ليلة القبض على الشيخ خزعل هل رفض الشيخ حقا عرش العراق
قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
&
&
"أعطاني البهلوي سماً قاتلاً وأمرني أن أدسه في طعام الشيخ خزعل وبعده أمنعه من شرب الماء لأن شرب الماء يذهب أثر السم، وكان يوماً شديد الحر، والسجن غير مجهز بمروحة اوغيرها، كان في زنزانة انفرادية، يصوم تلك الأيام وعند الإفطار قدمت له اللبن المسموم، فلما شربه أحس بالسم فطلب مني الماء لكني غيبت نفسي عنه وأشرفت عليه من بعيد أراقب حركاته وسكناته وكيفية موته، فرأيته وهو يضرب نفسه تارة بجدران السجن من شدة حرارة السم وأخرى يضرب رأسه من كثرة ألمه ويصرخ: العطش، العطش لكني تركته كذلك حتى مات ملطخاً بدمائه".(1)
&هكذا يصف الطبيب المكلف برعاية الشيخ خزعل في السجن والذي اوكل اليه امر تصفيته بامر من الشاه رضا خان كما اعترف الى عدد من رجال الدين "ملتمسا التوبة والتكفير" في اخر ايامه التي قضاها في كربلاء منعزلا وكئيبا وشبه مجنون تحت ضربات الضمير المتأخرة.
يشيع في الادبيات الشفاهية العراقية - دون ان تتوقف عن لوم الامير خزعل وتحميله مسؤولية الانهيار والدمار الذي لحق بالكيان العراقي عامة والشيعي خاصة- ان شيخ الاهواز "المحمرة" او ما كانت تدعى "ناصرية الفرس" كان قد رفض عرضا من بريطانيا بتسنم عرش العراق، بحجة انه لم يكن ميالا الى العمل مع الانكليز، ويضيف المتخيل"العشائري" مدفوعا بهاجس ضمير الذكورة الشرقي ان الشيخ علق ساخرا على عرض المس بيل بقوله :" على اخر شيبي اكون موظفا تحت امرة حُرمة"، والحرمة هذه، في حقيقة الامر، بعيدا عن المتوهَّم الجماعي، هي ذاتها من تتمع لدى الشيخ بكل اعجاب واحترام وحظوة ، فهي حليفه القوي الذي اعانه في تشكيل "اتحاد قبائل الجنوب" الرامي الى اقامة عربستان المستقلة عن ايران . واذ نترك المخيال الشعبي الخصب جانبا فان اميرا محبا للمباهاة وحليفا جيدا للانكليز ومهووسا بالشهرة ماكان له ان يفوت فرصة طيبة كهذه، وهو يعيش فترة الزهو في معنوياته بعد الاتفاق الروسي البريطاني في سنة 1907 القاضي بتقسيم فارس الى منطقتي نفوذ، شمالية خاضعة لروسيا وجنوبية خاضعة لبريطانيا، وقد ظل الشيخ خزعل مستقلا عن الادارة الفارسية حتى بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى.
&يفتح انسحاب خزعل من الترشيح بشكل مفاجئ، بعد دخول الامير فيصل مشهد الاحداث العراقية، باب التساؤل على حقيقة الدوافع او الضغوط التي مورست ضده من قبل بريطانيا او المغريات البديلة التي عرضت عليه مقابل تنازله عن "احراج" الامير فيصل الذي كان منافسا ضعيفا نسبيا الى خزعل الذي تقدم للترشيح الى ملكية العراق بتشجيع من اغلب الشخصيات الدينية الشيعية المهيمنة على الشارع العراقي ودعمها، والتي رأت فيه الرجل المناسب نظرا اولا لشخصيته القوية وعلاقاته الكبيرة مع امراء العرب كابن سعود والشيخ مبارك امير الكويت والسلطان العثماني والبابا الروماني وكانت الاوسمة والنياشين التي حصل عليها من رؤساء دول وملوك تتدلى لامعة على بذ لته المرقشة بالحرير والذهب، اضافة الى علاقته الهادئة مع شاه ايران رضا خان الذي كان قد فرغ للتو من القضاء على الاسرة الاقاجارية محولا عرش ايران الى السلالة البهلوية اضافة الى - وهذا هو الاهم- مكانة الشيخ لدى الدولة العظمى الوصية على العراق، التي كان جنودها يطلقون المدافع تحية له حين تمر سفنهم بمحاذاة قصره الباذخ على شط العرب.
ورد في نص بيان انسحاب خزعل من مرشحية العرش ما يوحي انه ليس انسحابا فحسب بل مبايعة صريحة للامير فيصل عبأت الشعور العراقي وكرسته للتوجه نحو فيصل على طريقة المبايعات العربية المعروفة في زمن الخلافة العتيدة، فما ان يعلن اشراف القوم وعليتهم الولاء للخليفة الوريث حتى تنهمر حشود " العامة" مرخية عنانها ورقابها لولي الله الجديد وظله على الارض. اذن لقد فاجأ الامير جمهوره ومناصريه بخروجه السريع من حلبة النزال حياءً من منافسه الجديد،ابن الشريف علي بن الحسين، سليل الارث الهاشمي والتي تجري في عروقه دماء نبي الامة العظيم. ورد في نص استقالة الشيخ خزعل عن مرشحيته للعرش : " كنت قد رشحت نفسي لذلك العرش لأنني رأيت أنني أحق وأجدر من جميع الذين رشحوا أنفسهم له، أما ألان وقد بلغني ترشيح سمو الأمير فيصل فإنني أتنازل عن ترشيح نفسي لأنني أرى في شخص الأمير جميع الصفات والمواهب التي تؤهله لأن يتولى ذلك العرش، وأنني أقابل ترشيحه بكل ابتهاج، وأؤيده كل التأييد وأرجو من جميع اصد قائي ومواطني ان يؤازروه بكل قواهم"(2)
ومع اعترافنا بالمكانة المعنوية للمنافس الجديد التي قد تكون هي الدافع الحقيقي وراء انسحاب الشيخ خزعل، مراعاة لامير الحجاز الخارج من تجربة سورية بخاطر محبط وقلب كسير، الا ان هذا لا يمنع ان نستشف بعضا من التدبير الخفي بين الفاعليات السياسية النشطة في تلك المرحلة التي اعلنت انتهاء عصر وبداية عصر اخر . وان قراءة متأنية للظروف التي زامنت فترة تشكيل "المملكة العراقية " و بيان الانسحاب و البيعة "الخزعلية" للامير فيصل ترمي على وجوهنا غبار الحياكة البريطانية للصوف العراقي المضمخ برائحة النفط الذي بدا بالتفجر مثل بركان خمد دهرا وحان له ان ينفث حممه وجمره الملتهب علىارض الرافدين وما جاورها من بلاد العرب والفرس، علما ان البيان جاء متزامنا مع التمويه الظاهر بالمعارضة الانكليزية " الشديدة"لفيصل على طريقة ما يمكن ان نسميه الاعلام النفسي المعاكس، تلك المعارضة الشفاهية التي اعلنها الانكليز لفيصل والتي حشدت الشارع العراقي ضدها ليعلن بيعته للملك الجديد مشاكسة للانكليز الذين يعرفون كيف يحركون "القطيع العربي ". هكذا تم الترتيب لفيصل ملكا على العراق بينما كان على خزعل ان يحجم من طموحه ويكتفي بامارة الاحواز التي عقد الانكليز معه اتفاقية حماية ضد أي اعتداء من الحكم الفارسي المركزي " الاقاجاري" الذي كان يعاني الضعف والوهن في الوقت الذي كانوا يرتبون مع الضابط الصاعد رضا خان البهلوي امر تهذيب هذا الامير "العربي الطائش".
وما حد ث لاحقا للشيخ من تخلي بريطانيا عنه رغم معاهدة الحماية تلك مثال على طبيعة الاعيب السياسة التي لم يتقنها العرب انذاك، حين تركت لجيوش رضا خان ان تكتسح امارة الشيخ في عام 1925 وبقيت تتفرج على هذا الجنرال الفارسي الذي قضى على الاسرة الاقاجارية العليلة ووحّد امارات بلاد فارس ومن بينها كانت امارة الاحواز. وقد برّر موقف الحياد البريطاني وزير الخارجية اللورد بلفور بمجلس اللوردات بقوله : "أن الشيخ خزعل لم تعتبره بريطانيا يوماً ما حاكماً مستقلاً، بل كان في نظرها على الدوام خاضعا للسيادة الفارسية".
كان اكتشاف النفط في عام 1908 قد تم في الأحواز قبل غيرها من الإمارات العربية على الخليج. لذا فقد فتح الإنكليز باب المفاوضات مع الشيخ خزعل برغم احتجاجات شاه فارس، لعقد اتفاقية بشأن جزيرة عبادان للبدء في أنشاء معمل لتكرير النفط فيها ومد خط أنابيب بين الحقول ومرفأ النفط في الجزيرة . يذكر السير أر نولد ولسن - وهو سكرتير الوفد المفاوض للشيخ خزعل - إن لقاءً قد تم بين الشيخ خزعل والسير برسي كوكس الوكيل البريطاني في بخارى والمتولي شؤون المناطق المحيطة بالخليج العربي، وبعد أربعة أيام من المفاوضات توصل الطرفان في السادس من مايو أيار سنة 1909م إلى اتفاق يقضي بدفع 650 جنيها سنويا إلى الشيخ خزعل كإيجار لموقع معمل تكرير ومرور أنابيب النفط عبر أراضيه، إلى جانب تأييد استقلاله ضد ادعاء الحكومة المركزية. ووعد بمساعدة عسكرية إذا ما تعرض لأي اعتداء(3). وهكذا حقق الشيخ خزعل - الذي امتدت إمارته أكثر من ربع قرن- لنفسه مكانة دولية بين الامارات والدويلات التي كان يتساقط بعضها وتنهض اخرى مثل فقاعات في حوض غسيل.
:
اسقط مؤتمر القاهرة - الذي عقد في فترة كانت بريطانيا في صدد ترسيم حدودٍ لبقايا الارث العثماني وجعله دولا ذي مواصفات جيوسياسية بمنظور بريطاني - اسم الشيخ خزعل من مرشحية عرش العراق بعد ان ظلت بريطانيا تتردد بينه وبين فيصل ايهما اكثر ملاء مة للتوجه البريطاني، وفي حسابها بريق عتمة النفط الاحوازي الذي تم اكتشافه اولا قبل العراق ومنطقة الخليج خوفا ان يصير معظمه حكرا للامراء العرب المعروف عنهم " سرعة الغضب والمزاج المتقلب" اضافة الى الخشية- وهي خشية لها الكثير مما يبررها - من ان فوز الشيخ خزعل قد يؤدي إلى قيام وحدة طبيعية بين عربستان والعراق وقد يترتب عليها بالنسبة لبريطانيا مشاكل سياسية متعددة وقد ألقى ونستو ن تشر شل وزير المستعمرات في مجلس العموم البريطاني بيانه المهم بخصوص مستقبل العراق، جاء فيه " إن حكومة صاحب الجلالة تعتبر الأمير فيصل مرشحا مناسبا بل المرشح الأنسب في الميدان وتأمل إن يحصل على تأييد غالبية الشعب العراقي"..
يؤكد عزوف الانكليز عن تسليم العراق لخزعل تصريح الشيخ محمد، احد ابناء خزعل في مقابلة اجراها معه عثمان العمير، وهي مقابلة مطولة تحت عنوان (حكاية عربستان كما يرويها ابن حاكمها المخلوع)(4)، يقول فيها الشيخ: "اعترف للتاريخ ان والدي اصيب في سنينه الاخيرة بنوع من الاستعلاء والشعور بالثقة واصبح يعارض الانجليز في كل مطالبهم وطبعا كان اهم شيء لدى الانجليز مصالحهم النفطية في عبادان التي كانت اهم مراكز التكرير في العالم.. وحين عرفوا انه لن يسير معهم بدأوا يخططون للانقلاب عليه وتصفيته.. كما صمموا على تصفية اناس آخرين مثل الاكراد.. وكانت ايران مفككة مجزأة فرأوا ان مصلحتهم تكمن بالتعامل مع شخص واحد.. وكان هذا الشخص هو رضا خان الذي لم يكن له تاريخ، فهو بدأ حياته برتبة عريف ثم اعطوه رتبة ضابط ثم جعلوه وزيرا وشاهدوا فيه الاستعداد لذلك.. كان ابي ضحية لمتغيرات مهمة في السياسة البريطانية".
حين تسنم رضا خان منصب رئيس الوزراء كان هدفه الاول هو القضاء على امارة الاهواز وضمها الى المملكة الفارسية فقد جرد حملة عسكرية ضد عر بستان بقيادته شخصيا وذلك في تشرين الأول سنة 1924م وقد صرح قائلا "إنني ذاهب للقضاء على الشيخ خزعل فإن توفقت و إلا فسأواري جسدي في مقابر المحمرة ولا أرجع إلى طهران بالفشل". و بعد معركة غير متكافئة دامت عدة أيام تمكن الجيش الفارسي من احتلال عربستان وقد تم تشكيل حكومة عسكرية برئاسة أمير اللواء فضل الله خان زاهدي على اعتبار أن المنطقة قد احتلت عسكريا، و أعلنت الأحكام العرفية في جميع أنحاء الأحواز وشكلت محكمة خاصة باسم "محكمة الصحراء " من العسكريين لتستجوب المتهمين في المقاومة وتم تنفيذ الحكم في الحال وقد أعدم العديد من العرب الذين اتهموا بالمقاومة(5)
بعد انهيار الامارة غادر الشيخ خزعل إلى البصرة وبدء بتنظيم صفوف عشائره في محاولة لشن الهجمات على قوات الاحتلال الفارسي، وبينما كان الشيخ خزعل يسكن في قصر الرباط في البصرة أعلن الجنرال فضل الله خان زاهدي تلقيه أوامر الانسحاب المزيف من المنطقة وقد غادر مدينة الأحواز إلى المحمرة وطلب من احد مساعدي الشيخ خزعل إن يبلغه هذا النبأ، فعاد الشيخ إلى المحمرة بيخته الشهير ليقابل المعتمد السياسي البريطاني في الأحواز، للوقوف على صحة ما أدلى به الجنرال زاهدي وبعد ان أكد المعتمد البريطاني له صحة النبأ، طلب الجنرال زاهدي أقامة حفلة شرفية لوداعه، فلبى الشيخ خزعل الطلب لما سمي بحفلة النصر، فأقامها في يخته الخاص الراسي في شط العرب لكي لا يشيع خبرها ولم يكن فيها غير اثنين من ابنائه وبعض اقاربه، وذلك احتراما لقدسية شهر رمضان، وبعد انتهاء الحفل صعد بعض من الجيش الفارسي إلى اليخت للقبض عليه و أرسل إلى طهران على البغال . وذلك في الـ20 من نيسان 1925م (6) . بقي في السجن حتى عام 1936 ومن ثم تم للشاه التلخص منه بالطريقة التي ذكرناها في او المقال .
حكاية الشيخ خزعل تتواشج مع حكايات ناشطين اخرين تمّ تدويلهم ومن ثم ازاحتهم عن الواجهة يقليل من الجهد وان بكثير من الدهاء، من الامثلة على هؤلاء قائد الثورة العربية الشريف الحسين بن علي الذي نكثت بريطانيا بوعودها له باقامة ما يدعى" الدولة العربية الكبرى" وموته منفيا وحيدا في جزيرة قبرص، وتعيد علينا في الوقت ذاته القصة الاليمة لنكث اميركا بالمقاتل الكردي الباسل ملا مصطفى البرزاني الذي مات مهموما في اميركا، ولم تنفع معه توسلات صديقه الصحفي جوناثان راندل المعروف بمعارضته الشرسة للسياسة الامريكة وتعاطفه القدساني مع الاكراد في قضيتهم برفع دعوى ضد الحكومة الامريكية بسبب خذلانهم له، معلقا في كتابه الذي يعد بمثابة اوديسا الاكراد المعنون بالترجمة العربية" دروب كردستان كما سلكتها" ان ملا مصطفى لم يأخذ بنصيحته بسبب الاحباط والياس والكآبة التي سيطرت عليه في اخر ايامه والعلب الثلاث من السجائر التي يلتهمها يوميا، قبل ان يموت في ارض حلفائه الذين غدروا به في مؤامرة المثلث المعروف.(7)
هوامش
1-&التاريخ السياسي لامارة عربستان- مصطفى عبد القادر النجار :248
2-& جريدة العراق 14حزيران-1921
3- تاريخ الشعوب العربية بروكلمان ج5: 136
4- جريدة الجزيرة السعودية- 17/2/ 1984- العدد 4159
5- جريدة صوت الاسلام العدد 17:11
6- التاريخ السياسي لإمارة عربستان العربية - مصطفى عبد القادر النجار :247
7- امة في شقاق دروب كردستان كما سلكتها- جوناثان راندل
&
سدني استراليا
Fadelkhay@hotmail.com
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف