جريدة الجرائد

مهاتير: الأزمة التي تعرضت لها آسيا فجرت العداء نحو الغرب

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
كوالالمبور - موفد الوطن - د جمال المجايدة: مهاتير «الحكيم» او كما يصفه البعض بآخر الزعماء العمالقة حكم ماليزيا 22 سنة وتنحى عن السلطة طواعية بعد ارث مميز ونجاح باهر في تحويل بلاده من دولة تعتمد على تصدير المطاط الى امة صناعية وهو الذي اثار ضجة وغضبا في الغرب لقوله امام قمة بوتراجايا الاخيرة بان اليهود يحكمون العالم ويتميز مهاتير باسلوبه الصريح فقد سبق ووصف الاوروبيين بأنهم «فرخ ديك يغني وذيله غارق في البراز» ويرى ان الماليين الذين يشكلون 65 بالمائة من عدد سكان ماليزيا كسالى والاستراليين «غريس مزروع» في آسيا تقول عنه مارغريت تاتشر التي تولت رئاسة الحكومة البريطانية ان مهاتير ينطق بما يفكر فيه ويعترف مهاتير بأنه لا يفكر في حسابات الشعبية
ومهاتير المفكر البارز يعتبر رائد حركة التصنيع والتحديث في بلاده وهو صوت ينطلق من أرضية ثقافية اسلامية ويدرك عجز المسلمين عن الارتقاء الى مستوى التحديات المستجدة على المسرح العالمي ويدعو الى ضرورة الأخذ باسباب التكنولوجيا واستلهام الصبر من الماضي الاسلامي الحافل بالانجازات
ويرى مهاتير ان العولمة هي اختراع من بنات افكار دول شمال الاطلنطي ومصممة لزيادة ثروات تلك البلاد وتعزيز هيمنتها التي فرضتها منذ زمن بعيد على الشعوب الاخرى بها يكفل لها عدم بروز اي منافس حقيقي سواء من البلدان الكبرى في شرق آسيا او حتى من الدول الاسلامية التي لم تفق من غفوتها
ويكفي لمهاتير انه حول بلاده من مجرد مصدر للمطاط ليحتل اقتصادها اليوم المرتبة الـ «17» بين اقتصاديات دول العالم
خروج مهاتير من الحياة السياسية الماليزية بعد 22 عاما حافلة بالعطاء والانجازات لم يكن سهلا لا على مهاتير ولا على شعبه ويقول البروفيسور سيد أحمد حسين أستاذ العلوم السياسية ونائب رئيس جامعة سينز في ماليزيا لقد كان من أسباب الشعور بالصدمة وعدم التصديق الذي أصاب الوفود المشاركة في اجتماع الجمعية العامة للمنظمة الوطنية لماليزيا المتحدة المنعقد في 22 يونيو 2002 عندما أعلن رئيس الحزب ورئيس الوزراء مهاتير محمد استقالته هو أنه أراد أن تكون سارية المفعول منذ لحظة إعلانها ولكن كان هناك إحساس بأن الوقت قد حان : فعندما توصل زعماء الحزب إلى حل وسط يظل مهاتير بموجبه في السلطة حتى شهر أكتوبر 2003 وأن يتولى خلافته نائبه عبدالله أحمد بدوي ظهرت بعض علامات الدهشة كما انطلقت توسلات الجماهير له كي يسحب هذا القرار لقد أعطى مهاتير للأمة الماليزية أكثر من إنذار فلقد تولى رئيس الوزراء الذي يبلغ السابعة والسبعين من العمر المنصب لاثنين وعشرين عاماً أي حوالي نصف سنوات الاستقلال الستة والأربعين وقد سبق له أن عبَّر عن عزمه على التقاعد في العديد من المناسبات كما سبق أن خطط لأن يتنحى عام 1998 ولكن اضطرته الأزمة المالية الآسيوية عام 1977 والأزمة السياسية التي اندلعت في سبتمبر 1998 بطرد نائبه السابق أنور إبراهيم أن يمتنع عن تنفيذ خطته ثم أعلن أن انتخابات عام 1999 ستكون الأخيرة بالنسبة له
وبإدانة أنور بالفساد واللواط انتهت دراما (أنور جيت) فقد أخفقت حركته الإصلاحية التي طالبت باستقالة مهاتير وأظهر الاقتصاد بعض علامات الانتعاش الواضحة وعاد إلى السلطة تحالف الجبهة الوطنية بزعامة (المنظمة الوطنية لماليزيا المتحدة ) بعد انتخابات نوفمبر 1990 وتم حل قضية الخلافة بعد طرد ( أنور ) وذلك بتعيين وزير الخارجية عبدالله أحمد بدوي نائباً لرئيس الوزراء في فبراير 1999 ونائباً لرئيس المنظمة الوطنية في مايو 2000 وأصبح الوقت مناسباً لكي يتقاعد مهاتير
لكن الفترة الطويلة التي قضاها مهاتير في المنصب والتأثيرات العميقة التي أحدثها حكمه على كل جوانب الحياة في ماليزيا يمكن أن تخلق حتماً مشاعر قلق وتثير التساؤل : وماذا بعد مهاتيـر؟
تراث عهد: ويرى البروفيسور سيد أحمد حسين إن خروج مهاتير من موقعه يمثَّل نهاية عصر ساد فيه حضوره بشكل كامل اثنان وعشرون عاماً من« المهاتيرية » تلك الإيديولوجية المتميزة والمتماسكة التي بُنيت مبادئها على قواعد من الوطنية والرأسمالية والإسلام والشعبية وحكم الفرد قد حوَّلت ماليزيا تحوُّلاً يتجاوز كل معاني الاعتراف والتقدير اقتصاد مهاتير السياسي : تولى مهاتير السلطة في يوليو 1981 وذلك في منتصف طريق «السياسة الاقتصادية الجديدة» المعلنة عام 1970 استجابة لأحداث الشغب التي وقعت في 13 مايو 1969 وكان العنصر والاقتصاد دائماً مصدري التوتر مع (البوميبوتراس) السكان الأصليين وغالبيتهم من مسلمي الملايو الذي يشكَّلون حوالي 60% من السكان ويرتبطون بأعمال زراعية وحكومية إضافة إلى ما يقارب 30% من السكان الصينيين الذين تصفهم (إيمي تشوا) «بالأقلية المتحكمة في السوق» وكانت السياسة الاقتصادية الجديدة تهدف إلى القضاء على الفقر والحد من الفروق الاقتصادية العرقية كما وضعت السياسة نسبة 39% كنصيب لماليزيا من القطاع الاقتصادي الحديث خلال عشرين عاماً وذلك عن طريق مبادرات العمل الإيجابي التي تشتمل على خلق طبقة رأسمالية ماليزية ( مجتمع بوميبوترا التجاري والصناعي ) والسماح للشركات غير الماليزية والتي يديرها أجانب بالبحث عن شركاء ماليزيين وتعيين مديرين ماليزيين كما حددت هذه السياسة الجديدة دوراً مركزياً للبيروقراطية الماليزية لتوفر الدعم الإداري والتكنوقراطي بالإضافة إلى إدارة المشروعات العامة ولقد كان للسياسة الاقتصادية الجديدة فوائد كبيرة بالنسبة لميادين كثيرة من ميادين العمل الماليزي خاصة في التعليم والاستخدام الحديث كما انعكست آثارها في التوسع الكبير للطبقة الماليزية المتوسطة والمهنية وكما كان متوقعاً فإن المجتمع غير الماليزي لم يكن متحمساً لها ولكن في إطار تأكيد السلطة السياسية الماليزية بعد أحداث الشغب خفت حدة التوسع الاقتصادي والإنفاق الحكومي الذي كان يستفيد منه المقاولون والشركات الصينية كما خفت نيرة عدم الرضا بين غير الماليزيين
ولكن سرعان ما بدأ التفكك يصيب المجتمع الماليزي وبدأت الفرص الهائلة التي وفرتها السياسة الاقتصادية الجديدة تشهد عملية سلب ونهب وظهرت مجموعة صغيرة من أصحاب الملايين الفوريين المختارين وتحدد بعضهم بشكل حصري لزعامة الطبقة الرأسمالية الماليزية والمدعومة من الدولة وعُيَّن بعضهم لرئاسة المشروعات العامة برواتب عالية والبعض الآخر كشركاء دائمين لشركات أجنبية وصينية تسعى للحصول على رعاية الحكومة وحظوتها وبدأت تتوالى الاتهامات بالرعاية السياسية والفساد والتحيز وثقلت الأعباء المالية على الدولة وفي العقد الأول من السياسة الاقتصادية الجديدة نمت البيروقراطية لأربعة أضعافها وزاد إنفاق القطاع العام عشرات أضعافـه وزاد عدد المشروعات العامة التي يعاني معظمها من الخسائر ستة أضعافها
ومع الركود الاقتصادي لعام 1986 وبعدها بأربع سنوات قام مهاتير بتعطيل «السياسة الاقتصادية الجديدة» وحل محلها «سياسة التنمية الوطنية»وذلك بعد انتهاء صلاحيتها عام 1990 وذلك بتحديد النمو هدفاً أساسياً بدلاً من إعادة الهيكلة الاجتماعية وعلى الرغم من أن هدف بناء مجتمع «البومبيترا» للأنشطة التجارية قد تحقق من خلال دعم الدولة إلاّ أن سياسة التنمية الوطنية قد تم تصويرها على أنها ذات صبغة وطنية وقلت حدة التركيز على «التحيز الماليزي» الكامن في «السياسة الاقتصادية الجديدة » وعلى التوازي مع «سياسة التنمية الوطنية» ظهرت أفكار الخصخصة التي دعت إلى إعطاء دور قيادي للقطاع الخاص وشراكة أوثق بين الحكومة ورجال الأعمال وتقليص الدور الحكومي في الاقتصاد من خلال بيع المؤسسات الحكومية وخصخصة المرافق العامة ومشروعات بناء البنية التحتية التي سبق أن تولتها الحكومة وأصبحت المؤسسات التي تم خصخصتها الدعامة الأساسية لخلق الطبقة الماليزية الرأسمالية وقد شهد الاقتصاد الماليزي نمواً بين عامي 1987 و1997 وكان من شأن مضاعفة الناتج المحلي الإجمالي ونمو الصادرات ومضاعفة معدل الفرد في الناتج القومي الإجمالي وخفض التضخم والعمالة الكاملة والبنية التحتية الرائعة أن تجعل ماليزيا «نمراً آسيوياً جديداً» يجتذب عملية تدفق هائلة لرؤوس الأموال الأجنبية ومن ثم إدماجها في الاقتصاد العالمي وتحوَّل ذلك الركود الجنوب شرق آسيوي المعتمد على اقتصاد السلع كالقصدير والمطاط وزيت النخيل إلى مركز رئيسي للصناعات ولا أظن أن المجتمع الماليزي يمكن أن يتذكر عصراً شهد فيه مثل ذلك الرخاء الكبير
وظهرت في كل مكان دلائل النمو الوفيرة والمركز الجديد لماليزيا كلاعب رئيسي في الاقتصاد العالمي وتخلت البلاد عن صناعة القصدير الآفلة وكان يتم حصاد المطاط بهدف أساسي وهو إنتاج أثاث خشبي عالي الجودة للتصدير وظلت ماليزيا أكبر منتج في العالم لزيت النخيل وكانت إلكترونياتها وصلت إلى كل أسواق العالم ولا يمكن أن يلخص دخول ماليزيا إلى العصر أفضل من مبادرة مهاتير المسماه الطريق الأعظم للوسائط الإعلامية Multi Media Super Corridor والتي أطلقها عام 1996 وهي عبارة عن طريق يتراوح طوله بين 15 و 50 كيلومتراً يمتد من أعلى بناية في العالم مركز مدينة كوالالمبور والتي تعد في حد ذاتها مثالاً على الذكاء وحتى مطار كوالالمبور الدولي حيث يتم بناء مدينتين : إحداهما العاصمة الإدارية الجديدة لماليزيا والأخرى مدينة سيبرنية تضم عدداً من الصناعات والتسهيلات الخاصة بالبحوث وأعمال التنمية وجامعة ومعاهد للوسائط الإعلامية وضواحي تنفيذية للمؤسسات المتعددة الجنسية من أجل توجيه أنشطتها الصناعية والتجارية عبر العالم باستخدام الوسائط الإعلامية وقد استطاع مشروع الطريق الأعظم للوسائط الإعلامية أن يجتذب 745 شركة خلال عام 2002 وبالتوازي مع المؤسسات الأجنبية العاملة في القطاع الصناعي الموجه للتصدير والمشروعات الصغرى والكبرى التي يملك معظمها صينيون خاصة تلك الموجهة إلى السوق المحلي والمتعاقدة مع مؤسسات متعددة الجنسيات كانت هناك التجمعات الماليزية وغير الماليزية والمتعددة الأعراق في قطاعات البنوك والزراعة والبناء والنقل والمرافق العامة والعقارات والقمار والسياحة والصناعة البديلة للواردات
وعلى غرار المجموعات المالية ( الزايباتسو والوجوشوشا والشيبول ) في اليابان وكوريا الجنوبية وبهدف أن تصبح هذه التجمعات حاضنة لقطاع الأعمال الماليزي الكبير فقد سيطرت على القطاع المحلي في هذه المجالات وتمتعت برعاية الدولة وحمايتها لكي تصبح ضمن فئة القلة المحتكرة ونظراً لارتباطاتهم السياسية فقد كانوا أكبر المستفيدين من المشروعات الكثيرة المتنوعة
وقـد ازدهـرت هـذه المجموعـات المحليـة فـي ظـل المؤسسـة الماليزيـة Malaysia Inc فقد أتاحت أنشطة النمو وحماية الدولة لهذه المجموعات أن يتهربوا من اللوائح والمراجعات وأخفت الكثير من أنشطتها المشبوهة ومشاكلها التنظيمية ونظراً لافتقادهم القوة الصناعية والقدرات الإنتاجية التنافسية ولمحدوديتهم فيما يتصل بمعايير الأداء الإنتاجية والإبداع والتنافس العالمي ولاستفراقهم في التوسع والاندماج والامتلاك والتراكمات المالية ولغياب نظام قوي للإدارة وفقدان الشفافية والخبرة وللقصور الحاد في الإدارة الكفؤة فقد أدى ذلك كله إلى أن تصبح هذه المجموعات المختلطة أول من ينهار مع الأزمة المالية الآسيوية التي وقعت عام 1997 وتشير التقديرات إلى أن 58% من الشركات التابعة للمجموعات الرئيسية العشرة و 42% من الشركات العامة الأخرى قد عانت من خسائر تتجاوز 500 مليون «رنفكت» لكل شركة
ويقول مهاتير محمد واصفا تلك الازمة : الجشع والطمع الذي لا حدود لهما والجري وراء الكسب المادي تسبب في افقار القارة الآسيوية فجأة وجدت منطقة بأكملها كانت تفتخر بانجازاتها الاقتصادية والتي كانت موضع اشادة من دول العالم, نفسها تتعرض لهجوم تجار العملة والمضاربين في الاسواق المالية واخذت العملات والدول تتساقط واحدة تلو الاخرى تحت معول ما يسمى بقوى السوق الحر وتبخرت بين ليلة وضحاها حالة الرخاء الاقتصادي التي كانت تتهم بها آسيا وتدهورت مستويات المعيشة التي تم تحقيقها عبر عقود من العمل الشاق وانهارت معظم اقتصاديات دول شرق وجنوب شرق آسيا كذلك انهارت اسواق الاسهم محدثة نتائج وخيمة وافلست الشركات التي كانت الى وقت قريب مزدهرة ورابحة وتوقفت مشروعات البناء والشييد ولم تجد المكاتب والمساكن التي كان قد اكتمل بناؤها من يستأجرها او يسكنها مما تسبب في خسائر مالية كبيرة لاصحاب تلك المشروعات وادخلتهم في ديون مرهقة وفقد آلاف العمال وظائفهم واصبحوا عاطلين بحيث صارت مسألة البطالة تشكل مشكلة حقيقية في العديد من دول المنطقة لأول مرة منذ سنوات طويلة وصل الامر الى انه في بعض الدول صار شبح المجاعة والاضطرابات يشكل هاجسا حقيقيا يهدد استقرار المجتمع ويتساءل مهاتير قائلا : لماذا حدث كل ذلك ولماذا سمح له ان يحدث؟ لماذا قرر تجار العملة فجأة تخفيض عملاتنا الوطنية؟ كيف فقد العالم الثقة في اسيا فجأة ودون مقدمات؟ كيف يسمح لطمع قلة من الناس ان يوصل الملايين الى حافة الفقر والجوع وفقدان الأمل؟ هناك العديد من الاسئلة التي تبحث عن اجوبة مناسبة وأنا في هذا الكتاب لا ادعي انني اقوم بتوفير كل الاجابة ولكنني اعرض وجهة نظري بشأن الوضع في آسيا منذ ازمة العملة التي بدأت في تايلاند في يوليو عام 1997 واحاول النظر الى ابعد مما يوجد على السطح ومناقشة القوى والعوامل التي تقف وراء ذلك وبصفتي رئيسا للوزراء في ماليزيا حتى يوم 31 اكتوبر 2003 التي كانت احدى الدول الرئيسية المستهدفة من هجوم تجار العملة فقد كنت شاهد عيان على الذي حدث من تدمير وخراب انتشر عبر المنطقة كانت ماليزيا تسجل نموا اقتصاديا بنسبة 8 في المائة سنويا قبل ازمة العملة وكان الماليزيون يعملون بجد واجتهاد لايجاد مستقبل افضل وكانت ماليزيا تخطط لأن تنضم الى قائمة الدول المتطورة بحلول عام 2020 وحتى صيف 1997 كنا نسير وفق الخطة المرسومة بل وبخطوات اسرع مما كان متوقعا ولكن القوى الخارجية سرقت هذا الحلم وسلبت الشعب الماليزي مستقبله وحولت الأمل والفرحة الى يأس واحباط ويقول مهاتير بصراحة وجراته المعهودة على عكس الصورة التي يحاول البعض اظهاري بها, فانني أؤمن بالعولمة وتحرير التجارة وإزالة الحواجز والقوانين التي تعيق الانتقال الحر للتجارة وتدفق رأس المال عبر الحدود ولكن التحرير وازالة القوانين المقيدة لا يجب بأي حال ان يؤدي الى تعرض العالم للفوضى واذا كان التحرير وسياسة السوق المفتوح تحقق النمو الاقتصادي ورفع مستوى معيشة الناس فلا بد من وجود قوانين منظمة يجب على الجميع التقيد بها ودون هذه القوانين فإن الاقوى والفاسد هو الذي سوف يتسيد العالم هل هذا هو الذي تسعى الدول لتحقيقه؟ هل هذا هو الذي تهدف اليه الدول الغربية التي اوجدت هذا النظام العالمي وتستمر في الاشادة به وكان يري انذاك ان الوقت ليس وقت تأنيب ولكن يجب حداسة الكيفية التي يعمل بها النظام الاقتصادي غير انني لا ارى مثل هذا النقاش في صحافة الغرب فهي تكتب عن حركة ونشاط الأسواق المالية والعملات وكأنها نصوص منزلة ولا احد يعترض على حق تجار العملة والمضاربين في اللعب بمصائر شعوب وأمم بأكملها في سعيهم لجمع ارباح أكبر ويقول مهاتير: لقد حان الوقت للنظر الى المستقبل والحركة الى الأمام ان الازمة التي تعرضت لها آسيا تسببت في التهاب المشاعر وفي بعض الاحيان تحريك الشعور بالعداء نحو الغرب والناس لهم الحق في ان يخافوا من حدوث نوع جديد من الاستعمار الاقتصادي في وقت تسعى فيه الشركات الأجنبية والمستثمرون الأجانب الى شراء الشركات والأسهم الآسيوية ان الحسد والكراهية مغروسة في أفئدة الناس وربما استغرق الأمر وقتاً طويلاً قبل ان تخمد هذه المشاعر ويري انه لابد من المحاولة والتركيز على المستقبل فلابد من اعادة بناء آسيا وبعثها من جديد وهذه المرة على أسس أقوى مما كانت عليه في السابق يجب ان نسعى جاهدين لاعادة القيمة الحقيقية لأسواقنا وايضاًالثقة لأنفسنا ولشعوبنا ولابد لنا كذلك من العمل للتخلص من اي فساد أو محاباة ربما تعيق هذا الجهد ولكي نحقق ذلك لابد لنا من العمل الجماعي والاحتياط للمستقبل فذات القوى مازالت تتربص بالآسيويين
خلال فترة الحرب الاميركية في فيتنام شهد العالم وكذلك آسيا تحولات رئيسية في عام 1976 كانت حرب فيتنام قد وصلت الى نهايتها ومعظم ما كان يعرف بالهند الصينية كان في حالة غليان وعدم إستقرار كان الخطر الشيوعي يتهدد المنطقة كما ان غالبية الدول الآسيوية كانت فقيرة تعتمد على الزراعة بالكامل تقريباً لكن خلال السنوات العشرين التالية أصبحت منطقة شرق آسيا مصدر قوة اقتصادية هائلة تهدد الهيمنة الغربية على العالم وأصبح هذا النمو الاقتصادي يعرف بتعبير (المعجزة الآسيوية) واستعاد الآسيويون ثقتهم بأنفسهم وبدأ الاقتصاديون والمحللون يتحدثون عن إمكانية ان يصبح القرن العشرون هو القرن الآسيوي وتدريجياً بدأت هذه الاحلام تداعب خيال العديد من الآسيويين وهنا يواصل مهاتير حديثه قائلا :
كنت واحداً من كثيرين في هذه الدراما وصارت وسائل الاعلام الغربية تطلق على في بعض الأحيان صفة المتحدث باسم آسيا وصوتها على الرغم من ان ذلك لم يكن الدور الذي اخترته لنفسي في بعض الأحيان تنتقدني الصحافة الغربية وتصفني بالعجرفة عندما أقول ان القيم والمبادىء الآسيوية لاتقل عن الغربية وظلت هذه الصفات تتحول من اتجاه لآخر قبيل عام 1997 وصفتني مجلة (تايم) الأميركية (بشيخ المخططين) وفي أعقاب الازمة المالية التي تعرضت لها الدول الآسيوية أصبحت فجأة (الرجل الغاضب) وفي مرات كثيرة نعتوني بالحاكم الاستبدادي وحتى الديكتاتور على الرغم من أنه كان على ان أبذل جهداً شاقاً لكي أفوز في انتخابات ديمقراطية وعندما لايتم التقيد بالتعريفات الغربية للديمقراطية وحقوق الانسان كما يريد الغرب فإن العديد من الزعماء الآسيويين وأنا منهم حاولنا ان نجاري اللعبة الرأسمالية الغربية وعلى الرغم من ذلك فقد عانت اقتصاديات آسيا النامية بشدة من الازمة المالية التي شهدتها المنطقة منذ منتصف عام 1997
ويخلص الى القول بان هناك حقيقة لابد من استيعابها وهي ان القارة الآسيوية لايمكن اعادة تشكيلها حسب ما يتصور الغرب لأنها ــ أي آسيا ــ ليست كياناً متجانساً كما تحاول محطة تليفزيون سي إن إن أو مجلة «نيوزويك» ان تصوره فالثقافات واللغات والهويات والأعراق هي أكثر اختلافاً مما هو الحال بين أميركا وأوروبا وكل دولة آسيوية لابد وان تترك لشأنها لتتطور على مراحل ووفقاً لأهداف ورؤى مستقبلية مختلفة وقال وقد علمتني تجربتي الشخصية ان لكل دولة آسيوية الحق في ان تطور نفسها حسب القالب الذي ترتضيه استناداً الى تاريخها وهويتها المتميزة وعندما عادت مستعمرة ماكاو الى السيادة الصينية بتاريخ العشرين من ديسمبر عام 1999 فإن 500 عام من الاستعمار والسيطرة الأوروبية وصلت الى نهايتها ويرى ان عودة آخر معقل استعماري تمثل رمزاً هاماً لبداية عصر جديد ولم تكن الدول الآسيوية لتحرر نفسها من السيطرة الأوروبية ولاحقاً اليابانية لترهن حريتها الاقتصادية لدى السادة الجدد للرأسمالية التي لاتعرف حدوداً جغرافية ولابد لكل دولة آسيوية ان يكون لها الحق وان تتمتع بكامل الفرصة لاختيار طريق التنمية والتقدم الذي ترتضيه والطريقة التي ترغب بها في المشاركة في اللعبة الاقتصادية العالمية
وبالرجوع الى الوراء قليلاً ليس فقط بالنظر الى السنوات التي قضاها في الحكم وانما أيضاً البيئة التي نشأ وعاش فيها ليرى العصر الآسيوي وقد بزغ فجره فإن مهاتير أدرك ان هناك الكثير الذي يمكن ان نتعلمه من التاريخ ونحن اذ نقف الان ساعين لبناء آسيا قوية دعونا لاننسى دروس الماضي فالمسيرة الطويلة التي اتسمت بكل ما هو مثير والتي قطعتها الشعوب والأمم الآسيوية في القرن العشرين لابد وأن تقود الى قرن جديد ليس هو قرن السيطرة الآسيوية وإنما الازدهار الحقيقي والتعايش في هذا العالم

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف