بين المسرح القروي وملحمة الأرز المجيدة كونديرا ومأزق الراقصين الصغار، والكبار أيضا
قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
أما الراقص الكبير فهو يستخدم "جوقة الراقصين الصغار"، وخاصة الذين تحولوا من سياسيين/راقصين إلى راقصين فقط يتحدثون في السياسة بمصطلحات لطيفة، ويبعدون عن أنفسهم ليس فقط أفكارهم القديمة، وإنما يتنصلون من علاقاتهم بحجة أنهم يعملون في أماكن "حساسة". وهذه الأماكن الحساسة هي تلك المساحة الضيقة الخربة من ذلك المسرح القروي الصغير.
ولكن قبل أن نقرأ بتمعن مقاطع من رواية "البطء"، من الممكن أيضا أن ننعطف يمينا أو يسارا، أي نتسلل حثيثا إلى مدخل يمهد لنا الطريق إلى نص كونديرا بشأن الرقص والسياسة، والعلاقة بين الراقص والسياسي.
&
بوش وديستويفسكي
&
بوش في أفريقيا
في يوليو 2003، ومع تصاعد الجدل حول التقارير الاستخباراتية، سواء الأمريكية أو البريطانية بشأن أسلحة الدمار السامل العراقية ، قام الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن بزيارة "خالدة" إلى قارة أفريقيا المنكوبة بالكوارث الدائمة. وظهر الرئيس الأمريكي على شاشات التلفزيون العالمية والمحلية في كل دول العالم وهو يمارس أحد أنقى وأروع وأسمى الطقوس الإنسانية: مساعدة الفقراء والمنكوبين
كانت التقارير التلفزيونية المتوالية عن رحلة الرئيس بوش الخالدة إلى أفريقيا، تمثل ترجمة حرفية لمشاهد من رائعة كونديرا "البطء"، وكأن الرجل كان يرى كل ذلك قبل أن يقع بسنوات طويلة، وهذا هو-مرة أخرى-سحر الأدب.
&
بوش وكونديرا
كان من الطبيعي جدا أن يهب الأطفال وحدهم للتمرد على قسوة الكبار، وبكل عفوية الأطفال بدأوا تلك الحملة الشهيرة "أطفال أوروبا يرسلون الأرز إلى أطفال الصومال" الصومال! طبعا! هذا الشعار الشهير هو الذي ذكرني بالاسم الذي نسيته. ياه!
كان يتم تجميع الأرز في المدارس وينقل إلى الموانئ ويحمل في البواخر المتجهة إلى أفريقيا، وكان الكل يتابع ملحمة الأرز المجيدة.
في ثمانينات هذا القرن صُدِمَ العالم بوباء يسمى الأيدز، الذي كان ينتقل عن طريق الاتصال الجنسي، والذي انتشر بداية بين الشواذ. وللوقوف ضد المتعصبين الذين كانوا يعتقدون أن الوباء كان نوعا من العقاب السماوي ويتجنبون المرضى كما لو كانوا يحملون الطاعون، قام بعض المتسامحين ليعبروا عن روح الأخوة مع المرضى وليظهروا للناس أن لا خطر من صحبتهم. والذي حدث أن "دوبركس" عضو الجمعية الوطنية والمثقف "بيرك" نظما حفل غداء في مطعم شهير لمجموعة من المصابين بالأيدز، وتم كل شئ في جو ودي. ولكي لا تفوته فرصة تقديم مثال جيد، دعا النائب "دوبركس" كاميرات التصوير أثناء تناول الحلوى. لحظة ظهور الكاميرات على عتبة المطعم، نهض من مقعده واقترب من أحد المرضى ورفعه من كرسيه وقبله في فمه وعليه آثار الحلوى التي كان يتناولها. فوجئ "بيرك" بالمشهد وفهم فورا، طالما أن المسألة مصورة، فإن قبلة "كوبركس" سيكتب لها الخلود والشهرة، لذلك وقف في الحال وفكر في أن يقبل هو الآخر أحد المرضى.
في المرحلة الأولى من التفكير قاوم ذلك الإغراء، لأنه لم يكن في قرارة نفسه متأكدا من أن ملامسة فم المريض لا تنقل العدوى. في المرحلة الثانية، قرر أن يتغلب على حذره، مدركا أن لقطة هذه القبلة تستحق المخاطرة، ولكنه فى المرحلة الثالثة وأثناء توجهه نحو الفم الذي يحمل آثار الحلوى واللعاب أوقفته فكرة أخرى أنه لو قبل رجلا مريضا هو الآخر، فلن يجعله ذلك ندا لـ "دوبركس"، بالعكس، سيكون مجرد "دوبركس" مقلد، تابع، وبهذه المحاكاة السريعة فإنه سيضيف مزيدا من الشهرة والتألق لمجد الرجل الآخر ولذلك خمد حماسه واستقر وراح يبتسم في تفاهة! ولكن لحظات التردد تلك كلفته الكثير لأن الكاميرات كانت هناك لتفضحه
وهكذا جاءت حكاية الأطفال الذين يجمعون أكياس الأرز للصومال لكي تنقذه في الوقت المناسب، فكان يستغل كل فرصة ليجلد الجمهور بالقول المأثور: "الأطفال فقط هم الذين يعيشون الصدق" ثم سافر إلى أفريقيا لكي تلتقط له الصور وهو يقف بجوار طفلة سوداء تحتضر ووجهها يغطيه الذباب. اشتهرت الصورة في العالم كله، أكثر من شهرة صورة "دوبركس" وهو يقبل مريض الأيدز، لأن طفلة تموت تساوى أكثر من شخص بالغ يموت، وهى حقيقة واضحة تدل على أن الوقت لم يكن في صالح "دوبركس" ولكن الرجل لم يعتبر نفسه مهزوما وبعد أيام قليلة يظهر على شاشة التلفزيون كمسيحي محافظ على دينه، كان يعرف أن "بيرك" ملحد، الأمر الذي جعله يفكر في إحضار شمعة معه، وهي سلاح يحنى رأسه أمامه أشد الكافرين عنادا، ويخرجها من جيبه أثناء المقابلة التلفزيونية، ويشعلها، بغرض شرير وهو تسفيه اهتمام "بيرك" بالبلاد البعيدة الغريبة، ثم راح يتحدث عن أطفالنا المساكين، في قرانا وضواحينا، ويدعو إخوانه المواطنين إلى الخروج للشوارع، يحمل كل منهم شمعة في مسيرة كبرى تضامنا مع الأطفال الذين يعانون..
يقول "بونتيفان" إن جميع السياسيين هذه الأيام، بداخل كل منهم جزء من الراقص! وجميع الراقصين متورطون في السياسة، الأمر الذي ينبغي ألا يجعلنا نخلط بينهم الراقص يختلف عن السياسي في أنه لا ينشد السلطة بل المجد! ليس ليس لديه الرغبة في أن يفرض على العالم هذا المشروع الاجتماعي أو ذاك، وإنما في أن يستحوذ على المسرح لكي يلمع تحت الأضواء، والاستحواذ على المسرح يتطلب أن تبعد الآخرين عنه، وهذا يلزمه تكتيكات قتالية من نوع خاص. المعركة التي يخوضها الراقص يسميها بونتيفان "الجودو الأخلاقي". الراقص يخلع القفاز للعالم كله: من الذي يستطيع أن يبدو أفضل خلقا (أكثر شجاعة، أكثر لطفا، أكثر إخلاصا، أكثر تضحية بالنفس، أكثر صدقا) منه؟ وهو يستغل كل وسيلة تجعله يضع الآخر في منزلة أقل. وإذا وجد الراقص فرصة ليدخل اللعبة السياسية فسوف يرفض كل الصفقات السرية بطريقة مظهرية (الصفقات التى كانت دائما ساحة اللعب للسياسة الحقيقية) وبينما يستنكرها باعتبارها مضللة وغير شريفة ومنافقة وقذرة ، فإنه يضع مقترحاته علنا على المنصة ويغنى ويرقص، وسوف يدعو الآخرين بأسمائهم ليفعلوا نفس الشىء.
وأؤكد: لا يفعل ذلك بهدوء (يعطى الآخر وقتا للتفكير ومناقشة المقترحات الأخرى) بل علنا وإن أمكن بطريقة مفاجئة "هل أنتم مستعدون الآن (مثلي) أن تتنازلوا عن راتب شهر أبريل لصالح أطفال الصومال؟" ولا يكون أمام الناس الذين تأخذهم المفاجأة سوى أحد خيارين: إما أن يرفضوا ويظهروا بمظهر أعداء الأطفال، أو أن يقولوا "نعم" مع عدم ارتياح مخيف، من المؤكد أن الكاميرا سوف تفضحه بطريقة شريرة كما فضحت تردد "بيرك" المسكين في نهاية حفل الغداء على شرف مرضى الإيدز.
قد تنشأ ظروف (في ظل الديكتاتوريات مثلا) عندما يكون من الخطر أن تتخذ موقفا معلنا. بالنسبة للراقص، الأمر أقل خطورة عنه بالنسبة للآخرين، لأنه عندما يدخل دائرة الضوء ويكون مرئيا من جميع الزوايا، يصبح في حماية اهتمام العالم من حوله، ولكن هناك معجبيه المجهولين الذين يستجيبون لمواعظه، ونصائحه الرائعة الخرقاء عن طريق توقيع البيانات وحضور الاجتماعات الممنوعة والتظاهر في الشوارع، هؤلاء الناس سوف يعاملون بلا رحمة، ولكن الراقص لن يستسلم للإغراء العاطفي ويلوم نفسه على ما جلبه لهم، معتقدا أن الهدف النبيل أهم من هذا الفرد أو ذاك. ويعترض "فانسان" على "بونتيفان": الكل يعرف أنك تكره "بيرك" ونحن معك في ذلك، ولكن حتى وإن كان غبيا وحمارا إلا إنه قد ناصر قضايا نعتبرها نبيلة، أو إن شئت دعنا نقول إن غروره هو الذي ناصرها. وأنا أريد أن أسألك: إذا كنت تريد أن تدخل ساحة الحوار العام وتجتذب الانتباه نحو خطر أو خوف ما، أو تساعد إنسانا يعانى من الاضطهاد فكيف تفعل ذلك اليوم دون أن تكون راقصا أو دون أن تبدو كذلك؟
ويجيب "بونتيفان" الغامض: مخطئ إن أنت تصورت إنني أقصد الهجوم على الراقصين، أنا بالعكس أدافع عنهم، وأي شخص يكرههم أو يحاول أن يشوه سمعتهم سيواجه عقبة لا يمكن تذليلها: لطفهم! الراقص، بتعرضه المستمر للجمهور يعتبر نفسه خال من العيوب، فوق مستوى اللوم، إنه لم يعقد اتفاقا مع الشيطان مثل "فاوست"، بل عقد حلفا مع الملاك يسعى لأن يجعل حياته عملا فنيا، وهذا ما يساعده عليه الملاك، ولا تنس أن الرقص فن أيضا. جوهر الراقص تراه في الهاجس الذي يسيطر عليه بأن حياته تحتوى على مادة للفن، وهو لا يقدم الأخلاق أو الفضيلة من خلال الوعظ، إنه يرقصها!! يتمنى أن يحرك العالم ويبهره بجمال حياته التي يعشقها كما يعشق النحات التمثال الذي يقوم بصنعه!
&
الراقصون الصغار
بعد أن أبدع كونديرا في وصف العلاقة بين الرقص والسياسة، يصبح الأمر تحصيل حاصل بالنسبة للحديث عن الذي يتحول إلى راقص فقط نتيجة لنفس المبررات التي كان يعمل بها في السياسة الراقصة. هو نفسه، ولأنه "بيدق" صغير يعلن عن ذلك في صور مختلفة: تبدأ بمراجعة الذات، وتنتهي بالعمل راقصا سياسيا أو ماشابه ذلك، مرورا بتحولات تثير سخرية أعمق بكثير من سخرية كونديرا.
&
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف