الاستشراق الأوربي في الفن ردا على مقال للزميل الفنان إسماعيل زاير نشر في إيلاف وجريدة الصباح البغدادية
قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
&
&
الاستشراق هو مجموعة العلوم والمعارف التي تناولت الشرق، وهو البحث في أحد اوجه الثقافة العربية الإسلامية وتاريخها.
لكن لنتساءل أولا: ما هي هذه العلوم؟ .. هل هي الفلسفة، الأدب، الفن، الموسيقى، العمارة، التاريخ..، وكيف نستطيع الكشف عن استشراقية كل علم من هذه العلوم؟
الاستشراق بالمعنى الأكاديمي والعلمي هو مفهوم تاريخي ويكتسب أهميته من اغلب الإنتاج الاستشراقي.. انه إنتاج تاريخي لانه اهتم بالإسلام الكلاسيكي وما بعد الكلاسيكي، ولان الإسلام دين وحضارة، دولة ومجتمع، ثقافة وفكر، هو تاريخي ذلك ان العمق التاريخي موجود فيه بكل كثافة.
بات الاستشراق ظاهرة ملموسة في القرن التاسع عشر فقد زاد الاهتمام بالشرق وحضارته في علم التاريخ والرحلات العلمية، وبعثات التنقيب عن الآثار، وترجمة القران الكريم، والأدب، والموسيقى، والعمارة، والرسم، او ما يطلق عليه بالتصوير، وظهرت العديد من الكتب العلمية حول طبيعة الشرق وتاريخه وشعوبه وحضاراته في شتى مراحلها.
الاستلهام في الاستشراق عادة يتمثل في نظرة ما بالأعمال الفنية والأدبية والموسيقية والفكرية التي حاولت الاستيحاء من روح الشرق، ولا يمكن القول بان أصحاب هذه الأعمال التي تحمل استيحاءا شرقيا كانوا عالمون بالشرق، ولكن كان الشرق حاضرا في أعمالهم. اما الحديث عن الشرق فيتمثل بالنظرة العلمية والمنهجية العارفة والدراسة له من عدة نواحي، اقتصادية واجتماعية وسياسية ودينية وثقافية.
يربط بعض الأكاديميين العرب ظهور علم الاستشراق بظهور التاريخ الحديث في أوربا مع بداية القرن التاسع عشر، ويرون ان دراسة الحضارة العربية الإسلامية شكلت منذ البداية حقلا تجريبيا بالنسبة للباحث الأوربي قد دفعته بعد ذلك إلى الاهتمام بدراسة ثقافة وحضارة هذه المنطقة واسباب التحولات التي طرأت عليها.
والاستشراق أول ما اهتم به هو دراسة اللغة العربية وتعلمها والذي قاد العديد من المستشرقين إلى فقدانهم المعرفة التاريخية الصارمة كالفقه والعقيدة والحديث. كما هو معلوم فان جزءا غير يسير من رؤية الغرب للعالم العربي يرجع إلى أحكام واوصاف ساهم في تكوينها رحالة قصدوا الأصقاع الإسلامية العربية أثناء القرن التاسع عشر، أي عندما بلغت الموجة الاستعمارية ذروتها وكانت أوربا في صدد تعبيد الطريق أمام مشروع تقسيم الدولة العثمانية المحتضرة.
كتابات الرحالة الأوربيين كانت لها المكانة الكبيرة في ترسيخ العديد من المفاهيم لمفهوم الشرق عند الغربيين، وهي رؤية لا زالت حاضرة في ذهن الكثير من المواطنين الغربيين والتي تتمثل في الجهل المطبق للكثير من الأمور المعرفية عما يمتلكه هذا الشرق ، وكذلك صفات التعال الثقافي على الرغم من توفر الفرص في الوقت الحاضر للتعارف المباشر.
&
&الاستشراق في الموسيقى
للاستشراق الموسيقي تاريخ طويل، فاكثر آلات الاوركسترا النموذجية تعود إلى أصول عربية، وقد استعار عدد كبير من المؤلفين الغربيين مواضيع والحان شرقية مثل موزارت في ( بجعة القاهرة) وفيردي في (عايدة) وتشايكوفسكي في قسم من( كسارة البندق) وغيرهم، لكن استعارات هؤلاء المؤلفين لم يتجاوز حد الاقتراب من سطح الشرق وتصوير السحر الذي كونه الخيال الغربي النهضوي عنه.
في أواخر القرن التاسع عشر ومع نضوج المدرسة القومية الروسية ظهرت أولى الأعمال الكلاسيكية ذات الطابع الشرقي الحقيقي كـ(الفنتازيا الشرقية) ، و (إسلامي) للموسيقار بالاكرييف، او ( شهرزاد) لريمسكي كورساكوف، لكن هذه الأعمال لم تكن استشراقية بالمعنى الحقيقي للكلمة ونعني استعارة الغرب الفنية من الشرق، إنما شرقيتها كانت نابعة من كون مؤلفيها ذوي أصول روسية شرقية.
ان فاتحة الاستشراق في الموسيقى الكلاسيكية الغربية الحديثة تمثلت في افتتاحية (بعد ظهيرة ضبابية) للموسيقار الفرنسي كلود ديبوسيه ما بين عام 1892- 1894 يقال ان الموسيقار الفرنسي كتب عمله هذا متأثرا بموسيقى عربية كان قد سمعها في باريس. وبعد ديبوسيه الذي حاول استقاء العديد من الحانه من الشرق جاءت سلسلة الأغاني&(شهرزاد) لموريس رافيل و( الصعود) لاوليفيه ميسيان وغيرها من الأعمال الاستشراقية الفرنسية.
وقد ساهمت باليه دياغليليف الروسية ومنذ عام 1909 في تكريس الموضة الاستشراقية في باريس أوائل القرن العشرين، فاعمال الراقصة بادمافاتي الروسية، وسمفونية طائر النار للموسيقار الروسي ايغور سترافينسكي، أعقبت ذلك أوبرا الإيطالي بوتشيني (تورنادو) شكلت البداية لاتجاه موسيقي استشراقي في القرن العشرين، وهي أعمال لم تكن مبنية على دراسة دقيقة ورؤية معمقة للموسيقى الشرقية إنما اكتفت بنقل أجوائها وبعض سلالمها وإيقاعاتها.
يبقى ان نقول ان ثورة الاتصالات وتخلي الموسيقيين عن تمسكاتهم القومية السابقة، وفي عصر بدأت الهويات القومية الموسيقية في كل أنحاء العالم بالامتزاج، ودخلت إلى الساحة الموسيقية الكلاسيكية الغربية وغير الكلاسيكية تأثيرات شرقية واضحة كانت المؤشر لبداية أهم مراحل الاستشراق الموسيقي في التاريخ المعاصر.
&
&الاستشراق في الرسم
لقد استكملت عناصر الاستشراق الفني في فن التصوير الأوربي، وانعكست على القيم والأساليب والروح التي ارتبطت بأذهان الفنانين الأوربيين عن الشرق العربي الإسلامي وحضارته الفنية في القرون الخمسة الماضية.
ولدت ظاهرة الاستشراق في فن التصوير الأوربي مع عصر النهضة الإيطالية المبكرة أخذت بالنمو والتبلور مع تطور تقنيات وأساليب فن التصوير الأوربي نفسه من جهة وتطور المعرفة الأوربية بالحضارات الفنية الشرقية وخاصة دراسة الفن الإسلامي وفنون الشرق القديم والوسيط والحديث من جهة أخرى.
ان حركة الاستشراق في الفن الأوربي قد استوفت شروط اكتمالها تقريبا اذ لم تفقد مقولة ثقافة الشرق بريقها إلى يومنا الحاضر من العديد من النتاجات الفنية .
ان الاكتشافات الأثرية التي تزامنت مع الحملات الاستعمارية والتبشيرية والإرساليات والرحلات العلمية وما رافقها من ظهور دراسات وأبحاث لفك رموز وتصنيف الحضارات الشرقية القديمة والوسيطة والحديثة، أدى بدوره في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين إلى تمركز المعارف الفنية الاستشراقية في علم الآثار والنقوش واللسانيات في عموم أوربا الغربية والشرقية على السواء، وبالتالي استقطبت ثقافة الغرب نتاج الحضارات الشرقية واكتشفت مفاتيحها المعرفية .
وقد عززت تلك الاكتشافات مواقع التيارات الفنية الحديثة التي كانت تتسم بقدرتها على استقطاب كل فناني وحضارات العالم. وقد أعيد تسليط الأضواء على الأعمال الفنية الاستشراقية القابعة في المتاحف الأوربية مما أدى إلى انتشار ظاهرة حركة المعارض الفنية التي أقيمت في اكثر من مكان تحت اسم (الاستشراق) في باريس ولندن ونيويورك وروما وعدد آخر من العواصم والمدن الأوربية.
وقد استثمرت أعمال العديد من الفنانين المستشرقين في سوق المزادات الفنية العالمية وارتفاع أسعار اللوحات الاستشراقية التي كانت مهمشة او مهملة في أقبية المتاحف، وبدأ تصريف وتسويق الأعداد الهائلة منها إلى بلدان عربية بأسعار خيالية باعتبار ان العديد من هذه الأعمال يجد معالم البيئة والتراث في العديد من البلدان العربية وهو بالتالي وثيقة مرئية وبصرية لتاريخ هذه البلدان.
وحاز الاستشراق الفني موقع الصدارة في الصالونات الفنية والمعارض واهتمام الحركة النقدية الأوربية بشكل عام. واعتبرت آراء هؤلاء بمثابة المصدر الرئيسي والشاهد التاريخي على ذيوع وانتشار الاستشراق في الفن الأوربي.
لقد احدث فن الاستشراق في عدد من دول أوربا وخاصة فرنسا وإنكلترا وإيطاليا، انقلابا جذريا في شكل ومضمون صورة الشرق والشرقي، فقد صوروا الاحتفالات واللقاءات الرسمية ، وسجلوا شتى مظاهر الحياة والبيئة الشرقية النخبوية فأنجزوا أعمالا متنوعة تناولت حياة السلاطين والأمراء والقادة والجماعات والأعياد ومظاهر الطبيعة والصور الشخصية والتجار الأوربيين بالزي العربي، وبفضل هؤلاء الرسامين اقتربت الصورة الشرقية بمسلماتها الجمالية والأخلاقية إلى حد كبير من الواقعية التسجيلية.
لقد ساهم الاستشراق بإبراز هوية الفن الشرقي الجمالية التي تتألف من الهارمونية بين المسلمات الجمالية والأخلاقية ووحدة الفكر الجمالي في الفنون الإسلامية، كما ساهم الاستشراق في اكتشاف أهمية الفنون وتصنيفها وتوثيقها وحفظها في لوحات ومذكرات، واكتشفوا أيضا العديد من المسلمات الجمالية والأخلاقية والفلسفية التي دخلت صلب الحضارة الفنية الأوربية في عصر التنوير والرومانسية والانطباعية ورواد الحداثة، وساهم أيضا في اغناء الحضارة الأوربية ودفع وضع جديد فيها، كذلك سجل الفنانون الذين زاروا الشرق معالم البيئة والأزياء والطقوس والعادات والتقاليد في القرون الماضية التي تساعدنا اليوم على قراءة تاريخنا وواقعتا بشكل منظور، وقد تتلمذ على أيدي عدد كبير من المستشرقين اغلب رواد الفن التشكيلي العربي في العراق ومصر.
وهناك عدد من الفنانين المستشرقين الذين تميزت لوحاتهم بالدقة المتناهية وبالثراء والوضوح والتجديد في اختيار المواضيع بعيدا عن الاستعراضات الرومانسية او الأكليشيهات التقليدية عن الشرق، كأسواق العبيد والآثار والحريم، كما رسم العديد منهم السجاد بأنواعه وزركشاته وألوانه المتناسقة، ورسم آخرون المأكولات وأصنافها والملابس وألوانها، والأحجية والأباريق والآثار القديمة ومعمار البيوت والمساجد وزخرفاتها ونقوشها وخطوطها الإسلامية الساحرة ، فقد عمل هؤلاء وبنظرة واقعية على إبراز كل ما يحيط في الحياة الواقعية للمدن العربية، وكانوا يهدفون إلى التعريف بثقافة عريقة كانت في المفهوم الغربي في ذلك الحين ثقافة بربرية.
بعض من فناني الاستشراق خلق تصوراته الذاتية عن بلاد الشرق التي كانت مبالغ فيها اكثر من الواقع، فقدم هذا البعض لوحات لغرف الحريم التي لم يرونها في الواقع، وانما كانت انعكاسا لتخيلاتهم، أي أشبه بالواقع السمعي الذي عايشوه، فقد أنجزت هذه اللوحات في مراسم روما وباريس ولندن بالاعتماد على موديلات نسائية أوربية كما هو متبع حتى الآن، كما حمل العديد من الفنانين آلاتهم الفوتوغرافية معهم في سفرهم الى الشرق، كما فعل الفنان الإيطالي فوستو زونارو"1854- 1939" الذي أعاد رسم الصور الفوتوغرافية التي صورها في الجزائر والقاهرة واستنطبول بالألوان المائية والزيتية والتخطيطات بقلم الرصاص.
قسم كبير من هؤلاء الفنانين توقف كثيرا أمام المظاهر الحياتية العربية الغريبة، كانت تدفعه الرغبة من اجل الغور بعيدا لمعرفة عوالم حضارية مختلفة تماما عن عوالم الحياة الغربية بكل ابعادها، كما كان يدفع هؤلاء شعور متكامل بدراسة الفروقات الحضارية الموجودة في النظرة القيمية للجماعات البشرية التي يلتقونها، وتنوع القيم الناتج عن تنوع الحضارات، وبهذا فانهم أبدعوا بتصوير الأشياء التي تحيطهم بشكل دقيق من اجل إعطاء شكل متكامل لهذه المظاهر الحياتية، فكانت لوحاتهم الزاهية البراقة وما أنجزوه من أعمال فنية أخرى، وما أرسته من مقاييس جديدة للجمال الفني في ذلك العصر، قد طورت من إضفاء الطابع الإنساني على الواقع الخارجي حيث كشفت عن الجمال والفن الفريدين للإنسان الشرقي.
لقد كانت الأعمال الفنية التي أنجزوها عن حق، قراءة رومانسية رسختها في خيالهم كتابات المستشرقين الذين سبقوهم في الارتحال الى الشرق والكتابة عنه.
أخيرا يمكن القول بان اختراع الشرق كان على ما يبدو ضرورة غربية أملتها طبيعة التطورات التي كانت تجري يوما ما في الغرب، فهي ابتداعا غربيا حسب ما يذهب الى ذلك المفكر الفلسطيني الراحل ادوارد سعيد في كتابه القيم" الاستشراق". الا ان هذا الشرق كان أيضا اكتشاف مصادر جديدة لإلهام العديد من الفنانين الأوربيين الذين ركبوا البحر ليقبلوا على معانقة ومتابعة ورصد الأساطير والمنجزات والروائح وحدائق سحرها ومحبتها.
روما
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف