المثقفون فى ليبيا.... وجاذبية الأدب والتاريخ
قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
&
&
غادرت وطنى الاول ليبيا منذ خمسة وعشرين عاما، لكن طول الاغتراب لم يوقف تواصلى مع اجمل وامتع ما يبحث عنه من ربط حياته بالقراءة والكتابة... فاجمل وامتع ما يربطنى بذلك الوطن قيم العزة والكرامة والحرية كما قيم الحب والصدق والوفاء، وهي بعض قيم اهلى واصحابى وابناء شعب استشهد نصف سكانه فى معارك الحرية و التحرير ضد الاستعمار الايطالى (اي اكثر من نصف مليون) وهاجر عشرات الآلاف منهم هروبا من الظلم والبطش وبحثا عن الحرية، ومازال قانون الهجرة ساريا فى البشر، وحيث ما كان الظلم والاستبداد& :
وفى الأرض منأى للكريم عن الأذى&&&&& وفيها لمن خاف القلى متعزل
لعمرك ما بالأرض ضيق على امرئ&&&& سرى راغبا او راهبا وهويعقل
&وثروة تلك القيم نجدها فى واحات الادب والتاريخ.... فى الأدب شعره ونثره قديمه وحديثه، تنبض كلمات الأدباء بالحياة والصدق، فتعبر عن حالات ايجابية واخرى سلبية تعبيرا واضحا وشفافا، وتعكس تلك الكلمات حقيقة الواقع الاجتماعي والاقتصادي ومنهما يدرك القارئ حقيقة الواقع السياسي، عندما تضيق مساحات النقد السياسى ....
&وفى التاريخ ومادته العمق الاجتماعى والثقافى للشعوب، وفى تاريخ وطنى مواقف وسير وبطولات هي العمق الحقيقى الذى قد يعيد الثقة الى كل من اصابه بعض الوهن، فى سنوات معينة، اوفى ساعات او لحظات معينة تراكمت فيها اسباب الفشل والتردى والعقم والتشاؤم والاحباط والتبلد. التاريخ وقراءة التاريخ تذكرك بان قوانين التغيير والتبديل مستمرة وحتمية، ولا تتوقف عند حاكم معين او اسرة معينة، او حالة معينة .....
للدهر ادبارواقبال&&&&&&&&&&&& وكل حال بعدها حال
وصاحب الايام فى غفلة&&&&&&&& وليس للأيام اغفال
والمرء منسوب الى فعله&&&&&&& والناس اخبار وامثال
يا ايها المطلق آماله&&&&&&&&& من دون آمالك آجال
كم ابلت الدنيا وكم جددت&&&&& منا وكم تبلى وتغتال
&
هذه الأبيات للشاعر ( على ابن الجهم ) وفيها تصوير دقيق وعميق لتقلبات الأيام، وفيها عزاء وعبرة لمن يريد ان يعتبر.....
&وفى التواصل مع الادب والتاريخ يستمر التفاعل والترابط مع الوطن، ومع ادباء ومثقفى الوطن وابداعاتهم، رغم ضيق مساحات الحرية وشدة المعاناة.... وخلال سنوات الهجرة والاغتراب، حرصت كل الحرص ان اتابع ـــ بقدر المستطاع ـــ اخبار الحركة الثقافية فى بلادى. وحاولت ان احصل على قدر من الكتب والمجلات والصحف التى تتناول تطور تلك الحركة، وما تعانيه من صعوبات، وما تواجهه من رياح باردة، بل من عواصف ثلجية احيانا.... ولاحظت من خلال تلك المتابعة ان المثقفين فى ليبيا وجدوا فى واحتي الادب والتاريخ المكان الافسح والأسلم لأستمرارهم، ولأستمرار جهودهم، وجذبتهم تلك الواحات الى ظلالها بعيدا عن الشمس الحارقة لساس ويسوس وما تجره من عذابات وويلات... وقد سعدت بعدد من الكتب التى حصلت عليها، ومنها كتب واعمال الاديب الكبير خليفه محمد التليسى... وفى فترات اخرى& وصلتنى المجموعات الشعرية للشاعر محمد الشلطامى التى تعكس مرحلة مهمة من ابداعات ومعاناة شاعر، تغلى كلماته غليان الدم فى شرايين انسان حر، كلماته تحرك السواكن، وتستفز المتبلدين، فما بالك بمن هم علي بقية من نبل وشرف وعشاق حرية وعزة وكرامة .... واضافة الى عدد من الكتب الليبية الجديدة، اصبح بين يدي& مجموعة من المجلات والصحف الليبية، ومنها ملحق خاص بتكريم الاستاذ الاديب خليفه محمد التليسى فى مدينة بنغازى فى ديسمبر 2002 ومنها ايضا مجلة الثقافة العربية ومن كتابها اديبات وادباء من العراق، ذلك البلد الشقيق المعطاء الممتحن . ويبدو ان الحضور العراقى سيترك اثرا فكريا وادبيا مميزا فى ليبيا، وسياتى الزمن الذى تصدر فيه كتب وبحوث عن دور العراقيين الثقافى فى ليبيا فى هذه المرحلة من حضورهم، ونشاطهم التعليمى والثقافى بصورة عامة .....
&وعبر الفضائية الليبية البائسة المتخلفة فى سياساتها و فى برامجها، اتابع فى اوقات معينة بعض البرامج الثقافية، حيث اشاهد بعض الوجوه الادبية من جيلى الذى تكون اثناء العهد الملكى، (اي فى عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى ) وبعض الوجوه الاخرى الجديدة، واغلبها لا تدلك على قدرات فكرية او ابداعية، ولعلهم ضحايا واقع مثقل بهموم الحياة اليومية....
ومن المعلوم& ان وسائل الاعلام الليبية جميعها لا تقترب من مناقشة وبحث القضايا السياسية خارج الاطار الرسمى، ولا تقترب ولا تجرأ على مناقشة وبحث القضايا الاقتصادية خارج الاطار الرسمى.... اي ان المثقف الليبى داخل الوطن، لا يستطيع ان يعبر بحرية واستقلالية عن رأيه فى الحياة السياسية والاقتصادية، واذا سمح له ان يشارك فى ندوة او محاضرة او كتابة مقالة، فلا بد ان يتم ذلك داخل اطار وسور الكتاب الاخضر، او وثيقة سلطة الشعب، وغيرها من الوثائق الرسمية، التى ينفر منها عادة المثقف والاديب ....
&وبسبب غياب حرية التفكير والتعبير، وبسبب غياب الصحافة الحرة المستقلة، اصاب الحركة الفكرية والثقافية والصحفية العقم، وتوقف ذلك النمو الذى بدأ فى ظلال النظام الملكى وتسامحه حتى مع المتمردين والخارجين عن القانون،( اعنى التنظيمات الحزبية السرية ) وهو الذى كنا ننتقده رغم مساحات الحرية والامن والأمان، وقد كانت مساحات واسعة ......
ومن الظواهر الواضحة ان جل الاسماء الفكرية والادبية والثقافية التى تمثل ليبيا فى المحافل العربية او الدولية ينتمون اصحابها الى جيلين : الجيل الاول، وهوالجيل العصامى حقا هو الجيل الذى كون نفسه منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية وبرز فى مرحلة الاستقلال ومن هذا الجيل : على مصطفى المصراتى، وخليفه محمد التليسى، وهاذان من اكثر المثقفين الليبيين انتاجا وعطاء فى مجالي الادب والتاريخ......
اما الجيل الثانى فهو جيل الاستقلال، اي الذى تعلم وتكون فى مرحلة العهد الملكى او برز فى مرحلة العهد الملكى ومنهم : احمد ابراهيم الفقيه، ابراهيم الكونى، وهما من كتاب القصة ثم الرواية، وتهتم بهما الصحافة الادبية العربية، والعالمية احيانا. ومن ذلك الجيل كثيرون آخرون يعملون فى مجالات تتطلب خبرة مهنية وثقافة رصينة، وجميعهم تعلموا فى بدايات الاستقلال، وتابع بعضهم الدراسات العليا فى الولايات المتحدة واوربا ومنهم شكرى غانم رئيس الحكومة الليبية الحالية ( اللجنة الشعبية العامة ) والذى جيئ به فى محاولة لانقاذ الوضع الاقتصادى بعد ان خربه (الثوريون الجهل).
متى يبلغ البنيان يوما تمامه&&&&&&&&&& اذا كنت تبنيه وغيرك يهدم
&هذا الجيل الذى يعتمد عليه النظام القائم فى ليبيا ــ فى عدد من الامانات( الوزارات) و المؤسسات ــ هو جيل العشرين سنة الاولى من الاستقلال، ولولا وجودهم ومحاولاتهم تحقيق ما يمكن تحقيقه ما امكن ــ رغم تحفظات البعض بشأنهم ـــ لكانت حال البلاد اكثر سوءا .....
ان مناخ الحريات الفكرية، ومنها حرية الصحافة، وحرية البحث العلمى، وسيادة القانون، واستقلالية القضاء، هيى التى تهيأ الاجواء الصحية للابداع، ولظهور المبدعين فى شتى المجالات.... وخنق الحريات، ومحاسبة المثقفين عن كل فكرة وعن كل كلمة، ووضعهم موضع الاتهام، هو عملية اغتيال للعقل، وقتل للحياة الثقافية فى البلاد، ولعل الفضائية الليبية، والصحافة الليبية، والجامعات الليبية وما تعانيه هذه المؤسسات جميعا من انحطاط فكري وتنظيمي،هو اكبر دليل على تدنى السياسات التى تقف وراء هذه المؤسسات... وهذه السياست هي المسئولة عن التصحر والجدب الذى نشاهده فى الحياة الثقافية.... لا شعراء جدد. لا كتاب روايات جدد. لا خطباء جدد. لا صحافيون لامعون. لا كتاب مقالة متميزون يتسابق القراء على الصحافة من اجل مقالاتاهم. لا ندوات تلفازية او اذاعية تشد المشاهدين والمستمعين..... وبالتاكيد لا علماء جدد يعمرون مساجد الله بدروسهم وحلقاتهم، فقها وتفسيرا وسيرا. ويعملون على ترسيخ الاعتدال والوسطية فى تكوين الاجيال الجديدة، كما كان يفعل الشيخ عبد الرحمن القلهود، والشيخ محمود المسلاتى، والشيخ محود صبحى، والشيخ مصطفى التريكى، وغيرهم من المشايخ والعلماء الذين كانوا معروفين فى البلاد من شرقها الى غربها.
الى متى يظل هذا الوطن تائها حائرا فاقدا الاحساس بالهدف، وفاقدا الوجهة الصحيحة ؟.... والى متى يظل المثقف فى ليبيا معزولا فى واحات صغيرة ، ماؤها قليل وظلها قصير وشجرها مهدد بزحف الرمال الحارقة ؟"....&
كان فى بداية القرن الماضى يقال اذا اردت ان تعرف، قيمة الثقافة فى شعب ما فاقرأ صحافته، وسوف تجد فى كل زاوية نبضا وابداعا يدلك على ما تريد... اما الآن اذا اردت ان تعرف مستوى وقيمة الثقافة والمثقفين، ومساحات الحرية فكرا وتعبيرا فشاهد فضائية ذلك الشعب، وعلى مرآ تها ستقرأ حقيقة وواقع الفكر والثقافة، وواقع الشعب برمته.... والفضائية الليبية هي المرآة العاكسة لجوانب من حقيقة وواقع ليبيا اليوم.
ورغم كل شيئ يظل الوطن يشغل تفكيرنا، ونحوه تتجه اهتماماتنا.
يا منزل الصبوات كم لك من يد
عندى ساحفظها وفيا شاكـــرا
تتقلب الأيام فى اطوارها
خصبا وجدبا لاتمس جواهرا
لكنه الانسان هم دائم
للعاشقين رسالة ومصائرا
لكنها الأجيال طوق امانة
فى العنق تحلم بالدروب ازاهرا
لكنها الآمال هزت خافقى
هزا واضرمت العروق مجامرا
فنظمت منها مشاعرى وخواطرى
ورفعتها طوقا تأرج عا طـــــــرا
هذه الأبيات من قصيدة مشهورة للأديب الشاعر خليفه محمد التليسى عنوانها :
( وقف عليها الحب ) وهي احدى روائع ديوان التليسى، وفيها يتغنى بحبه لليبيا ويرسم فى هذه القصيدة لوحة فنية بلغة شعرية فذة& تجسد تاريخ الوطن ومعارك جهاده، وجمال طبيعته، وسمو عادات وتقاليد اهله . ولأنه اديب وشاعر ويجيد قراءة وفهم التاريخ، ويجيد ترجمة معارك الجهاد وما قاله الايطاليون المستعمرون عن ذلك الجهاد، جاءت قصيدته اكثر تعبيرا وصدقا عن الماضى، وعن مفاخر ذلك الماضى :
&
وهكذا وجد المثقفون فى ليبيا،بل وفى كثير من البلدان العربية، فى الادب والتاريخ واحات مريحة حلوة الثمار. لكنها تظل واحات متناثرة فى صحراء شاسعة، رمالها متحركة ومخيفة.
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف