئك المعنيين هم أتراك، هربوا من تركيا إما للبحث عن عمل، أو من ملاحقة الأتراك لهم، وأقاموا في سورية بشكل غير مشروع، وهم يحملون الجنسية التركية، وما زالوا يحملونها مع أولادهم حتى هذه اللحظة،ومن الطبيعي في مثل هذه الحالة أن لا يمنحوا الجنسية السورية بشكل جماعي، بل بطلبات فردية كما يفعل جميع الأجانب المقيمين في أوروبا وأمريكا وكندا. قضية أخرى لا بد من توضيحيها، وهي أنه حاليا غير مسموح تشكيل أحزاب سياسية جديدة في سورية غير أحزاب الجبهة المعترف بها، وهذا الأمر ينطبق على جميع السوريين، وليس على الأكراد وحدهم، إلى أن يصدر قانون الأحزاب الذي لن يميز بين مواطن وآخر مهما كانت ديانته أو قوميته، وبالتالي لا يجوز الادعاء أن الأحزاب الكردية وحدها الذي يطبق عليها هذا المنع. إن الحديث عن أقليات لم يكن له أي وجود في القاموس السوري، إلا بعد ظهور جماعات الإسلام السياسي التي تعمل جاهدة على بث الفرقة والفتنة ليسهل عليها السيطرة على البلاد والعباد، والتي بدأ يزداد نشاطها على الساحة بشكل هستيري منذ عهد السادات الذي أرادها نصيرا وعونا له في حربه ضد اليسار المصري، ومنذ حرب الثأر الأفغانية الفيتنامية التي قادتها أمريكا، وبسبب ردود الفعل والغيرة (السنية ) من انتصار الثورة الإسلامية (الشيعية) في إيران، إضافة للازدياد المتعاظم في عدد السكان، الذي أدى إلى مزيد من الفقر والجهل والتخلف، مما شكل بؤرة غنية صالحة لنمو هذه الجماعات التي تعتمد سياسة التجهيل والترهيب لتزداد قوة وانتشارا، ولا أدل على ضعفهم في الماضي، أنه في الخمسينات تحالف كل من الحزب الشيوعي والأخوان المسلمين، فنقل كل أعضائهم وأتباعهم وأنصارهم سجلات قيدهم من المحافظات السورية إلى مدينة دمشق حتى استطاعوا أن يوصلوا عنصرين من عناصرهم إلى البرلمان السوري، واحد عن الشيوعيين، والآخر عن الأخوان المسلمين.
&& isaa@bab.com&&&&& السويد

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف