ثقافات

إدوارد سعيد غياب آخر العمالقة

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
د.عبدالله إبراهيم
&
&
&
توفي يوم الخميس الموافق 25/9/2003 المفكر إدوارد سعيد عن 67 سنة إثر مرض عضال بالسرطان اجتاحه منذ عام 1992، وسعيد من ألمع أساتذة الأدب المقارن في جامعة كولومبيا، وهو فلسطيني ولد في القدس، وعاش طفولته وشبابه في مصر، ثم ارتحل إلى أمريكا في الخمسينيات من القرن العشرين، ليكون أحد أهم المفكرين والنقاد على مستوى العالم في القرن العشرين. هذا الاختزال التعريفي موجّه& لمن لم تتوفر له الفرصة لمعرفة القيمة الفكرية والنقدية لهذا المفكر الكبير، لكنه فضلة لافائدة منها عند أولئك الذي يعرفونه، فقد ترك تراثا فكريا في أكثر من عشرين كتابا، توزعت بين الدراسات النقدية، ونقد الاستشراق، وتصحيح صورة الإسلام، والتعريف بالقضية الفلسطينية، ومواجهة خصومها،حتى اتهم بأنه "بروفسيور الأرهاب" وهو يذود عن بلاده وقضيتها الكبيرة،كما أسهم في إجراء تحويل جذري& في طبيعة كثير من المفاهيم الشائعة، فقد كشف مصادرات الاستشراق، حتى أن كثيرا من المتخصصين يعزون إليه التسبب في انهيار الاستشراق التقليدي،كما أنه ربط بين صعود الحركة الاستعمارية ونشأة الرواية، وهو من أهم النقاد المعاصرين المطورين لـ" نظرية التمثيل الأدبي" وبعد أن أصيب بالسرطان كتب سيرته الأخاذة" خارج المكان" التي& تعد من عيون الأدب السردي، إلى ذلك فهو ناشط سياسي، ومعرّف مرموق بالقضية الفلسطسنية،وأراه آخر الكتاب الإنسانيين العظام. وقد صرف كثيرا من اهتمامه الفكري لمفهوم التمثيل، فكشف تورط الرؤى في إعادة صوغ المرجعيات على وفق موقف نمطي ثابت، يحيل على تصور جامد ذي طبيعة جوهرانية مغلقة، الأمر الذي أفضى إلى سلسلة من عمليات التمثيل التي يمكن اعتبارها وثائق رمزية دالة على العلاقة بين المرجع الفكري وتجلياته الخطابية.تتغلغل المفاهيم الحديثة في صلب العمل& النقدي-الفكري لإدوارد سعيد، وتضفي عليه من خلال الممارسة الفاعلة أهمية كبيرة، وتعود تحليلاته المعمّقة للظواهر الثقافية إلى الشمول والتقصي، وقوة الربط بين المرجعيات وتمثيلاها الخطابية، وجهوده النقدية لاتحتاج لأي إطراء وتقريظ؛ ذلك أنها منظومة تحليلية-نقدية اكتسبت مشروعيتها الثقافية في الفكر المعاصر،كونها تستعين بشبكة واسعة من المرجعيات،وتصدر عن تصور فكري شامل،وتوظف الكشوفات المنهجية الحديثة، وتنقب بدقة في ثنايا أشدّ الموضوعات والقضايا الحديثة إشكالية، وواقع الحال فإن ما ينصرف إليه اهتمام إدوار سعيد بالدرجة الأولى هو الموجهات والمؤثرات التي تقف وراء تلك الموضوعات والقضايا من جهة، وسلسلة الإكراهات والإقصاءات والاختزالات التي تمارسها من جهة أخرى.
&&&& البؤرة المركزية في عمله تتمحور حول قضية "التمثيل Representation أي الكيفية التي يقوم بها الخطاب Discourse بتمثيل الواقع، ثم-وهذا هو المهم-أثر ذلك "التمثيل" في صياغة وعي اختزالي وملتبس تجاه تلك الوقائع. وبرهن إدوارد سعيد& في كتاب "الاستشراق" على أن فلسلفة الاستشراق هي "التمثيل الرغبوي" للشرق خطابياً، وهذا الأمر، الذي تدفعه رغبة في إنتاج شرق يطابق مواصفات الغربي وتصوراته وبنيته الثقافية العامة، أفضى إلى تركيب شرق موافق للرغبة أكثر مما هو مطابق لحقيقته، وكل هذا يحدث سوء فهم، يؤدي لا محالة إلى سوء تفاهم، وفي كتاب"الثقافة والإمبريالية"يوسع إدوارد سعيد وظيفة "التمثيل" فلا يتوقف على قضية تمثيل الرواية-وجزئياً الفنون الأخرى- للعلاقة المتوترة بين الامبراطورية ومستعمراتها بما فيها من تشكيلات اجتماعية وثقافية، إنما يحلل التواطؤ الذي هو نتاج نوع من التفاعل والتوازي بين نشأة الامبراطورية الاستعمارية، ونشأة الرواية الحديثة واكتمال خصائصها الفنية والنوعية، وتنبثق إيضاً أهمية "التمثيل"هنا، في أنه يركّب صورة نمطية ومشوهة لــ "الآخر" الذي هو موضوع مشترك لكل من الاستعـمار والـرواية،فالمستعمِر والخطاب الروائي ينتجان صورة رغبوية لــ"المستعمَر"توافق منظومة القيم التاريخية والفنية التي ينتميان إليها.الأمر الذي يقود إلى تثبيت نوع من سوء التفاهم الذي لا يمكن إزالته إلا من خلال نقد هذا النوع من "التمثيل"وزحزحة ركائزه، وكشف خباياه ومصادراته.
&&& كثيرا ماتوفرت المناسبات التي& أشار فيها إدوارد سعيد إلى أن مشروعه النقدي قد تعرض لسوء فهم، واستخدام في غير ما ينبغي أن يستخدم له، وذلك سبب إزعاجاً له وللذين وجه نقده لهم على حد سواء . فكتاب "الاستشراق" فهم بوصفه أما دفاعاً عن الإسلام أو هجوماً عنيفاً متعصباً ضد الغرب. والأمران كما يقول& سعيد لا يمتّان"بصلة إلى ما كنت قد انتويته أصلاً من تأليف الكتاب.ومع مرور الزمن ،اكتسبت كلمة "الاستشراق" شهرة واسعة باعتبارها لفظة تجريح وتشهير، وذهبت& إدراج الرياح التحديات المعرفية والمنهجية الأساسية التي جسدها الكتاب، الذي أفرد في العالم العربي و"أسند إليه دور يقع في نقطة ما بين صرخة الحرب ولا ئحة الاستنكارات وإعلانات الشجب"،وكم يبدو إدوارد سعيد نبوئياً وحدسياً هنا في توقعاته على أن من انتقدهم المؤلف ،لا يقلون عدداً عمّن تصوروا أنه ينصفهم.
&&&&& كل هذا يكشف أمراً خطيراً، فالذي يعتقد أن إدوارد سعيد قد أنصفه سيحاول أن يستخدم نتائج إدوارد سعيد في صالحه، وبذلك يحوّل القيمة المعرفية، لتلك النتـائج إلى أيديولوجيا ضد الآخر، فيما سيتهم ذلك الذي نقده إدوارد سعيد بأنه متعسف بتحليلاته، وأنه حسب تعبير برنارد لويس "يكشف عن جهل مقلق في معرفة ما يفعله العلماء حقيقية،وما هو العلم"،ومثال جين أوستن يوضح الأمر، ويتصل بهذا الأمر، شكوى المؤلف من محدودية تأثير أفكاره التي طرحها في "الاستشراق"داخل العالم العربي قياساً بالتأثير والأنتشار الذي كانت عليه في أفريقيا وأمريكا اللاتينية والهند وباكستان واليابان والحقيقة فإن تلك الأفكار لاقت رواجاً وسط فئة محدودة من النخبة الثقافية والاكاديمية، إلا أنها تعرضت لنوع من الإكراه من خلال إنتاجها وسط منظومة أيديولوجية متعصبة وعدائية للغرب، ورغم أن موضوع الاستشراق شائع ومعروف وعريق في الثقافة العربية الحديثة،الأمر الذي يمكننا من القول إن كتاب "الثقافة والأمبريالية" سيكون هضمه عسيرا- باستثناء الفصل الأخير الذي يتضمن نقداً صريحاً لامريكا الامبريالية - أقول أن هضم أطروحة هذا الكتاب لن يكون سهلاً،وعليه فأن تمثل خلاصته ستكون صعبة. إن موضوع تضافر الرواية والامبريالية في تمثيل الذات الآخر استناداً إلى آلية مزدوجة الفاعلية يأخذ شكلين: ففيما يخص الذات ينتج "التمثيل" ذاتاً نقيّة،وحيويّة،وبذلك يضخ مجموعة من المعاني الاخلاقية على كل الأفعال الخاصة بها،وفيما يخص الآخر ينتج "التمثيل" "آخر "يشوبه التوتر والالتباس والانفعال أحياناً،والخمول والكسل أحياناً أخرى،وبذلك يقصى وتستبعد كل المعاني الأخلاقية المقبولة عنده،وبذلك يصطنع "التمثيل" تمايزاً مطلقاً بين الذات والآخر ، يفضي إلى متوالية من التعارضات والتراتبيات التي تسهل أن يقوم الطرف الأول باختراق الثاني،وتخليصه من خموله. هذه الآلية التي توفر اعتصاماً بالذات وتحصناً وراء أسوارها المنيعة، واقصاء للآخر وتشويه حالته الإنسانية، هي من نتائج ثقافة التمركز حول الذات ،ذلك التمركز الذي يعدّ مظهراً أساسياً من مظاهر الثقافة الغربية الحديثة ،التي تشكل صرحها إبان الحقبقة التاريخية التي يعنى بها كتاب "الثقافة والأمبريالية".
&& تفرض تحليلات إدوارد سعيد نوعاً من التوقير والإجلال ،ذلك أنها ليست تحليلات تبسيطية شعبوية غايتها المصادرة على المطلوب،وهي تستخلص المواقف والنتائج عبر سلسلة معقّدة من الاستقصاءات والحفريات، وفي عموم مشروعه النقدي لا يظهر أبداً على أنه صاحب نتائج جاهزة، وتكاد تكون إحدى أهم مهاراته المنهجية تتجلّى في قدرته على مخض البيانات والمعطيات التي يشتغل عليها، ثم استخلاص المضمرات الأساسية الكامنة خلف مجموعة من الأحداث والوقائع المندغمة في الأساليب والأبنية. ولهذا فإن تعويم النتائج لا يقوم على فكرة الانتشال، إنما الغوص والدفع،باتجاه تكشف فيه الظواهر ما تنطوي عليه، ولهذا فإنه يستعين دائماً بالخلفيات التي توجه الخطابات التي تكون موضوعاً لتحليلاته.إنه لا يجد حرجاً من أي نوع كان في أن يستعين بالتواريخ والرحلات والتوصيفات والبيانات السياسية، وهو يحلّل نصاً روائياً ذلك أن النص الذي يحلله ينتظم في علاقات كثيرة مع كل مظاهر التعبير التي تزامنه فتكون إحدى الموجهات له، إلى ذلك فإن براعته تكشف عن نفسها من خلال المقارنة والمضاهاة والربط وكشف العلاقات المستترة بين الخطابات، وضبط المصادرات والتواطؤات.
&يحتشد كتاب "الثقافة والأمبريالية " بأمثلة كثيرة على كل هذا ،بل أن قوامه هو تركيب من جملة هذه التحليلات وأمثالها. فمع أنه يختار مجموعة صغيرة من الروايات لــ"كبلنغ، وكونراد، وجين أوستن،وكامو...الخ" إلا أنه يستعين بمئات الخطابات الموازية التي تضفي على تلك النصوص معانيها ومقاصدها، وتستغرقه المناقشات التفصيلية التي تهدف إلى بلورة النتائج،وكل ذلك يتم في إطار تحليل فكري شامل، متدفق، وحيوي، لا يعرف الاختزال، ولا يمتثل للتبسيط الذي هو آفة كل عمل معرفي حقيقي، ولكنه لا يلجأ إلى الالتواء والمعاظلة التي تطفئ فاعلية الممارسات النقدية العظيمة. يرتبط كتاب "الثقافة والامبريالية" ومجمل أعمال إدوارد سعيد بالتيار النقدي الذي يعنى بكشف الظواهر وتحليلها وتفكيكها واستنطاقها، وهو تيار أفرزته الكشوفات المنهجية النقدية الحديثة، ولعل ما يتفرّد به إدوارد سعيد عن المجموعة الطليعية في هذا التيار مثـل هابرماس ودريدا وتودروف والآن تورين وبورديو وغيرهم كونه يترفع عن الاتصال العقائدي بمنهج معين، ينغلق عليه ولا يقارب الأشياء إلا عبر رؤيته ومقولاته، ومع أن اتجاهه العام في تحليل الخطاب يستند إلى ركائز عامة مدعومة بوجهة نظر فلسفية إلا أنه يوظف نتائج التحليلات اللسانية والسيميولوجية من جهة،والاجتماعية والتاريخية من جهة ثانية،ويمارس نقداً متواصلاً يهدف إلى تنقية المفاهيم الشائعة والتصورات الثابتة، ويقوده ولع في كشف آليات الالتباس بين الثقافات التي تحدثها ظروف تاريخية معينة، أو مقاصد تقوم على سوء الفهم، وأحياناً سوء النية. ويبدو نقده متحرراً من أية مرجعية ثايته،سواء كانت عرقية أو دينية أو ثقافية،فالمرجعية التي يمكن اعتبارها الموجّه لعمله هي الممارسة النقدية الجريئة التي تتعرض لفك التداخل بين الظواهر التي يدرسها،وكثيراً ما يشير إلى أنه "عالق" بين الثقافات، لا يشعر بانتماء مغلق إلى أحدها. يقتبس إدوارد سعيد في أكثر من مكان مقولة الراهب الساكسوني "هوغو سان فكتور" المعبرة عن هذه الأشكالية: إن الرجل الذي يجد وطنه مكاناً مناسباً لم يزل طفلاً غضاً ،والذي يرى بأن العالم وطنه فهو من أشتد عوده، أما الإنسان الكامل فهو الذي أطفأ شعلة حبه.
& يتوصل إدوارد سعيد في تحليله لروايات كبلنغ و أوستن وكونراد وكامو وديكنز إلى ضبط كل المصادرات السرية التي يقوم بها السرد الأدبي وهو يركب صورة شديدة التشويه لــ"الآخر"، والرواية لم تنج من الضغوط التي تمارسها المؤثرات السياسية والاجتماعية، إنما هي أسهمت في أضفاء شرعية غير مباشرة على الوجود الامبريالي، وذلك من خلال اختزالها الأفريقي أو الآسيوي أو الأمريكي اللاتيني أو العربي إلى نموذج للخمول ، فيما صورت تلك الأراضي على أنها خالية، وبحاجة إلى من يقوم باعمارها. وداخل العالم الفني -التخيلي ينجز السرد وظيفة إقصاء لـ( الآخر) ،فالشخصيات غير الأوروبية لا تظهر إلا على خلفية الأحداث السياسية، ولا يمكن اعتبارها محفزات سردية يتطور في ضوء وجودها مسار الأحداث إلى نهاية معينة، أما الشخصيات الأوروبية فهي التي تهيمن داخل العالم الفني للرواية التي اعتنت بموضوع العالم غير الأوروبي، ويبدو وجود "الآخر" بوصفه جزءاً تكميلياً يمثل دور الهامش. هذا فضلاً عن سيادة تصور غربي يبرمج كل شيء ضمن منظور يتصل بالثقافة الغربية السائدة في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.
&&&& إن كلاً من الامبراطورية والرواية قد تضافرتا ليس في النشأة فقط إنما في إضفاء خصائص تبجيلية ،وسمات طهرانية على "الأنا" بالمفهوم العرقي والديني والثقافي، وإضفاء سلسلة لا نهائية من صفات التحقير والتصغير والدونية على "الآخر" وهو أمر يقتضي رصداً وتوظيفاً ونقداً. ولا يماري أحد بأن المقترب الذي اقترب به إدوارد سعيد إلى هذه الظاهرة، كان من الكفاءة والقدرة بحيث وضع تحت الأنظار قضية كانت عميقة الانطمار تحت أكداس الخطابات التي حجبت ولمدة طويلة ، كل إمكانية البحث فيها، ويخشى أنه بغياب سعيد يغيب الاهتمام بهذه القضايا الكبرى.

مفكر وباحث من العراق
abdullah.ibrahim.name

&
&
مقالات ذات صلة:&
د. شاكر النابلسي
الـدرس المفيـد من رحيـل ادوارد& سعيد
&
هشام ملحم&
إدوارد سعيد&رحيل "خارج المكان"
&
سمير اليوسف
ادوارد سعيد: السيرة الذاتية
والسياسية اخفاق في تمثيل الهوية أم ماذا؟


abdullah.ibrahim.name

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف