أخبار

العراق.. فيدرالية ام خطوط اثنية!

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
المهندس عدنان ابو زيد
&
&

تثير الفيدرالية اليوم جدلا واسعا بين الذين يخافون اثارها المستقبلية, مثلما تثير خوفا وارباكا في صفوف الذين يكرسون ثقافة الثواب الغيرقادرة على مجابهة وسط يطفح بالمتغيرات فتكون استجابتها محددة بثوابت وطنية تارة ودينية تارة اخرى او لغوية في بعض الاحيان , كما يصنفها اولئك الذين يقفون على طرفي نقيض بين شوفينية تتلبس تلك الثوابت وقوى اجتماعية فيدرالية تسعى للانقضاض على ارث النظام السابق من ثقافة مركزية احادية وحزب واحد بغية الحفاظ على الكيان العراقي ووحدته التاريخية.
لكن الجدل ينحصر اليوم بعد ان استطاع مجلس الحكم العراقي ان يعبر بوضوح عن سياساته في شكل الكيان العراقي المستقبلي , في قدرة المرحلة القادمة على تامين الاستقلال الداخلي وتدعيم ركائزه عبر سلطة مركزية فيدرالية قوية , وفي ذات الوقت حريصة على تامين حق الاستقلال الذاتي للآقليات.
فالعراق الذي رزح تحت وطئة ادارة مركزية قوية سعت الى تقوية الهاجس بان العراق بدون المركزية سوف يقسم الى اشلاء , يقف اليوم امام خيار الفيدرالية أو النظام الاتحادي كضرورة وطنية تلغي هاجس الانفصال وتحقق العدالة وتؤكد الهوية ولعله اليوم اقرب مايكون لتحقيق حلا حضاريا لإشكالية المجتمع المتنوع قوميا ومذهبيا ودينيا وسياسيا بتاسيسه الدولة الفيدرالية القائمة على التوازن بين السلطة المركزية وادارة الاقليم ضمن حكم مؤسساتي يلغي النمط الفردي في اتخاذ القرار , ويلغي تقسيم الدولة بتمكين المؤسسات الدستورية الجامعة لكل الاقاليم من النهوض بواجباتها .
أن تشكيلة مجلس الحكم الحالية توحي بقوة ان سلطة القرار تمتلكها مراكز متعددة ترسخ السلطة المشتركة بين الاعضاء لادارة مركز السيادة العامة الواحدة التي تلغي تعدد مراكز السيادة الممثلة بكل عضو من اعضاء المجلس , فالخصوصيات الجغراقية والاجتماعية والدينية والعرقية المتعددة ستكون عوامل واضحة في اتخاذ القرار المركزي الواحد.
كانت سياسة الادارة المركزية في ظل النظام السابق تقوم على اساس الغاء الدور الذي تقوم به المدينة او الاقليم ولم تشهد مدينة عراقية واحدة انتخابات حرة للحاكم المحلي بل كان يتم ذلك على اساس الولاء للدكتاتور , والتنقيذ الاعمى لارادته, وليس على اساس الكفاءة والمقدرة فرئيس الجمهورية يعين الولاة والمحافظين من شاغلي المناصب الدستورية والتنفيذية بدون ان تكون للآجهزة الرقابية في المستوى الولائي أو المحلي القدرة على محاسبة الولاة , وكان حاكم الاقليم والمدينة جاهلا لكافة اختصاصاته ولم يكن ثمة دستورا اقليميا واضحا يتم عبره اصدار القوانبن.
والملفت للنظر ان النظام السابق لم يسمح للتوازن بين السلطة المركزية والسلطات المحلية وكان تمثيل ادارة الاقليم شكليا او معدوما مما اتاح لدور الفرد ان يتضخم على حساب المؤسسات الدستورية لتضمحل المشاركة في مؤسسات الدولة متحولة الى تبعية لنظام شمولي تتمحور في شخصه كل السلطات.
ولم يكن النظام السابق قلقا قدر تعلق الامر بالمشاركة السياسية في ادارة الدولة , لذلك ابتكر من الاساليب والحيل ما لم يعهد به التاريخ من قبل , بغية احكام تفرده في السلطة واشباع رغباته الوصولية واستغل مبدا السيادة الوطنية ستارا تتحصن فيه دكتاتوريته الاستبدادية , بل وصل الامر الى حد انك لاتجد فصلا واضحا بين السلطة التنفيذية والتشريعية , فصارت فوضى القانون واللاشرعية واهدار الحقوق ميدانا كثرت فيه الاخطاء وعمت بين جوانبه الفوضى.
لقد كرست النظرة الاحادية العنصرية insular في العراق وجها واحدا غيبت فيه الوطنية العراقية واختلطت عنده اوراق الدين والسياسة , بغية تمرير اهداف البقاء لاطول فترة ممكنة في السلطة والتي كانت سلطة ثقافية لطائفة بعينها تعمدت إلغاء ما دونها من ثقافات لتستأثر بالسلطة لذاتها , تاركة الثقافات الاخرى مهمشة لاتستطيع القيام بتحالفات بغية تفتيت المركز.
ولم تر الدولة العراقية حداثة او مدنية , تكون تمهيدا لدولة ديمقراطية بل ترسخت مع مرور الزمن مفاهيم عفى عليها العصر من قبلية وعشائرية وعمل( بضم العين ) على تكريس واقع لايمثل التكوين الجغرافي والتاريخي والاجتماعي العراقي ومراحل تطوره التاريخية , كما ان معيار تقاسم السلطة القائم على تقاسم السلطة والثروة فى المجتمع , قد استبدل بالاستحواذ ماديا وفكريا على الاتجاهات الاخرى سياسية كانت او طائفية او قومية.
أن تحويل نمط الدولة من سلطة القبضة الحديدية الى دولة فيدرالية تحكمها المؤسسات الدستورية وتتوزع فيها السلطات , يقدم حلا مثاليا لاشكالية التنوع العرقي والاقليمي في العراق ويبعد مخاطر الانفلات و التجزئة عبر ترسيخ الاستقلالية والحرية. ولعل الفيدرالية اليوم تمثل حلا عادلا , تستدعيه التعددية في المجتمع , العرقية والاثنية والثقافية , لتلافي الصراع الذي يمكن ان ينشا حول توزيع الثروة والسلطة , لتجد القوى الاجتماعية في ظل الفيدرالية وقد وازنت بين خياراتها الاستقلالية وثوابتها الوطنية .
أن تاريخ تطبيقات الفيدرالية في العالم يثبت صحة هذه النظرية , التي بدات في العصرالحديث كتجربة ناجحة جدا في نظام الولايات المتحدة الاميركية الذي تأسس بين عامي 1787 و1789, وفي سويسرا التي تعد تجربتها الاكثر استقرارا ونموا منذ 1848 , والمانيا الفيدرالية التي تحولت الى قوة عملاقة في القرن الماضي والامارات المتحدة التي شكلتها فيدرالية من سبع دول مستقلة ( أبو ظبي , عمان , دبي , الفجيرة , رأس الخيمة , الشارقة وأم القيوين ) , كما نجحت "بلجيكا" في الفيدرالية ونادت بتعميم هذه الفلسفة في جميع دول أوروبا التي اختارت الاتحاد الفيدرالي وجها حضاريا تطل به على العالم.
ولاننسى الهند الفيدرالية التي بزغت شمسها في عام 1949 حيث صاغ ( كريبس ) نظام الحكم الاتحادي الفيدرالي فيها , ورغم المصاعب التي واجهته والاتهامات بالسعي لتقسيم الهند , الى ان التصميم والارادة السياسية والثقة بالمستقبل جعلا من الهند قوية متراصة رغم التنوع العرقي واللغوي فيها , فحصل الناطقون بلقة التبلوق والناطقين بالقوجرات وبالماراثي , كل على استقلاله الذاتي ,وكان ذلك في نظر نهرو مصدر قوة للهند وليس ضعفا وقد صدق في ذلك , ولاننسى روسيا وباكستان والبرازيل والارجنتين وكندا واستراليا والمكسيك , حيث فرضت الفيدرالية نفسها كحل عادل لاشكالية التنوع .
ان الحل الدائم لاشكالية التنوع العرقي والطائفي في العراق لم تحلها الحكومة المركزية في العراق يوما ما حلا نهائيا مما جعل الانفصال عن الوطن الام خطرا محدقا , واتاح للفتن والحروب ان تزيد من الاحقاد والخسائر , فمنذ 1921 كانت سلطة الدولة مركزية احادية النظرة وكان نظرتها في منح الاقاليم حكما ذاتيا حقيقيا خطوة تكتيكية بحتة بغية كسب الوقت لذلك كانت سببا في الحال الكارثي الذي وصل اليه العراق فيما بعد , واتاح للسلطة الفردية ان تقوي شوكتها لتقضي على كل اشكال الحوار والديمقراطية , لتفقد التكوينات السكانية خصوصيتها التاريخية والجغرافية والقومية رغم ان الدستور العراقي ينص على شراكة القوميات والطوائف في الوطن العراقي..
أن الخطر المحدق في مستقبل العراق لن يكون بالفيدرالية بل في فرض مجموعة علاقات ثقافية معينة على بقية الثقافات والاعراف , ليكون استعلاءا في صور مختلفة , لاسيما وان العراق يضم تيارات تقف على ارضيات فكرية وانثروبولوجية مختلفة يجب ان لاتسبعد هوياتها بل تكون جزءا من الهوية العراقية التي استغلها النظام السابق بلغة متحيزة في تفسير التاريخ على انها هوية استعلائية الغائية لاتؤمن بالتكيف التلقائي للثقافات بل تعتمد تذويبها وتهميش دورها المشارك في الثقافة الوطنية الجمعية.
الان وقد تغير الزمن العراقي, بزوال صدام اولا , وتزامن هبوب رياح العولمة على العالم , اصبح من الضروري ان تنطلق رؤانا السياسية نحو افاق مفتوحة وابعاد اكثر تواصلا في الزمان والمكان , وان
نوازن بين محورين ( البنيوي والاسطفائي ) , فلا يبقى العراق في عزلة نائية بعيدا عن المتغيرات الحضارية كما يجب تكييف تلك المتغيرات مع الواقع العراقي حتى لايبقى العراق اسير ماضيه , ولايكون ذلك الا بالية الانطلاق بمعطياته المحلية مواكبا التحولات العالمية وموازنا بين ارثه التاريخي وانطلاقته العالمية وعبر توازن ايكولوجي بين الارض والصحراء , بين الدولة وخصوصيات الاقاليم , مجردا العقل العراقي من رواسب العقود الماضية التي رسخت التفكيكية واوجدت علاقة بين الانتماء الاثني والشخصية تعلو على العلاقة الوطنية.
ان الامل كبير في بناء عراق حر , يخلو من فكر النخب التفكيكية والثقافة القروسطية التي أذاقت العراقيين الكبت عبرالحظر السياسي والتطهير العرقي والعنصرية , وان الخيار اليوم متروك لنا في استغلال فرصة التاريخ لتحقيق الفيدرالية القائمة علي أساس جغرافي لا على أساس قومي او خطوط اثنية ليكون ممثلا للطوائف الساكنة فيه وليس لطائفة معينة , يكون متهيا لتلبية متطلبات الاندماج الاقليمي والهيكلية السياسية الحديثة التي تفرضها العولمة وما تتطلبها من عمليات توحيد للفعاليات الدولية ومشاريع التحررية الجديدة التي تعتمد السيادة فيها على قوانين االسوق وما يتطلبه من انفتاح يحد من سيادة الدولة الحديثة اذا لم يكن نظامها السياسي منفتحا اصلا على الداخل وممثلا لكل القوى السياسية والاجتماعية في المجتمع.

adnanabuzeed@hotmail.com

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف