مالك بن نبى... المفكر المجدد
قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
&
&
عندما كنت طالبا بالمرحلة الثانوية بمدينة غريان (جنوب غرب طرابلس ــ ليبيا) بدأت مرحلة القراءة من اجل الثقافة، اضافة الى قراءة المنهج الدراسي من اجل النجاح وكسب الشهادات. وعندما كنت استعد لدخول المرحلة الجامعية(1959)، اكتشفت لأول مرة كتب المرحوم الاستاذ مالك بن نبى ( 1905 /1973 ) ذلك المفكر والفيلسوف الفذ، وكان اول كتاب قرأته (الصراع الفكرى فى البلاد المستعمرة )والذى شدنى بقوة نحو افكاره واسلوبه وقدرته على الغوص فى تحليل مادة الكتاب، و تميزت كتب الاستاذ مالك فى عمومها بموضوعاته ومصطلحاته ومفرداته، واتلى مثلت باصاماته الخاصة، فجاءت كتبه تحمل عناوين جديدة ومضامين جديدة لم يعرفها الفكر العربى والاسلامى الحديث بالدقة التى تمت بها معالجته لموضاعات تلك الكتب، ومنها :
الظاهرة القرآنية
شروط النهضة
وجهة العالم الاسلامى
الصراع الفكرى فى البلاد المستعمرة
فكرة الافريقية الاسيوية
ميلاد مجتمع
ولعل هذا التميز، وما يحمله من جديد، يختلف عما الفه القراء من اساليب انشائية بلاغية، هو احد الاسباب التى حالت دون انتشار فكر مالك بن نبى فى بدايات ترجمة كتبه وحضوره الشخصى فى العالم العربى، فى اوائل الخمسينيات من القرن الماضى. وكانت القاهرة احدى محطاته الاولى (1956) نحو دنيا العربية بعد ان غادر فرنسا والتى شهدت( ولادة مالك بن نبى المفكر) الجزائري الاسلامي، وفيها ومن نهضتها ومناهج تفكيرها استفاد المهندس الكهربائي، وادرك مالم يدركه كثيرون عاشوا ودرسوا فى فرنسا وفى غيرها من بلدان اوربا صاحبة آخر دورة حضارية حتى الآن.
ومن اهم معالم التجديد فى فكر مالك بن نبى، انه تجاوز الاساليب التقليدية لدى الباحثين الاسلاميين، وهي الاساليب التى تبحث فى العقائد والعبادات والمعاملات والادب والتاريخ والسياسة، وتحاول ان تنقى الفكر الاسلامى من بعض الاخطاء والتفسيرات التى سادت فى عصور الانحطاط....
تلك المحاولات كانت تعالج قضايا تحيط بالانسان المسلم، والمجتمعات الاسلامية، اي انها تتعامل مع العالم الخارجى اكثر من تعاملها مع عناصر التغيير الحقيقية، تغيير الافكار والنفوس طبقا لقوانين التغيير الاجتماعى..
لكن مالك بن نبى الذى اتقن اللغة الفرنسية، وتثقف بها، وعاش بضميره الاسلامى والذى كان يعانى من وطأة الاستعمار الاوربى لبلاده الجزائر، كان يفكر برؤية اكثر عمقا وشمولا وتحديدا، وعنده ان الاصلاح والنهوض الفعلى يبدأ من تغيير الانسان المسلم، والتغيير الاهم ينطلق من الفكر، وعنده ان ( الحضارة ماهي الا نتاج فكرة جوهرية ) تدفع بالمجتمع نحو دوره التاريخي الحضاري. وهو الذى شد انتباه قرائه الى البعد النفسى والاجتماعى لقانون التغيير كما جاء فى الآية القرآنية ( ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم ) ان كثيرين يستشهدون بهذه الآية فى كتاباتهم وفى خطبهم، غير ان مالك بن نبي يظل صاحب التجليات الفكرية الاكثر عمقا ووضوحا، فيضع تلك الآية كأحد قوانين التغيير الاجتماعى وكأحد شروط النهضة، ولا ينسى ان ينبهنا الا نتعامل مع نص هذه الآية حسب ايماننا بها فقط،بل يجب ان يتم ذلك فى ضوء التاريخ، وفهم حركة التاريخ وما يجسده من خصائص اجتماعية ودينية واقتصادية، وغير ذلك من مكونات المركب الحضارى الذى تبلغه الامم بعد مسيرة طويلة اهم عناصرها : الانسان وافكاره المبدعة وقدرته على استثمار الوقت استثمارا ايجابيا.
ومن خصائص الفكر التجديدى عند مالك بن نبى انه لا يغفل فى جميع ابداعه الربط المتكامل فى بناء الانسان والمجتمع بين الافكار والسلوك والاخلاق والمنطق العملى، اضافة الى الجوانب الجمالية التحسينية. ويعطى للثقافة بمعناها الديناميكى الاجتماعى، مساحة معتبرة فى جل كتبه، وهو اثر من آثار المناهج الغربية الحديثة الا ان بن نبى يجد لها اسسا وابعادا فى التراث الحضارى الاسلامى،و يضفى عليها بعبقرية فهمه للنصوص نكهة خاصة، يستمدها من فهمه واطلاعه الواسع على ذلك التراث الاسلامى ومنه ثراث عبر الرحمن بن خلدون الذى استفاد منه كثيرا، وخاصة المقدمة وما تضمنته من تحليل للعمران البشرى، حتى قال بعض الكتاب والدارسين لفكره ان مالك بن نبي هو امتداد لابن خلدون بثقافة القرن العشرين، وبعضهم قال انه تجاوز ابن خلدون.
فى كتابه شروط النهضة، كما فى كتابه مشكلة الثقافة نقرأ فصلا تحت عنوان ( المنطق العملى ) وفيه يعالج مسألة من اهم مسائل التخلف فى المجتمعات الاسلامية، والمنطق العملى كما يعبر عنه بن نبى : ( كيفية ارتباط العمل بوسائله ومعانيه، وذلك حتى لانستسهل او نستصعب شيئا بغير مقياس يستمد معاييره من واقع الوسط الاجتماعى، وما يشتمل عليه من امكانيات. انه ليس من الصعب على الفرد المسلم ان يصوغ مقياسا نظريا يستنتج به نتائج من مقدمات محددة، غير انه من النادر جدا ان نعرف المنطق العملى، اي استخراج ما يمكن من فائدة من وسائل معينة. ونحن احوج ما نكون الى هذا المنطق العملى فى حياتنا، لأن العقل المجرد متوفر فى بلادنا، غير ان العقل التطبيقى الذى يتكون فى جوهره من الارادة والانتباه فشيئ يكاد يكون معدوما... اننا نرى فى حياتنا اليومية جانبا كبيرا من (اللافاعلية ) فى اعمالنا اذ يذهب جزء كبير منها فى العبث، والمحاولات الهازلة ).
اراد مالك ان يدعو بقوة الى ان حركة التجديد فى الفكر الاسلامى يجب ان تؤسس على فكر عملي يؤدى الى توظيف القدرات البشرية والمادية توظيفا علميا مدروسا، وان يعرف وسائله لتحقيق النهضة. ونجده يحذر منذ زمن مبكر من فكر واساليب الدراويش والمشعوذين ــ بما فى ذلك الشعوذة السياسية ـــ التى تقوم على الشعارات والتهريج، فوقع الشعب مرة تحت تاثير اوراق الحروز، ووقع مرة اخرى ضحية لأوراق الانتخابات ( اي تزييف الانتخابات ) وهو بذلك ينبذ فكر الكسالى وفكر الخداع السياسى.
هناك قضايا اخرى كثيرة يثيرها مالك بن نبى لا تزال تشكل تشوها فى حياتنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
وقد حظي فكر مالك بن نبى باهتمام جيد لدى النخب الاسلامية او العروبية الاسلامية، وخاصة فى شمال افريقيا، وفى ليبيا بدأ التنويه بهذا الفكر منذ اواخر الخمسينيات من القرن الماضى، وخلال السنوات القليلة الماضية تطور الاهتمام بذلك الفكر ليصبح مادة ممتازة لرسائل الماجستير ( محمد الجفائرى/ جامعة طرابلس ) والدكتوراه ( فوزية محمد بريون / جامعة مشجن. الولايات المتحدة )
لا ابالغ ان قلت ان اي مهتم بالعمل فى مجال ( التغيير ) الاجتماعى / السياسى / النهضوى / ولا يقرأ انتاج بن نبى الفكرى فقد فاتته مادة حيوية مهمة، ويمكن تدارك ذلك الفوت بالبحث والقراءة من جديد... وكتب مالك من النوع الذى تستاغ اعادة قرائته ومراجعته دون ان تصاب بالملل لأنه فكر تحليلي جذاب، ولأنه يمس الواقع، فخلال القراءة ترى امامك مشاهد من التاريخ ومن الواقع، وترى ومضات فكرية تضيئ ببريقها طريق المستقبل، طريق الامل مفتوحا امام التغيير الايجابى.
هو يقول ( من الواجب الا توقفنا اخطاؤنا عن السير حثيثا نحو الحضارة الاصيلة... ان الحياة تدعونا دائما ان نسير الى الامام... ولا يجوز ان يكون سيرنا نحو الحضارة فوضويا، يستغله الرجل الوحيد، او يضلله الشيئ الوحيد، بل ليكن سيرنا عقليا عمليا... ) ( ان الذى ينقص المسلم ليس منطق الفكرة، ولكن منطق العمل والحركة، فهو لا يفكر ليعمل، بل ليقول كلاما مجردا،..... ومن هنا ياتى عقمنا الاجتماعى، فنحن حالمون، ينقصنا المنطق العملى ) شروط النهضة
&ولايفوت مالك بن نبى ان يؤكد ان الجمال وثقافة الجمال هي من العناصر المهمة فى عملية الابداع الفكرى والمادى ( فالبذوق الجميل الذى ينطبع فيه فكر الفرد، يجد الانسان فى نفسه نزوعا الى الاحسان فى العمل وتوخيا الى الكريم من العادات. ولا شك ان للجمال اهمية اجتماعية كبيرة، اذا ما عددناه المنبع الذى تصدر عنه الأفكار، وتصدر عنه بواسطة تلك الافكار اعمال الفرد فى المجتمع ) مشكلة الثقافة
هذه قبسات قليلة من تجليات مفكر مجدد مبدع.... وكتب المرحوم مالك بن نبى تستحق بكل جدارة ان يعاد طبعها، وان تترجم الى عدد من لغات الشعوب الاسلامية لتكون محركا وموجها نحو التفاعل الايجابى الصحيح لدخول عصر النهضة، من باب الافكار والقيم الخلاقة.
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف