أخبار

لماذا يعيد التأريخ نفسه؟

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
د. رياض الأمير
&
&

جاء في مذكرات موشى دايان وزير الدفاع الإسرائيلي الاسبق حول خطة الحرب التي وضعها ضد العرب بانها منقولة بالكامل لسابقتها وانه لم يخف تنفيذها لأن العرب لا تقرأ. وظهرت نتائج تقرير برنامج الامم المتحدة الإنمائي الاخير بان العرب اقل الناس قراءة واقل شعوب الارض اصدار للكتب وترجمتها. وجاءت الاعمال الارهابية القذرة في اغتيال عالم دين وعشرات العراقيين والتطاول على حرمة صرح ديني عزيز وارث إنساني عالمي، عمل إرهابي تتخلف كل مجاميع العالم اللغوية في وصف مفرداته، لتعيد إلى الاذهان صورة اخرى من التأريخ ومسرحية لعبت فصولها منذ اقل من نصف قرن من الزمان وعلى ارض الفراتين ايضا. فبعد ثورة تموز عام 1958 عندما اعيد ترتيب البيت العراقي والغيت الطائفية من جهاز الدولة العراقية ووأدت التفرقة العنصرية فيه، قامت حينها قائمة التيار السلفي العراقي وفقد صوابه جراء ذلك فراح يفتش يمنة ويسرة عن علم يستغله لإيقاف المستجدات الخيرة في طبيعة النظام الجديد ولم يجد سوى علم القومية العربية المرقوع بجرائم النظام الشمولي في مصر ليرفعه ومن وراءه غاياته الخبيثة في إبقاء التفرقة الطائفية والتفرد في السلطة. ففي تلك الفترة بالذات التقت خمسة قوى مختلفة التفكير واحدة الهدف على اجهاض نظام الزعيم عبدالكريم قاسم الوطني الشريف. وتلتقي الان، مع تغير طفيف في التسميات والمواقع من اجل تغير مسيرة بناء عراق جديد يتمتع فيه ابناءه على قدم المساواة، بغض النظر عن الدين والمذهب، القومية والمنطقة. في المرة الاولى التقى التيار السلفي العراقي الطائفي ( شعاره القومية العربية)، بقوى كردية ( ذات مشارب ورغبات مختلفة )،مع اصحاب النظام البائد (جماعة النظام الملكي من ملاك الاراضي ورجال الدولة وغيرهم من المتضررين من التغير) وجماعة شيعية (من اعضاء الحوزة العلمية المكروهين من قبل شيعة العراق)تعاضدهم قوى الاستخبارات الاجنبية ( الانغلو امريكية، الايرانية ). واليوم تجتمع من جديد تلك التي ساهمت بشكل من الاشكال في انقلاب شباط الدموي عام 1963 الذي كان بحد ذاته بداية حمام الدم في العراق والذي لم يخرج منه العراقيون إلا في التاسع من نيسان هذا العام بعد سقوط الوثنية بسقوط تماثيل صدام حسين. خمسة تجمعات غير شريفة لتلعب نفس الدور بعد اقل من اربعة اشهر من انهاء اكثر الانظمة ارهاب وظلم. تسلحت الجماعة السلفية العراقية بعد ثورة تموز بعد ان فقدت توازنها بفقدان تفردها بالسلطة التي استغلتها ابشع استغلال لمدة عقود، في انهاء كل الطوائف والقوميات الاخرى في العراق في تاسيس نظام طائفي وتعصب قومي سئ. ترفع هذه المرة علم الإسلام المشوه في اليد اليسرى والقومية العربية في الاخرى. ولم تكن وحدها في الماضي عندما حصلت على مساعدة القومجين العرب في سوريا ومصر واليوم تستعين بالإسلامويين من السلفيين العرب وغيرهم (جماعة القاعدة والتكفير وغيرهما) ليحاربوا حليفهم السابق على ارض العراق. وكما تعاونوا في الماضي تهب لهم اليوم مجموعة من الاكراد، لا تمثل الشارع الكردي قطعا ( جند الإسلام) ويقف إلى صفهما اعضاء حزب البعث الساقط (تضم هذه المرة اغنياء الحروب العبثية البعثية، المنتفعين من السلطة الساقطة في بغداد، جماعة الفدائين والحرس الجمهوري تساعدم حثالاث المجتمع العشائري في الرمادي وتكريت والفلوجة وعانة بالإضافة إلى ). وترقص على ايقاع تماديهم في عرقلة حياة العراقيين جماعة شيعية مكروهة من الاغلبية ( جماعة المراهق مقتدى الصدر وغيره من المنبوذين الذين لم يستطيعوا ان يصلوا إلى مرحلة متقدمة في الاجتهاد الشيعي). ومن المفارقات الغريبة ان يعاد تمثيل نفس السيناريو السابق، ولكن في تغير الاشكال والامكانيات. فكما رفعت ووزعت صور رجال شيعة في المناطق المشهورة بطائفيتها وكرها للشيعة العراقيين بعد ثورة تموز، ترفع اليوم وتوزع صور مقتدى الصدر. ولم يكتفوا في الكذب والرياء وهم يلبسون عباءة المرض الطائفي، يقدم احمد الكبيسي ملايين الدولارات لمقتدى الصدر كي يحد السكين لتمزيق الاستقرار الديني الذي جبل عليه العراق بدون تدخل السلطة، وكذلك لكي يزيد عدد القصابين لنحر العراقيين الشيعة وكأن حروب صدام حسين لم تكن كافية. ولا يعرف من اين جاءت للكبيسي تلك الملايين وهو رجل وعظ عاش في امارات الخليج لسنوات معدودة ؟ اليس يحق للعراقي ان يقول بان المال المصروف على الجماعات المعادية لإستقرار العراق جاءت من الدول التي عمل فيها من اجل حرمان العراق الاستقرار واجهاض حلم العراقيين في بناء نظام ديمقراطي، وليس طائفي كما كان في السابق ؟ وكما في المرة السابقة تقف مساندة لتلك المجموعات اجهزة استخبارات اجنبية . وهنا تعمل جنبا إلى جنب مع اطلاعات الإيرانية استخبارات الدول العربية التي تحيط بالعراق لتجربة امكاناتها بعد ان فشلت في بلدان اعدائها الحقيقين. وخرجت مخابرات امريكا وبريطانيا هذه المرة لان دولها اصبحت مستهدفه لمساعدتها اسقاط النظام الصدامي وتأسيس عراق جديد. ان سيناريو اجهاض العراق الديمقراطي يعاد، وعلى الرغم من تغير المواقع والاشخاص لكنه يحتفظ ببصامته السابقة. فهل نحن امة لا تقرأ ؟ فكيف يمكن ان تنطلي على العراقيين هذه المسرحية من جديد بعد اربعة عقود عجاف تضرر فيها اكثر ما تضرر شيعة العراق؟ وكأن الأول من رجب هذا العام يعيد التأريخ إلى الخلف ليكرر ما قامت به الاصولية الإسلاموية في الاعتداء على رموز عظيمة من رموز العدالة الإنسانية وابناء بيت النبوة ومراقدهم في مطلع القرن الماضي على يد اسلاف عصابات اليوم. وهل يمكن ان تفلح تلك القوى المتآمرة هذه المرة في ارجاع العراق إلى عصر الظلام الطائفي، مع وجود اكبر قوة في العالم إلى جنبه ؟ ان الاشهر القادمة كفيلة بالإجابة على هذا السؤال. وتبقى حقيقة واحدة، في ان احداث الجمعة الدامية في النجف الأشرف، بالنسبة للعراق والمنطقة ككل تعادل احداث الحادي عشر من ايلول بالنسبة للولايات المتحدة والعالم. ليس فقط لان ورائها نفس الزمرة الشريرة، وانما ماستحدثه من تغير شامل في تفكير العراقيين، ولربما في تفكير وتصرف الحكومات والشعوب العربية المحيطة بالعراق لانها المستهدفة لاحقا.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف