داغستان بلدي.. القلب نفسه الذي تستهدفه المحبة
قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
&
&
«يحتاج المرء لسنة حتى يتعلم الكلام ولستين عاما ليتعلم الصمت».
هذا قول لشاعر رحل بصمت ملأ الدنيا وشغل الناس هو رسول حمزاتوف الذي خلد حكايات شعبه وبطولاتهم وأمدها بحضور فاض في نبعه حتى روى كل من يعشق الحياة ويمد إليها روحه
لم يكن باستطاعتي الذهاب الى داغستان لأسلم على صديقي الشاعر رسول حمزاتوف وها هو يغادرنا راحلا بعد ثمانين حولا وشهرين يغادرنا فيالعام الذي سماه شعبه فيه عام رسول حمزاتوف يترك داغستاننا الجميلة تلك التي ما ان لامست شغاف الكلمات المصنوعة بيديه والمحفورة في وجدان داغساتانييه حتى شعرت أنها بلدي قبل أن تكون بلده
لقد كتبت له رسالة قبل أكثر من ثمانية عشر عاما في يوم كنت أنهيت فيه قراءة ترجمة كتابه العظيم داغستان بلدي سألته فيها عن داغستان هذه التي لا يمكن أن تكون بلده وحده وقلت له أن يترك لنا القليل من الحب للأرض كي نكتب ضمنه شيئا يستظل بما كتبه هو عن أرضنا جميعا في داغستان بلدي
ولكم وددت أن أستعيد تلك الرسالة التي لا أدري إن وصلته أم لا لأنقلها إليكم اليوم بعد وصلني خبر رحيله متأخرا بضعة ايام
لقد غادر رسول هذه الدنيا بعد أن عاشها طولا وعرضا وكانت مغادرة هذا الشاعر الذي تغنى ببلاده أيما غناء وجعلها مكانا شعريا لا يمكن لأي شاعر منهمك بالحياة وعشقها إلا أن يمر على ماكتبه رسول ويشرب من نبعه الملهم ليرى كيف تتحول صخور سوداء ال لجنة شعرية فيها من الألق والضوء ما يجعل طيورها قصائد وحجارتها القاسية أعشابا للكلمات وينابيعها قطع ألماس متناثرة فوق الصخور
يكتب في مذكراته:
القلب نفسه تستهدفه الرصاصة والوردة
والوجه نفسه تاتيه الضحكات والدموع
والشفاه ذاتها تذوق العسل والسم
وفي السماء نفسها تطير الصقور والحمام
وفي العش نفسه في الغيمة السوداء تنبثق النار والماء
وعلى المسمار نفسه تعلق القيثارة والخنجر
{{{
قبيل وفاته بشهرين وأثناء احتفال شعبه بيوم شعره الذي يأتي كل عام في سبتمبر وباالاحتفالات اليوبيلية لبلوغه الثمانين قال لمراسل وكالة نوفوستي الذي جاء ليهنئه بذلك اليوم: شيء حسن أنك لم تقل لي بانني عبقري عظيم لأن العباقرة هم أولئك الناس الذين يقومون بأشياء يعجز عنها الآخرون أنا أتفق مع الشاعر سيجري يسنيي «شاعر روسي» عندما قال : الكبار يمكن ملاحظتهم من بعيد لهذا فانا انظر الى اليوبيل الكبير بتهكم لأن اليوبيل هو تضخيم للأعمال وهو فعالية اعتيادية من جهة أخرى أطلب من الله أن يمد في عمري سنة اخرى لم أجد الوقت الكافي لإعادة النظر في ا لمسودات التي كتبتها واعتبر حياتي كلها مــسودة يجب تصــــحيحها وإعــادة النــظر فيها في كل حياته لم يكن رسول حمزاتوف نائما في قرارة الناجز لم ينظر الى كتابته والى تجربته النادرة التي كان يكتب فيها بلغة لا يتكلم بها سوى نصف مليون آدمي هم الشعب الداغستاني إلا كمدى يمكن أن تتحقق فيه شروط الإنسان من أخطاء ومبالغات وتجاوزات وأفراح ومتع
وفي تلك الاحتفالية صدرت اعمال الشاعر الكاملة بثمانية عشر مجلدا في داغستان وبثماني مجلدات في روسيا كماتمت ترجمة مختارات من أعماله الى الأملانية طبعت في المانيا وهذا ما جعله يصرح قبيل وفاته : هذه كانت اجمل هدية لي في الدنيا
ولد رسول حمزاتوف في قرية تسادا في الثامن من سبتمبر 1923 وبعد ان أتم تحصيله الدراسي في معهد غوركي للآداب في موسكو أصبح رئيسا لاتحاد كتاب داغستان وظل يشغل هذا المنصب حتى وفاته
{{{
من كتابة على مهد نقلها حمزاتوف بطريقته الخاصة لنا نقرأ :
شجاعا كان ابوه وصادقا
كان أبوه حتى النهاية
هنا يرقد طفل يحمل اسم ابيه
خنجر أبيه معلق فوق رأسه
ومآثر أبيه في كلمات الاغنية
عند مهده
بدأ حمزاتوف حياته شاعرا ففي العشرين من عمره تم تنسيبه الى اتحاد الكتاب السوفييت السابق و كان أصغر عضو فيه ولم يكن رسول ابن الشاعر الداغستاني العظيم حمزا تساداس فقط بل كان شاعرا من سلالة شعراء هم شعبه الذي لا يتجاوز تعداده خمسائة ألف نسمة ويتكلمون الآفارية كتب لهم بلغتهم كتبه الأربعين وظل مخلصا لجبالهم ا لسوداء وحياتهم القاسية وريفهم المتعب وحين كتب عنهم كتب جنة مدهشة جعلت كل من يقرأ نشيده العظيم داغستان بلدي يحلم بهذه البلاد ويود لو أنه بين جنباته لم يضع رسول حمزاتوف داغستان في فردوس وهمي ولم يقلب ترابها الذهب بأظافر الوهم لا تحدث عن القسوة واللغة التي لا يتكلمها سوى شعبه اللغة الآفارية المحشوة بروح هذاالشعب القفقاسي وعن عاداتهم وملبسهم ومأكلهم وقيمهم ورغباتهم واحاسيسيهم وحروبهم ونزواتهم ونزعاتهم وأحلامهم وصلف العيش الذي يزداد قسوة عليهم ونبلهم وخيرهم وشرهم تحدث عن شعبه كما لو أنه يقدم لنا قصيدة إنسانية شاملة لكن كمية الصدق فيها والمباشرة لم تبعداها عن أن تكون قصيدة ذات مستوى فني عال
{{{
من مآثره :
السلاح الذي تحتاجه مرة واحدة عليك أن تحمله العمر كله
والابيات اليت سترددها العمر كله تكتب مرة واحدة
يستهل رسول حمزاتوف كتاب داغستان بلدي بهذا المفتتح:
أيها المسافر إذا لمتعرج على منزلي
فليستيقظ البرد والرعد على رأسك
البرد والرعد
أيها الضيف : إذا لم يرحب بك في منزلي
فيسقط البرد والرعد على رأسي
البرد والرعد
{{{
قال أبو طالب
إذا أطلقت نيران مسدسك على
الماضي أطلق ا لمستقبل نيران مدافعه عليك
أبوطالب: شاعر داغستاني
بهذه اللغة الفياضة لغة القيمة الانسانية يرفع حمزاتوف قيمة الاشياء ويعلي من شأن الإنسان والحياة ويضعهما بموازاة الحاضر الذي يستمده من ماضيه ومن لحظته كاشفا بلغته تلك عن قدرة الحياة على أن تكون شعرا ينساب بين فجاج ارواحنا
{{{
لقد توفى صديقي رسول حمزاتوف في أحد مستشفيات موسكو وكان يضع على صدره وفي قلبه نيشانا كبيرا ظل يحمله اى وفاته قبيل أيام نيشان شاعر الشعب الداغستاني وعاشق الأرض ولم يكن هذا المعلم الكبير الذي جعل للغته أجنحة ولشعبه أسطورة حتى بات اسمه مرادفا لوطنه نائيا عن تفاصيل عيش شعبه وهمومهم فهو الذي سجل تاريخهم الشفوي في قصائده وكتابته وهو الذي كتب دستور داغستان الشعري وهو الذي حمل اسم فنان داغستان القيّم كما سماه أثناء الاحتفال بعيد ميلاده الثمانين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وسماه شعبه: الناطق الرسمي باسم القراء في بلاده
فقد استطاع أن يمنح لغته الآفارية بقلة عدد من يتكلمون بها على وجه الأرض روحا جعلها لغة إنسانية مليئة بتفاصيل هؤلاء الآفاريين ولعله يستحق أيضا أن يطلق عليه: حارس اللغة الآفارية اليت كتب بها كل مؤلفاته ما عدا ثلاثة منها
تظل الحبيبة الأولى التي تتصدر كل دواوينه هي الأرض ومنها يستمد عشقه لكل التفاصيل: الإنسان الحبيبة الحقل الحصان الاغنيات حكايات الاجداد:
إن الشعراء ليسوا
طيورا مهاجرة
والشعر بدو ن التربة
الأم شجرة بلا جذور
وطائر دون عش
ترجم كتابه داغستان بلدي الى عدة لغات عالمية (ترجم للعربية العام 1979وقد ترجمه عبد المعين ملوحي ويوسف حلاق وصدر عن دار الفارابي) والكتاب ليس سيرة ذاتية او ديوان شعر او نصا نثريا ابداعيا وإنما كل ذلك معا لذلك من هنا اعتبر أشهر مؤلفاته كما تمت ترجمة بعض النصوص والقصائد لحمزاتوف الى العربية لكنها لم تحظ بشهرة كتابه داغستان بلدي
له في الشعر خمسة عشر ديوانا منها : أغاني الجبال سنة مولدي قلبي في الجبال وطني الجبلي نجم يكلم نجما امرأة خلاسية الحدود نجوم سامقة
{{{
وداعا يا حمزاتوف
وداعا أيها الصديق الذي لم أره إلا في الكتابة
الذي لم أكتب له سوى رسالة واحدة
مزقتها ريح المسافات
الذي حمل إلي رائحة بلاده
تماما
كما لو أنها بلادي
الذي جعلني أتمدد على قش الحقول
في قرى داغستانه البعيدة
تلك التي اصبحت اقرب
من التنفس إلي&
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف