جريدة الجرائد

عبدالله الذوادي: بلاد العرب أوطاني..!

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
&
عنوان هذا الموضوع مطلع نشيد لطالما أنشدناه ونحن طلبة في المدارس، وأعتقد ان مؤلفه هو الشاعر سليمان العيسى، ومناسبة اختياري لمطلع هذا النشيد عنوانا لموضوعي هو ما يجري الآن من حوار ساخن حول موضوع الجنسية، وما اتخذته هذه القضية
من أبعاد خطيرة، قد توقظ فتناً ومشاكل ظلت خامدة ردحاً من الزمان ويبدو أنها بدأت تنتعش من تحت الرماد بفعل أناس لا يريدون لهذا البلد ان تستقر فيه الأوضاع ويتفرق لتنفيذ مشاريعه التنموية والإصلاحية وينسى هؤلاء ان هذا البلد البحرين هو أول من جسد مفهوم هذا النشيد حتى قبل ان ينظمه الشاعر سليمان العيسى، كيف؟ لن اخذكم بعيداً في الحقب التاريخية السحيقة حقبة ما قبل التاريخ وما تلاها، بل سأجول بكم في حقبة الغوص وهي حقبة موغلة في التاريخ ولكن حدثنا الأهل الذين مارسوا تلك المهنة الشاقة طيلة حياتهم، فقالوا لنا: لم تكن هناك جوازات سفر أو وثائق عبور، كانت البحرين تستقبل كل الجيران للعمل في أراضيها، كان الآلاف من الإيرانيين يقدمون من سواحل فارس ويعملون في مختلف الأعمال ومن ضمنها العمل على سفن الغوص ويبلون بلاء حسناً حتى ان كبار "النواخذة" أعجبوا بهم وشجعوهم على الإقامة في البحرين فتزوجوا وأنجبوا واصبحوا يشكلون شريحة مهمة من المجتمع البحريني المتسامح دائما، كما استقدم افراد الأسرة الحاكمة واصحاب المزارع والبساتين آلاف المزارعين من الاحساء والقطيف للعناية بمزارعهم، خاصة أشجار النخيل واللوز والتين وباقي الفواكه والخضراوات وذلك لما امتاز به أهل القطيف والاحساء من خبرة ممتازة في شئون الزراعة، وأيضا شكل هؤلاء وأسرهم نسيجاً مهماً في المجتمع البحريني ومنهم الآن بعض التجار واصحاب الأعمال، ولعل أكبر دليل على تجذر هذه الشريحة في المجتمع البحريني وجود مأتم كبير لهم يحمل اسم مأتم الاحسائيين ويعد موكب عزائه من المواكب الكبيرة في ذكرى عاشوراء. وهؤلاء وأولئك، أي الذين جاءوا من سواحل فارس يتمتعون بالجنسية البحرينية ولم يعترض أحد على وجودهم أو يضايقهم، وكان الحصول على الجواز البحريني من السهولة بمكان بحيث يحضر المرء شهادة من مختار القرية يمنح الجواز فوراً من دون أي عوائق، هناك هجرة معاكسة حدثت إما بسبب مشاكل سياسية وإما بسبب طلب الرزق، تعرفت إلى شخص في خرمشهر بإيران كان صاحب "عبارة" صغيرة ركبت وزملائي معه وكنا نتحدث العربية وإذا بصاحب العبارة يسألنا بالعربية: من اين انتم؟ فأخبرناه بأننا من البحرين، ففرح بنا وأخبرنا بأن اجداده من البحرين ومن شبه جزيرة سترة، وارتحلوا إلى عربستان وطاب لهم المقام فاستقروا بها. وسافر كثير من البحرينيين إلى المملكة العربية السعودية الشقيقة للعمل في الأربعينيات والخمسينيات بسبب فوارق الرواتب إلى درجة ان أحد المسئولين في شركة نفط البحرين سافر إلى السعودية لإقناع العمال البحرينيين بالعودة إلى البحرين بعدما عانت بابكو من نقص في العمالة البحرينية المدربة مثل اللحامين والحدادين وغيرهم من متقني المهن الحرفية الأخرى، وظلت القبائل العربية مثل الدواسر والنعيميين وغيرهم من القبائل العربية تنتقل بين البحرين ودول الخليج، وأذكر ان بيوت الدواسر كانت منتشرة بمبانيها الجميلة ذات الطراز العربي جنوب قرية البديع وكنا نستخدمها في رحلاتنا المدرسية في الخمسينيات ولا أدري لم جرى تجريفها وهدمها والقاء حجارتها في البحر، فهؤلاء الذين هاجروا إلى عربستان ودول الخليج بقصد كسب الرزق أو لاعتبارات سياسية من حقهم العودة إلى موطنهم الأصلي البحرين الذين ما انسلخوا عنه اطلاقاً بسبب وجود عوائلهم وأقربائهم، ولأن خروجهم من البحرين لم يكن نزوحا نهائيا، كما ان القبائل العربية قبل نشوء أنظمة الهجرة والجوازات تعد شبه الجزيرة العربية بكاملها وطناً واحداً، هذا من جانب ومن جانب آخرلماذا نتخوف من عودة أولئك إلى البحرين أو حصولهم على الجنسية البحرينية؟ فهم بالفعل بحرينيون. هل المحتجون على عودتهم يخشون من تخلخل في التركيبة السكانية من منطلق طائفي؟ هل وصل بنا الحال إلى ان نخشى على أنفسنا من أهلينا واخوتنا في الدم بحجة ان ذلك سيخل بالتوازن الطائفي؟ هل عدنا إلى العهد الطائفي البغيض الذي يفرق بين أبناء الوطن الواحد؟ تصوروا أننا قبل أربعين عاما كنا أكثر وعيا وحرصا على وحدتنا الوطنية ونبذنا للطائفية البغيضة وسأذكر لكم حكايتين تؤكدان أننا كنا أكثر حرصاً على الوحدة الوطنية وأقوى تجانساً بين الطائفتين الشقيقتين:
الحكاية الأولى: في العام الدراسي64/65 أصدر مراقب الشئون الإدارية بإدارة التربية والتعليم نشرة حدد فيها عطل الشيعة وعطل السنة، عطل الشيعة كانت أكثر حيث تضمنت مناسبات وفيات آل بيت رسول الله في محرم وصفر ورمضان، أي ان ذلك يشمل المدرسين والطلبة، هل تعلمون من احتج على تلك النشرة وطالب بالغاء تلك الاجازات؟ انهم الاخوة المدرسون والمديرون الشيعة عدوا تلك النشرة تقسيماً طائفياً أدركوا بوعيهم ووطنيتهم ان مثل تلك النشرة تعزز الطائفية وتقسم الكادر التعليمي، مدرسين وطلبة، إلى طائفتين متنافرتين وما يجره ذلك من ذيول التفرقة. فرفع الاخوة رسالة إلى مدير التربية والتعليم الأستاذ أحمد العمران وطالبوا بإلغاء ذلك المنشور، وبالفعل أصدر مراقب الشئون الإدارية نفسه نشرة أخرى تلغي ذلك المنشور. كان ذلك قبل 39 سنة بالتمام والكمال، واخواني المديرون والمدرسون لا شك أنهم يتذكرون ذلك، وكانت وقفة الإخوة الشيعة من ذلك المنشور محط تقدير واكبار من زملائهم السنة. الحكاية الثانية: سافرنا نحن مجموعة من البحرينيين سنة وشيعة إلى أحد البلدان العربية، وعند وصولنا إلى المطار قدمنا جوازات سفرنا وبها بطاقات الدخول بعد ملئها بالمعلومات المطلوبة. سألنا الموظف، الواحد تلو الآخر، الديانة: مسلم سني ام شيعي؟ كان ردنا جميعا نحن مسلمون، فاستغرب موظف الجوازات من هذا الرد الموحد. هكذا كنا قبل أربعين سنة، ولن اذكر ذلك الحس الوطني في الخمسينيات حين وقف السنة والشيعة في وجه الإنجليز في وحدة وطنية رائعة فالكل يعرفها، لن اتحدث عن التنظيمات السياسية السرية التي كان أعضاؤها من أبناء الطائفتين الكريمتين وما قدموه من تضحيات وتغرب وسجون، كانت البحرين الموحدة هي كل الحب عند جميع التشكيلات السياسية بمختلف اطيافها وتحملت ما تحملت من ويلات ولم يشذ أحد من أولئك فيزعم ان طائفة أفضل من الأخرى، تعلمنا في المدارس الوطنية وحب الوطن على أيدي أساتذة هم تيجان على رؤوسنا مثل الأستاذ الكبير حسن جواد الجشي والأستاذ حميد العريض والدكتور سلمان الصفار، إلى جانب الأستاذ محمد صالح عبدالرزاق والأستاذ سلمان الصباغ، وغيرهم من المربين الأفاضل الذين ما اشعرونا قط بفوارق طائفية، ولذا عندما جرت انتخابات المجلس الوطني عام 1973 وأذكر في الدائرة الأولى ترشح كل من المرحوم الأستاذ محمود المردي والأستاذ خليفة بن غانم الرميحي والأستاذ رسول الجشي والأستاذ حميد العريض والمرحوم خالد الذوادي والمرحوم الشيخ محمد صالح العباسي، كانت الدائرة الأولى تضم فريق الفاضل وفريق العوضية وفريق الذواودة ورأس الرمان والحورة ان لم تخني الذاكرة، نجح في الانتخابات الأستاذ رسول الجشي والأستاذ حميد العريض والمرحوم خالد بن إبراهيم الذوادي شقيق المناضل أحمد بن إبراهيم الذوادي (أبوقيس)، من النتيجة نتأكد ان الطائفية لم تتدخل، تلك كانت أيام جميلة رائعة، فهل نترك الآن - بعدما تطور كل شيء - هل نترك الطائفية تمزقنا وتعوق مسيرتنا؟ وبدلا من ان نكون شعباً واحداً ننقسم إلى شطرين كل شطر يتربص بالآخر الدوائر؟ اللهم اقبض روحي قبل ان أرى ذلك اليوم الذي تنشطر فيه بلادي وتتمزق فيه وحدة أمتي وينتصر فيها دعاة الطائفية، واحفظ اللهم مملكة البحرين وأهلها، واهد اللهم كل من يعتريه الشطط ولا تسلط علينا من يفرقنا ويضرب وحدتنا الوطنية لتبقى البحرين واحة حب وخير، هي هي كما أحبها كل زائر وطمع في البقاء بها لا لأنها تمتلك الثروات الطائلات كغيرها، ولكن لأنها موصوفة بكرمها وطيبة أهلها الذين جسدوا ذلك النشيد الرائع بلاد العرب أوطاني، فيا احبتي: حافظوا على هذه الميزة التي انعم الله بها على "حليووة" بلادكم البحرين، وإذا كانت عذاري قد نضبت فإن نهر الحب البحريني سيستمر في تدفقه من خلال أبنائه الشرفاء.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف