ثقافات

المسكوت عنه في البحث العلمي الرقابة الذاتية ليست في الفن والثقافة والفكر فقط قانون بقاء المادة كافر.. الله سيسألنا عن حسن ديننا وليس عن الفيزياء والكيمياء والرياضيات

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
أحمد عبدالعزيز
&
&
لا تزال قضية حرية البحث العلمي من "المسكوت عنه" في العالم العربي. ولعل الرقابة بنوعيها على هذا النوع من النشاط البشري تشكل منطقة الفراغ البشع أمام الباحثين. الرقابة الخارجية من جانب المجتمع تحت ستار الدين والأخلاق والعادات والتقاليد، والرقابة الداخلية-الذاتية للباحث نفسه الذي يتربى في مثل هذا المجتمع. غير أن وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث الوهمية تتناول ظاهرة التخلف العلمي في العالم العربي بصورة تدعو إلى المزيد من الدهشة، لأنها دوما تناقش النتائج، وتحاول قدر الإمكان الابتعاد عن الأسباب الحقيقية. فهي دوما تطرح قضايا هجرة العلماء العرب إلى الغرب، ونبوغ الباحث العربي عندما تتوافر له الإمكانيات، كيفية رصد الميزانيات الخاصة بالبحث العلمي، وبناء المعامل والمختبرات. بل وأحيانا يذهب البعض إلى أهمية التربية العلمية من المدرسة والجامعة، والاهتمام بالمواهب والقدرات العلمية. كل هذه النتائج تشكل المادة الأساسية التي تجترها وسائل الإعلام العربية ونشرات مراكز الأبحاث، وأحاديث أساتذة الجامعات في وسائل الإعلام لدرجة أن الأسباب الحقيقية أصبحت من الأمور المحرمة، وإن كان البعض يتناولها على استحياء، أو يتعرض لـ "الذبح" إذا جاهر بها.
عندما أعلنت كل من الهند وباكستان عن قدراتهما النووية، حدثت حالة من الخلخلة" في الأوساط العلمية والإعلامية في العالم العربي. وتساءل الكثيرون: كيف؟ وذهب البعض إلى أن الفضل يعود إلى الولايات المتحدة في حالة باكستان، وإلى الاتحاد السوفيتي ومن بعده روسيا في حالة الهند. وانتهى الأمر. ورأى الكثيرون أن قدرات باكستان سوف تعزز قدرات العالم الإسلامي، فأطلقوا على قنبلتها النووية اسم "القنبلة النووية الإسلامية". الحديث يدور هنا عن أن الهند وباكستان بدأتا مشروعهما النووي عام 1975. وخلال ربع قرن بالتمام والكمال أعلنتا عن نتائج جهودهما في هذا المجال. أما مصر، على سبيل المثال، فقد بدأت مشروعها النووي عام 1958 بمساعدة الاتحاد السوفيتي، ووصل هذا المشروع إلى نتائج متواضعة تماما. هذه مجرد مقابلة فقط، وليست دعوة إطلاقا إلى تطوير القدرات النووية أو العمل على إنتاج أسلحة الدمار الشامل، لأن من قام بذلك، قام به في وقته وانتهى الأمر. بل وتحاول الكثير من الدول تقليص قدراتها النووية الكلاسيكية لتوسيع المجال لقدرات أخرى أكثر تطورا. وكما هو معروف، فعادة ما يجري تطوير مجموعة من الدراسات والأبحاث العلمية النظرية الأخرى غير العسكرية وغير الحربية أثناء عمليات البحث العلمي في المجالات النووية والذرية. ومع الوقت تدخل هذه الدراسات والأبحاث النظرية إلى حيز التنفيذ، وفي أسوأ الأحوال يمكن أن تظل في طريقها النظري. ولكن حتى عندما تبقي في دائرتها النظرية، فهي في كل الأحوال مفيدة في حقل التعليم المدرسي والجامعي، على الأقل كتمارين رياضية ذهنية تدفع إلى المتابعة والوقوف على آخر ما وصلت إليه الأبحاث العلمية في مختلف المجالات، ولو على الأقل أيضا نظريا.

ولكن ما هو "المسكوت عنه" بالضبط في البحث العلمي في العالم العربي؟
سأذكر حادثتين فقط يمكن أن نستشف من خلالهما جملة من الأسئلة. هاتان الحادثتان مرتبطتان بالدرجة الأولى بعملية الرقابة الخارجية والذاتية اللتين تحدثنا عنهما في البداية.

قانون بقاء المادة والطاقة..
في السنوات الأخيرة من المرحلة الثانوية، كان قانون "بقاء المادة" يشكل عصب الفكرة العلمية للفيزياء الحديثة (الحديثة طبعا بالنسبة لما يتم تدريسه في العالم العربي، ولكنها أصبحت من الكلاسيكيات في الغرب). والقانون ببساطة يقول أن "المادة لا تفنى ولا تستحدث من العدم". تلاميذ الصفوف الأخيرة بالمدرسة يحفظون هذا القانون عن ظهر قلب، ويتعرفون على بعض الأمثلة التي يذكرونها في إجاباتهم إذا ما جاء سؤال بهذا الشأن في الامتحانات. ولكن الذين يلتحقون منهم بكليات علمية يصطدمون بأول كارثة: هذا القانون ناقص، وتم تدريسه في المدرسة بهذا الشكل من أجل تسهيل فهمه للتلميذ الصغير، ولكن الأمر الآن يختلف.
ومن جديد يبدأون تدريس القانون بشكل آخر أكثر اتساعا يستلزم طبعا التغيير في صيغته. تبدأ العملية من الطبيعة الازدواجية للمادة، أي إنه لا توجد مادة منفصلة هكذا وتعيش بمفردها في الوجود. هناك مادة/طاقة. والمادة/الطاقة طبيعتان لشئ واحد. هكذا قال "دي برولييه" في قانونه، وأثبته طبعا. وبالتالي فالقانون أصبح يسمى قانون "بقاء المادة والطاقة"، وينص على أن "المادة والطاقة لا تفنيان ولا تستحدثان من العدم، وإنما تتحولان من شكل إلى آخر". من هنا يبدأ طالب السنوات الأولى في كلية العلوم، مثلا، بقسم الفيزياء دراسة ميكانيكا الكم.
وبينما الطلاب يجتهدون ارتكازا إلى ما يقولونه لهم في بداية التحاقهم بكلية العلوم: "نحن هنا نتعامل مع علماء، وهنا نجهز علماء المستقبل"، يبدأون في ارتياد المكتبة، والتفحيص والتمحيص، وإعطاء الأسئلة التي تبدو ساذجة، ثم تعجيهم بعض الأمور الذهنية اللطيفة، فيبدأ كل منهم يناقش ويثير التساؤلات، فيلجأ البعض إلى مجلات الحائط، والبعض الآخر إلى كتابة الأبحاث البسيطة جدا والبدائية جدا. غير أن هذه الجهود كلها هي عملية طبيعية للغاية وصحية مائة بالمائة، ومقدمة لعملية أكثر جدية تهم مستقبل أولئك الطلاب، ومستقبل البلاد أيضا.
عندما أعجبتنا مجموعة الأمثلة والصور التي غرقنا فيها بخصوص المادة/الطاقة، أعلنا عن صدور مجلة "البعد الرابع". وباعتبارنا طلاب قسم الفيزياء بالكلية، فقد اخترنا اسم المجلة من حقل تخصصنا، وإمعانا في الإعلان عن عبقرية إينشتاين، وإضافته للزمن كبعد رابع إلى الأبعاد الثلاثة الكلاسيكية. وعقب صدور أحد الأعداد الذي تناولنا فيه قضية الطاقة والمادة، والزمن، استدعانا رئيس قسم الجيولوجيا. ذهب ثلاثة فقط من الذين حرروا العدد. أغلق الرجل غرفته. دعانا للجلوس. قال: ما هذا التخريف الذي تكتبونه؟ كيف لا تفني المادة ولا تستحدث من العدم؟ من يحشو رؤوسكم بهذا الكلام الفارغ؟ هذا القانون "كافر"، وتدريسه حرام في حرام! معنى ذلك أن الله وُلِدَ، وهذا يتعارض مع سورة "الصمد". الله لم يلد ولم يولد، وهذا القانون كافر!
نظرنا إلى بعضنا البعض. لم تكن هناك أية إمكانية للمناقشة. مناقشة المدرس أو المعيد من المحرمات في الجامعات العربية، فما بالك بمناقشة رئيس القسم!
خرجنا بقرار مفاده أن العدد الموجود من "البعد الرابع" هو آخر عدد وانتهى الأمر.

حسن الدين والفيزياء والرياضيات..
انتهينا من الدراسة. لم يتخرج لا علماء ولا يحزنون. خرج كل منا للبحث عن عمل في مدرسة ابتدائية أو إعدادية. تشعبت الطرق وافترقت. وصار الجميع يمارسون أعمالا لها علاقة بأشياء كثيرة إلا الفيزياء والرياضيات والعلوم. في عام 2001، قام أحدنا، وهو الذي عمل في مجال الصحافة، بإجراء حوار مع شخص يحتل مركزا مرموقا في سلك التعليم بالمراحل الأولى، أي التعليم ما قبل الجامعي. هذا الرجل حاصل على الماجستير، وكان يعمل وقتها برسالة الدكتوراه. وكان منصبه يحتم على إجراء مثل هذا الحوار الهام. وعندما أثير سؤال: يحتج بعض أولياء الأمور على أن غالبية المادة التي تتضمنها البرامج الدراسية عندكم، هي في الأساس مواد دينية من تهاذيب، وسير، وأحاديث، وشريعة، وتفسير، ونحو، وصرف.. ما هي بالضبط مساحة المواد العلمية في برامجكم التعليمية؟ أجاب الرجل بسؤال: ماذا تقصد بالضبط بالمواد العلمية؟ أجاب الصحفي: الرياضيات والفيزياء والكيمياء والمعلوماتية.. فقال الرجل: نحن ندرس العلوم، أليس الحديث والشريعة والتفسير علوما؟! إنها علوم الدين، ومع ذلك فنحن ندرس إلى جانبها بعض الأمور العلمية الأخرى من الرياضيات والفيزياء والأشياء التي ذكرتها في سؤالك، ففي نهاية الأمر لن يسألنا الله عن دراستنا للفيزياء والكيمياء، ولكنه سيسألنا عن حسن ديننا.
خرج الصحفي من غرفة الرجل بنفس ذلك الإحساس الذي خرج به منذ أكثر من 20 عاما مضت من غرفة رئيس قسم الجيولوجيا بإحدى كليات العلوم. وللعلم فرئيس قسم الجيولوجيا هذا، وبالذات، أصبح بعد عدة سنوات عميدا لكلية العلوم!!!!
هنا يجب أن نعترف ببعض الأمور الهامة والتي نتفق فيها تماما مع ما يتم الإعلان عنه والتصريح به: توجد معامل، ومباني، ومراكز أبحاث، ومجلات علمية. وترصد بعض الدول ومؤسسات البحث العلمي والجامعات ميزانيات لما يطلقون عليه البحث العلمي وتنمية المواهب والقدرات. كل ذلك موجود بدرجات مختلفة، ولكن هل هو موجود بالمواصفات المطلوبة، تلك التي تعمل فعليا على تطوير البحث العلمي؟ وإذا كانت هذه الأمور موجودة، إذن فما هي العوائق والمشكلات التي تقف في سبيل التقدم العلمي؟ المثالات السابقان يلقيان بظلال الشك على الجهود المبذولة لتطوير البحث العلمي في العالم العربي، ويثيران تساؤلات حول "المسكوت عنه" في هذا المجال.
وسائل الإعلام تركز فقط على حرية الإبداع. وكلمة حرية "الإبداع" أصبحت مجرد "صندوق أسود" لا يتضمن إلا الإبداع الفني والثقافي والفكري. وسائل الإعلام تركز على حرية "الكلمة"، وكأن "الكلمة" هذه مقتصرة فقط على (المسرح والشعر والقصة والرواية والأبحاث والدراسات الدينية والاجتماعية والسياسية). نعرف أن هذه الكلمات عامة وتتسع لكل أنواع "الإبداع" و"الكلام"، بما في ذلك العلوم النظرية والتطبيقية والتجريدية. ولكن، ووفقا لسياسة التعليب الإعلامية، حدث وأن تحول "الإبداع" و"الكلمة" إلى مصطلحين منقوصين، وإلى شعارين يخدمان على مجالات محددة لا تتسع لأمور أخرى مثل الفيزياء والكيمياء والرياضيات. الأكثر إثارة للتساؤلات، هو كلمة "الإمكانيات": العلماء العرب يبدعون في الغرب عندما تتوافر لهم "الإمكانيات"! ما هذه الكلمة "السحرية"؟ وماذا تتضمن من عناصر؟ هل هي الإمكانيات المادية فقط؟ هل هي الميزانيات والأجهزة؟ بعض الدول العربية الغنية لديها مثل ذلك وأكثر، ومن ليس لديه، فهو يمتلك القدرة على توفير ذلك. إذن فما هي هذه "الإمكانيات" بالضبط؟ أحيانا تفاجئنا المؤسسات التعليمية والعلمية ومراكز الأبحاث ووسائل الإعلام بأخبار وأنباء غريب من قبيل "تم بنا وتشييد مبنى كذا وكيت.."، و"تم تزويد المعامل والمختبرات بأحدث الحاسبات الآلية وأجهزة الـ.."، و"طالب سعودي اخترع مقشة كهربائية لانتقاء الصراصير.."، و"طالبة مصرية أصلحت خطأ فظيعا لنيوتن، وأضافت رمزا لإنشتاين وهيجنز.."، و"باحث سوري نجح في تصميم أقفال إلكترونية."، و..و..و.. ولكن لا يزال "المسكوت" عنه قيد "السكوت".

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف