همنغواي العرب قراءة في أدب الروائي السوري حنا مينة
قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
دمشق من حيان نيوف: من يقرأ أدب الروائي السوري حنا مينة كأنما يقرأ البحر، فيسافر بسفينة كلماته، ويرتاح على الشطآن المتناثرة بين سطوره. أطلق عليه الكثيرون "أديب البحر" للصلة القوية والعميقة بين أدبه الروائي والبحر بكل ما يرمز إليه. بكل جدارة، حمل قلمه على كتفه، كما كان يحمل الأكياس أيام عمله في موانئ اللاذقية، وارتحل من مكان لمكان، ليجمع أوراقه بلفائف أفكاره وأحلامه ومعاناته، ودخّنها ليلتصق دخانها على الأوراق السمراء. في عام 1924 جاء حنا مينة زائرا للحياة، ولم يعرف أحد، في تلك الأيام، أن الطفل حنا سيصبح ذلك الروائي الكبير. لم يكمل دراسته الابتدائية، وراح يعمل في دكان حلاقة. أول رواية له كانت "المصابيح الزرق" 1954، وأصدر كتبا منها: "ناظم حكمت ثائرا" 1980، "هواجس التجربة الروائية" 1982.
عادة يقوم الأدباء برمي أولى كتاباتهم إلى سلة المهملات، على اعتبار أنه تشكل تجربة ضعيفة مكتظة بالأخطاء. ولكن أول تجربة كتابية للروائي حنا مينة استمرت كتجربة رائعة وبقيت لأنه استمر وبقي. فعندما كان يعمل حلاقا في اللاذقية، أرسل بقصة قصيرة "طفلة للبيع" لتنشر في مجلة "الطريق" اللبنانية عام 1945. وفي تلك الأيام من كان يعرف أن كاتب هذه القصة سيبدع في عشرات الروايات، ليصبح اسما مهما في عالم الرواية؟
واللقب الآخر لهذا الروائي الفذ هو "همنغواي العرب"، وذلك في إشارة إلى الروائي الأمريكي "ارنست ميلر همنغواي" الذي ألف رواية "الشيخ والبحر" الشهيرة. وإذا كان همنغواي قد انتحر، ودون أن يعرف السبب الحقيقة وراء انتحاره، فإن حنا مينة قد انتحر أيضا على أوراقه وعاد إلى الحياة من جديد عبر الشخصيات الفينيقية في رواياته.
وإذا جاز لنا الحديث، بمنهج بحثي و على طريقة المذاهب والتنوع، عن "الحركة الأدبية السورية بعيد الاستقلال"، فقد كان حنا مينة رائدا من رواد هذه الحركة. وكان معه آنذاك العديد من الأدباء والفنانين السوريين مثل: شوقي بغدادي، صلاح دهني، فاتح المدرس... الخ. والذين أسسوا فيما بعد " رابطة الكتاب السوريين " أو ما أصبح يعرف " برابطة الكتاب العرب " عام 1954.
وإذا أحب الكثيرون أن يتحدثوا عن مارون عبود على أنه لم يكتب القرية بل " كتب القرية "، فأنا أعتبر، كما سبقني آخرون بذلك، أنه كتب البحر، ورحت أبعد من ذلك في نظرة فنية أدبية نقدية لحنا مينة عندما أطلقت عليه "حنا ميناء" وذلك لكثرة ما ارتبطت رواياته، من حيث عنصر الزمان والمكان، بالبحر والموانئ. روايته الأولى "المصابيح الزرق" 1954 كتب عنها الشاعر الدمشقي شوقي بغدادي مقالة سنة 1966، وقال فيها: " المصابيح الزرق بكل بساطة، رواية تصور حياة جماعة من الناس البسطاء أيام الحرب العالمية الأخيرة. ومن ورائها حياة اللاذقية، وسوريا. أو بكلمة واحدة: تصور الجو المحموم الذي كانت تعيشه بلادنا أيام الحرب. فإذا صح أن تكون لكل قصة عقدة، فعقدة المصابيح الزرق هي أزمة الحرب".
ومن أعماله الروائية " البحرية "الأخرى رواية" الشراع والعاصفة " التي ترمز إلى قضايا وأشياء كثيرة اختلف النقاد فيها. ولكن يمكن القول بأن "العاصفة" ترمز إلى الاستعمار، والظلم الشديد على يد هذا الاستعمار أو في الحيز الاجتماعي الذي عاش به الروائي آنذاك. ومهما حاولنا أن ننقد ونصنف أدب مينة فنيا، فلن يكون بمقدورنا الابتعاد عن فكرة رئيسة وهي وجود حنا مينة وواقعه في رواياته. ولم ينس حنا مينا أبدا أن يتطرق إلى المرأة في رواية له هي " الياطر " والتي تحدث فيها عن علاقة غرامية بين رجل و امرأة، وأيضا يحدث هذا في منظر البحر فهو الزمان والمكان، وبقي أن نفترض أن البحر كان شخصية في رواياته!. والرواية الأخرى هي "الشمس في يوم غائم"، والتي امتدت للحديث عن قضايا اجتماعية، واعتقد بعض النقاد أن الرواية أرادت التركيز على فكرة "صراع الأجيال". وتدور هذه الفكرة في فلك الخلاف الذي يقع بين أب إقطاعي ذي فكر تقليدي وابنه الذي يريد التخلص من ذهنية والده القديمة. وأما رواية "حكاية بحار" فهي رواية ذات طابع جمعي وشامل، فهي تصور الأوضاع في الساحل السوري في زمن الاحتلال التركي والانتداب الفرنسي من بعده. كما تبين للنقاد أن الروائي حنا مينة، ومن خلال هذه الرواية، حاول التعمق في الحديث عن الحالة الاقتصادية للساحل السوري وتأثره بالمتغيرات الاقتصادية في المنطقة العربية والعالم.
اسلوب حنا مينة ( أو حنا ميناء كما أحب أن أسميه ) هو اسلوب إبداعي واسع، فحتى ولو تكرر البحر في نصوصه، إلا أننا نجد أنه يزود القارئ بفكرة وقضية وإبداع جديد في كل رواية.الشخصيات كثيرة ومتعددة وكل شخصية تختلف جذريا عن الأخرى. وهناك تلك الشخصيات التي تركت أثرا كبيرا على القارئ ولم تعد تفارق ذهنه بسهولة: شخصية الطروسي في رواية " الشراع والعاصفة "، شخصية أم حسن في الرواية نفسها، وشخصية زنوبة في رواية " بقايا صور "... الخ. وبالتأكيد سيسهل على الناقد أن يتطرق إلى أدب حنا مينة من الناحية اللغوية والفنية والشكلية أو ما يعرف " بالمدرسة الشكلية " Formalism ؛ ولكن من المؤكد، كما أنه من الجلي، سيصعب علينا أن نبتعد عن الواقع الذي ينقله حنا مينة إلى كل رواياته. فتارة نعثر عليه شخصية بطلة في الرواية، وتارة نجده مراقبا لشخصياته عن بعد ولكن يتدخل، بين كل لحظة وأخرى، ليبدي رأيه بواقعه.
رواية حنا مينة تعيش طويلا لأنها جزء من التاريخ والحياة. وشخصياته المتنوعة، الميتة، الحية، الواقعية أو الأسطورية، موجودة معنا في حياتنا. لذا، لن يكون سهلا أبدا أن نقرا أدبه في مقالة، وذلك لأن هذا الكم الهائل من الإبداع يحتاج لوقت طويل من البحث والدراسة وقدر كبير من الوعي.
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف