3 سنوات على إغراق محطة "مير" الفضائية و70 على ميلاد جاجارينأمجاد الفضاء الروسي بين الماضي والحاضر
قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
هذا الترابط يحيلنا إلى موضوع أهم، وهو القدرة الفعلية الآنية لروسيا في مجال الفضاء، وخاصة بعد تدمير محطة "مير" الفضائية وإغراقها في المحيط، وتحول روسيا كليا إلى العمل في "المحطة الفضائية الدولية" تحت قيادة الولايات المتحدة وبمشاركة دول أخرى. والغريب أيضا أن "الاحتفال" بإغراق "مير"، أو بالأحرى "تأبين" محطة "مير" الفضائية سيتم في 23 مارس أيضا، أي في نفس الشهر الذي ولد فيه جاجارين، وبعد مولده بـ 14 يوما فقط.
يوري جاجارين
طوال السنوات السابقة كان ذكر رائد الفضاء الروسي وأول إنسان وضع قدمه في الفضاء الخارجي يوري جاجارين يأتي عرضا في عيد رواد الفضاء أو في ذكرى مصمم المركبات الفضائية الروسي الشهير سيرجي كرليوف. ويبدو أن وفاة جاجارين المأساوية أثناء إحدى الطلعات الجوية التدريبية عام 1968 هي السبب الرئيسي الذي لا يزال يلقي بظلال الشك على وفاته ورؤية البعض لها على أنها حادثة مدبرة.
ولد يوري ألكسيفيتش جاجارين لأبوين فلاحين بالوراثة في 9 مارس 1934 في قرية كلوشينو بمنطقة سمولينسك بالجزء الغربي من روسيا. انقطعت دراسته الابتدائية مثل كل طلاب الاتحاد السوفيتي عندما هجم النازيون الألمان على بلاده بعد أن اجتاحوا أكثر من نصف أوروبا، ولكنه استطاع أن ينهي دراسته الثانوية عام 1951 ويتقدم إلى معهد ساراتوف للتقنيات لينهيه أيضا بامتياز عام 1955. وفي عام 1957 أنهى كلية تشكالوفسك الجوية الأولى وبدأ الخدمة بالأسطول الجوى الشمالي للاتحـاد السوفيتي. وبداية من عام 1961 تم اختياره للخدمة في مجموعة رواد الفضاء السوفيتية الأولى نتيجة لتمكنه من إنهاء برنامج الإعداد بصورة مذهلة.
في 12 أبريل 1961 قدر ليوري جاجارين أن يدخل تاريخ البشرية من أوسع أبوابه حيث قام بالتحليق على متن المركبة الفضائية السوفيتية "فوستوك" (الشرق) في الفضاء الخارجي لمدة ساعة و48 دقيقة حول الأرض ثم الهبوط بنجاح في منطقة ساراتوف على نهر الفولجا. بذلك حصل جاجارين على أعلى وسام سوفيتي-بطل الاتحاد السوفيتي.
تقول زويا أخت جاجارين: لم نكن نعرف إطلاقا أن "يورا" كان يتدرب لغزو الفضاء الخارجي والسفر هكذا بعيدا. وعندما جاء ليزورنا في ربيع 1961 جلس معنا بهدوء كعادته. وداعب ماما بخفة ظله المعهودة. لم يبد عليه أي شئ يشير إلى ما سوف يحدث بعد عدة أشهر. وعند الوداع توجه إلى الأم قائلا: ماما، سوف أسافر قريبا في مهمة رسمية. سألته الأم: بعيدا؟ فرد يورا ضاحكا: أوه.. بعيدا.. بعيدا، في غاية البعد!
سافر "يورا جاجارين" بعيدا بعيدا بمقاييس تلك الأيام. بل وإلى أبعد مسافة يمكن أن يصل إليها إنسان. ربما يكون البعض قد وصل فيما بعد إلى أبعد من تلك المسافة، ولكنها كانت في زمنها أبعد نقطة من نقاط الكون المطروقة واقعيا. وبعد عودته إلى كوكبه لم يسافر "يورا" بعد ذلك "بعيدا". فقد عينوه قائدا لفريق رواد الفضاء السوفيت، وأخذ يشارك بشكل مباشر في إعداد وتدريب الأطقم الفضائية وتعليمها قيادة رحلات المركبات السوفيتية "فوستوك" و"سيوز" و"فوسخود". وفي الفترة من 1964 إلى 1968 عمل نائبا لرئيس مركز إعداد رواد الفضاء. وفي عام 1968 أنهى جاجارين أكاديمية جوكوف الحربية لهندسة الطيران.
كان جاجارين في السابعة والعشرين من عمره عندما أصبح أول رائد فضاء يصل إلى الفضاء الخارجي. في هذه السن المبكرة نسبيا بدأ "يورا" نشاطه الاجتماعي-السياسي واستطاع أن يصبح عضوا بمجلس السوفيت الأعلى للاتحاد السوفيتي وشارك بنشاط ملموس في المؤتمرين السادس والسابع. ثم أصبح بعد ذلك عضوا باللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي وشارك أيضا في مؤتمريه الرابع والخامس عشر. وفي 27 مارس 1968 قام بطلعة تدريبية تحطمت على أثرها طائرته ورحل في سن الرابعة والثلاثين. حتى الآن لا يزال التحقيق مستمرا في ملابسات سقوط طائرته. وبين الحين والآخر يعلو الهمس بأن موته كان مدبرا! ورغم بوادر التعتيم أحيانا والتفخيم في أحيان أخرى إلا أن جاجارين استطاع أن ينافس لينين من حيث عدد التماثيل وأسماء المدن والأحياء والشوارع والمؤسسات التي أطلق اسمه عليها. ولعل تمثاله في موسكو أحد أضخم وأعلى التماثيل الروسية على الإطلاق.
بعد وفاته تغير اسم قريته إلى قرية "جاجارين". ثم أخذ كل شئ في القرية يتلون بلون الفضاء: فإذا كان البناء فندقا سمي "فوستوك"، وإذا كان حانوتا سمي "ضوء القمر" ومع التغيرات الأخيرة وانتشار شركات السياحة التي لم يكن لها وجود في الاتحاد السوفيتي، أطلقوا على مكتب السياحة في القرية "جاجارين تور"!
حكاية "مير"
بحلول عام 2000 بدأت الأوساط الإعلامية والعلمية في روسيا والولايات المتحدة ودول أوروبا التركيز على ملف المحطة الفضائية المدارية السوفيتية "مير". بدأ التركيز على الملف وليـس فتحه، لأنه فتح قبل ذلك بعامين أو ثلاثة حين بدأت تتناثر أنباء متفرقة لجس نبض الرأي العام الروسي. وخلال هذين العامين تم التمهيد جيدا للتركيز على الملف للانتهاء منه خلال 15 شهرا، وبالضبط في التاسعة من صباح 23 مارس 2001 لتتم أكبر عملية تضليل تاريخية هي التعبير الأدق على ما يحدث في العالم الآن من تغيرات، والتعبير الأعم بالنسبة لاندثار أو تلاشى أو تدمير الحضارات القديمة، لأن "مير" كانت من حيث التكوين لا تعبر فقط عن حضارة، وإنما كانت في حد ذاتها حضارة كاملة بكل معاني الكلمة: على المستوى التقني والمستوى الحضاري الإنساني.
تطرقت وسائل الإعلام الروسية والغربية إلى مجموعة في غاية الأهمية والخطورة من حيث التعبيرات التي بدأت بـ "تحجيم" عمل المحطة، و"تقليص" طاقتها، و"إنزالها" من مدارها تدريجيا، و"تدميرها"، وفي النهاية "إغراقها" في المحيط. وكان التعبير العام لكل هذه العملية التاريخية التي استغرقت دقائق معدودة هو "الإغراق". والإغراق هنا يمكن أن يكون بالماء أو الرمال أو بشىء آخر يزيح الأول عن العين، ثم من الذاكرة البشرية ليجعله مجرد "تاريخ". غير أن التحولات الجارية حاليا في العالم تأخذ بعين الاعتبارا أمرا في غاية الأهمية: "من غير المعقول أن يعيش البشر بدون ذاكرة"، وبالتالي يجب "هندسة" هذه الذاكرة ليفخر العرب مثلا بحضارتهم العربية الإسلامية في القرن الرابع الهجري، ويفخر المصريون بأهراماتهم، وتفخر الصين بسـورها العظيم، ويفخر العراق ببرج بابل واختراع الكتابة المسمارية، ويتباهى الروس بمجدهم السوفيتي العظيم وحضارة "مير".
"مير" حضارة إنسانية-علمية أم مجرد محطة!
بعد مسابقة طويلة انتهت تصفياتها بـ 30 تسمية فقط، استقر السوفيت على اختيار اسم "مير" (السلام) ليطلقوه على محطتهم الفضائية التي صممت خصيصا من أجل الأهداف العلمية السلمية فى الفضاء. وفي 20 فبراير 1986 انطلقت "مير" إلى الفضاء الخارجي. وخلال 15 عاما من التحليق قامت المحطة بعمل 86200 دورة حول الأرض، ووصل وزنها خلال تلك الفترة إلى 140 طنا بما فيها المعدات العلمية التي يصل وزنها إلى 14 طنا. وتم إجراء أكثر من 30 ألف بحث علمي على متنها، ووصل عدد رواد الفضاء الذين عملوا عليها حوالي 104 رائدا من 20 دولة.
كان أول معرفة الفرنسيين بالفضاء على متن "مير" عندما حلق أربعة من رواد الفضاء الفرنسيين بينهم أول رائدة فضاء فرنسية هي كلودي أندري دزي. وبالمناسبة أثناء التحضير لتلك الرحلة تعرفت كلودي في ضواحي موسكو (حيث مدينة النجوم) على رائد الفضاء الفرنسي جان بيار أنيري الذي أصبح زوجها فيما بعد.
كانت "مير" مصممة لتبقى في الفضاء 3 سنوات فقط. ولكن التقدم العلمي الفضائي السوفيتي استطاع أن يجعلها تضرب رقما قياسيا في التحليق المدارى المتواصل لمدة 15 سنة. ومن الصعب، وفقا لآراء الخبراء، أن يتكرر هذا الرقم القياسي. وخلال هذه الفترة انضمت إلى "مير" مجموعة من النماذج الفضائية لتجعلها أحد أضخم المراكز العلمية-البحثية في جميع المجالات العلمية بما فيها الجيولوجيا والبيولوجى والجغرافيا. ففي أبريل 1987 التحق بها النموذج "كوانط "، و"كوانط 2" في ديسمبر 1989، و"كريستال" في يونيو 1990، و"سبكتر" في يونيو 1995، و"بريرودا" في أبريل 1996. وخلال تلك الفترة أيضا التحمت بالمحطة حوالي 80 مركبة فضاء مخصصة لشؤون النقل، إضافة إلى أن مركبة الفضاء "سيوز-ت. م" التي كانت تطير كل 5-6 أشهر لتغيير الطاقم.
أما الأرقام القياسية التي حققها علم الفضاء السوفيتي ومحطة "مير" على وجه الخصوص فلا تخطر على عقل. فقد كان الاتحاد السوفيتي أول دولة في العالم ترسل معدات إلى سطح القمر، وأول دولة تحصل على معلومات من الفضاء. كانت فالنتينا تيريشكوفا أول امرأة ترسل إلى الفضاء، وكان ألكسي ليونوف أول رائد يخرج من المركبة إلى الفضاء المفتوح، وكان الاتحاد السوفيتي أول من أجرى تجارب في حالة انعدام الوزن. وفي عام 1961 أرسلت موسكو أول محطة فضاء "سيوز 1" إلى المدار، فجاءت الأرقام القياسية التالية: أطول مدة بقاء في الفضاء والتي أمضاها الطبيب فاليري بولياكوف، وبلغت 437 يوما و17 ساعة ليثبت إمكانية تحليق الإنسان إلى المريخ. وبعد ذلك أمضى سيرجي أفدييف 742 يوما في 3 رحلات أخري.
بداية سيناريو الإغراق
في بداية يناير 2001 أعلن نائب رئيس الحكومة الروسية إيليا كاليبانوف عقب اجتماع مجلس الوزراء أن الحكومة الروسية أقرت صرف مبلغ 750 مليون روبل لإطلاق مركبتي شحن من طراز "بروجرس" إلى المحطة الفضائية المدارية "مير". وأشار كاليبانوف إلى أن إطلاق هاتين المركبتين ضروري بغض النظر عن القرار الذي سيتخذ لاحقا بشأن التخلص من المحطة.
كان النشاط الشمسي العالي قد بدأ يؤثر على ارتفاع المحطة الفضائية الضخمة التي باتت تنخفض بوتائر أسرع من المعتاد (بمقدار 300-500 مترا في اليوم الواحد). وبالتالي أصبح من الضروري رفع مدار المجمع الفضائي لاعتبارات أمنية بصرف النظر عن قرار الحكومة الروسية بإغراقها أم لا.
في هذا الإطار انطلقت مركبة شحن من طراز "بروجرس" لترفع المحطة بمقدار 15 كيلومترا لضمان مواصلة تحليقها إلى نهاية فبراير 2001 ريثما يتم اتخاذ القرار بشأنها. المثير في الأمر أن الروس قاموا باستعارة المركبة "بروجرس" من المحطة الفضائية الدولية الأمر الذي أغضب الجانب الأمريكي. ومن ناحية أخرى كان الخبراء الروس قد بدأوا فعليا في إعداد برنامج التخلص من "مير" وإغراقها في المحيط. ولعل العائق الوحيد الذي كان يقف أمام تحقيق هذا المشروع هو رصد المبالغ الضخمة اللازمة لذلك. وهذا ما يجعلنا نعقد المقارنة بين القدرة الاقتصادية لروسيا والتي أثرت تأثيرا سلبيا في سرعة إنقاذ طاقم الغواصة الذرية "كورسك" التي غرقت في أغسطس 2000 في بحر بارينتس.
وبالنسبة للمحطة الفضائية المدارية "مير" فمن المعروف أن وزنها يصل إلى 140 طنا ومن المستحيل تفكيكها وإنزالها إلى الأرض وهو الأمر الذي يشكل خطورة كبيرة ليس فقط على روسيا والدول المجاورة. أما الاحتمال الآخر هو ضرب المحطة بصواريخ أو تركها في الفضاء. ولكن في الحالة الأولى سوف تبقى الكثير من المخلفات التي يمكنها أن تعيق سفن الفضاء الأخرى أو أي مشاريع فضائية مستقبلية. وفي الحالة الثانية سوف يتكلف ترك المحطة في الفضاء مبالغ باهظة يمكنها إجهاد الاقتصاد الروسي المتدهور أصلا.
وتوصل الخبراء الروس إلى قرار مبدئي بإطلاق مركبتي شحن من طراز "بروجرس" من أجل خفض مدار المحطة التي ستدخل الطبقات الكثيفة من الغلاف الجوى على ارتفاع 80 كيلومترا ليحترق الجزء الأكبر منها. أما البقية فسوف تسقط في منطقة مقفرة بالمحيط الهادي. في ذلك الوقت لم يفكر أحد في مصير العاملين في المؤسسات المرتبطة بهذه المحطة والذين بلغ عددهم آنذاك 80 ألف شخص وهو الأمر الذي شكل صعوبة اجتماعية أخرى أمام الحكومة الروسية نظرا لارتفاع كفاءة هذا العدد الضخم من الخبراء والذين يمكن أن يهاجروا إلى الخارج كما حدث في النصف الأول من التسعينات حينما نزح عدد هائل من العلماء والخبراء الروس ذوى الكفاءات العالية من روسيا إلى أوروبا وأمريكا وإسرائيل.
اقتراحات بشراء المحطة
آنذاك قامت شركة "مير كورب" الفضائية الدولية بتقديم اقتراح بتوفير الأموال اللازمة لمواصلة عمل محطة "مير". وبالفعل دبرت مبلغ 41 مليون دولار لتمويل رحلة السفينة "سيوز" وسفينتى الإمداد "بروجرس-إم 1" إلى المحطة. وتعهدت بتدبير مبلغ 10 مليون دولار قبل منتصف نوفمبر 2000 من أجل إطلاق سفينة الإمداد "بروجرس-إم 43". ورأت الشركة إنه من الممكن طرح سندات بمبلغ 100 مليون دولار من أجل ضمان عمل المحطة لسنوات طويلة قادمة. ولعل شهادة أول رائد فضاء أوكراني ليونيد كادينيوك تعتبر وثيقة تاريخية في هذا الإطار حيث أكد أن محطة "مير" لا تزال آمنة ولا تشكل أية خطورة لا على الفضاء ولا على الأرض، وبالتالي يمكنها أن تعمل 15 عاما أخرى. وهي-حسب قوله-ثمرة التقدم العلمي-التقني على المستوى العالمي ويجب أن يهرول العالم إلى إنقاذها. فبعد 15 سنة يمكن استخدامها أيضا كمركز أبحاث ثابت في الفضاء. وفي تصريح لمدير الوكالة الفضائية الروسية يورى كوبتييف أكد أن ساعة الصفر لإغراق محطة "مير" الفضائية الروسية قد تحددت نهائيا في الساعة 9 من صباح 23 مارس 2001.
كان موعد التخلص من المحطة الشهيرة قد تأجل عدة مرات بداية من 6 مارس 2001 لأسباب غير معروفة. وفي الوقت الذي أعلن فيه المسؤولون الروس أن أحد أهم أسباب التأجيل المتكرر لإغراق المحطة هو عدم وصولها إلى المسافة المحددة من سطح الأرض، كشف جهاز رئيس مجلس الدوما الروسي آنذاك جينادى سيليزنيوف عن رسالة الشركة الأمريكية "إنفوتلسيس إنك" إلى الحكومة الروسية تعرض فيها استعدادها لدفع 100 مليون دولار لشراء المحطة وتحويلها إلى شبكة اتصالات جديدة عبر الأقمار الصناعية. وأوردت الشركة الأمريكية في فقرة من رسالتها مناشدة سيليزنيوف لرئيس الوزراء النرويجي ينس ستولتنبرج الذي يطلب فيها تخصيص 70 مليون دولار للشركة الأمريكية من أجل شراء محطة "مير" الفضائية نظرا لعدم امتلاكها المبلغ كاملا. وفي ما تعالت أصوات العديد من الأحزاب السياسية منادية بالإبقاء على المحطة نظرا لإمكانيتها على العمل لعشر سنوات أخرى، وإمكانية رفع مدارها بكميات الوقود الموجودة فيها حاليا إلى أن يتحسن الوضع الاقتصادي لروسيا، وصف مدير الوكالة الفضائية كوبتييف أصحاب هذه الآراء بالجهلة مؤكدا أن "مير" قد استنفدت جميع إمكانياتها خلال 15 سنة عملت فيها بشكل جيد. ورأى كوبتييف أن على روسيا التخلص من محطة مير الفضائية بهدف التفرغ تماما لبناء القسم الروسي بالمحطة الفضائية الدولية مبررا ذلك بعدم وجود ضرورة لوجود محطات فضائية خاصة بروسيا.
لكم حرية الاعتراض، ولنا حرية الإغراق!
قال المصمم العام لشركة "إنرجيا" الروسية يورى سيميونوف أن "وحدات البحث على متن المحطات "كوانط-2 " و"كريستال" و"بريرودا" قادرة تماما على العمل، ويبقى فقط استبدال وحدة "سبكتر" بوحدة جديدة من أجل استمرار عمل المحطة بشكل طبيعي ولمدة طويلة أخرى". ورأى بعض المختصين أن المحطة "ليست فقط تعبيرا عن الأولوية في مجال الفضاء، بل رمز لقوة روسيا وضمان أمنها القومي، لأن الولايات المتحدة لن تعطى روسيا الحرية الكاملة على متن المحطة الفضائية الدولية، وبالتالي فقرار التخلص منها غير مبرر وخاطئ". والمعروف أن المحطة الفضائية الدولية تعمل بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وتشارك فيها 18 دولة منها روسيا.
الطريف في الأمر أنه في الوقت الذي رأى فيه يوري كوبتييف عدم ضرورة أو أهمية وجود رواد فضاء في المدار وبشكل مستمر، كانت الولايات المتحدة ترى منذ عام 1983 ضرورة إنشاء محطة مدارية تعمل باستمرار, وكان من المفترض أن تقوم وكالة "ناسا" الأمريكية بالانتهاء من هذا المشروع عام 1993. ولكن المشروع لم ينفذ إلا بعد أن شاركت فيه روسيا بخبراتها الفضائية. ولكن توجهات واشنطن في "الاستفراد" بالفضاء الكوني اتجهت بشكل أو بآخر لدفع روسيا إلى التخلص من محطتها القومية "مير" لتصبح إحدى الدول المشاركة في المحطة الفضائية الدولية وبقيادة واشنطن. ناهيك طبعا عن الطروحات الأمريكية الأخيرة بشأن مشاريعها "القومية" في كل شئ حتى في مظلة نووية تحمي أمنها القومي فقط. المفارقة هنا هو قدرة الولايات المتحدة على الوصول إلى إقناع الروس وعلمائهم بضرورة التخلص من الأشياء الخاصة والإنجازات التاريخية والتخلي عما يسمي "بالقومي" خلال 10 سنوات فقط. فقد أصبح كل ما يسمي بـ "القومي" بما فيه طبعا الأمن القومي أمرا مزعجا ومخجلا وغير ضروري بالنسبة للروس، بينما علت النعرة "القومية" الأمريكية إلى درجة مثيرة للتساؤل. والغريب في الأمر أن روسيا بعثت بمجموعة خاصة من روادها إلى "مير" عام 2000 ونجحوا في تحديث المحطة ليطيلوا عمرها إلى عام 2003 مع إمكانية تمديد الفترة لاحقا. وهو ما دفع 3 من العلماء الروس الحاصلين على جائزة نوبل في الفيزياء هم نيكولاي باسوف وألكسندر بروخوروف وجوريس ألفيروف إلى نشر نداء موجه إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين موضحين فيه مدى خطأ قرار إغراق المحطة التي تحتوى على مجموعة من الأجهزة والمعدات التي كلفت روسيا غاليا ولا تزال صالحة للعمل. وأكدوا علميا أن المحطة الفضائية الدولية ليست أقوى من "مير"، بل العكس على الرغم من التضليل بشأن حالة الأخيرة.
الأغرب في الأمر أن مجلس الدوما الروسي طرح عملية إغراق المحطة للتصويت وكانت المفاجأة أن صوت 262 نائبا بـ (لا)، بينما صوت 34 بـ (نعم). ورغم ذلك قررت الحكومة الروسية التخلص منها، الأمر الذي دفع أعضاء مجلس الدوما إلى التصريح العلني بوجود "طابور خامس" مكون من شخصيات في مبنى الكرملين تعمل مباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية مثلما حدث في عملية الخصخصة التي تمت في بداية التسعينات. أما استطلاعات الرأي التي جرت في 100 مدينة وإقليم روسي، فقد أظهرت أن 27% فقط من الروس مع إغراق المحطة، ويعارضها بشدة 39%، بينما أجاب 34% بعدم معرفتهم بجدوى ذلك من عدمه!
وردا على سؤال من المستفيد من إغراق "مير" أجاب معظم الخبراء الروس والأوروبيين أنه الولايات المتحدة الأمريكية نظرا لأن الاتفاقية حول التعاون في برنامج المحطة الفضائية الدولية تؤكد على دورها البارز والرئيسي في التوجيه المشترك والإحداثيات والاستخدام، وتنص صراحة على أن الولايات المتحدة تخطط وتنسق كل شئ عمليا، وأن أي تعديل قد يدخل في برنامج أي من الدول الـ 18 يتطلب إبلاغ الشركاء الآخرين، ولكن يجب بالضرورة موافقة واشنطن.
الجانب الآخر هو أن الأمريكيين قد ملوا فعليا من عمليات المنافسة في ارتياد الفضاء، ومن الأسهل في ظل المنظومة العالمية الجدية استخدام تجربة الغير، خاصة إذا كانت أغنى وأرخص. فعلى سبيل المثال لا الحصر كانت البعثة التي تعمل على متن المحطة الفضائية الدولية في الفترة التالية لإغراق "مير" تتكون من رائد الفضاء الروسي سيرجي كريكاليف الذي يقف وراء ظهره 4 رحلات فضائية مدتها 483 يوما، والروسي الثاني يوري جيدزينكو الذي يحمل خبرة 179 يوما في الفضاء، بينما قائد الرحلة الأمريكي بيل شيبارد فكل حصيلته 18 يوما في الفضاء.
لم يكن سرا أن برنامج المحطة الفضائية الدولية هو زواج مصلحة بين واشنطن وموسكو. فالأمريكيون يخفضون نفقاتهم من المال والوقت للوصول إلى أعلى المستويات العالمية تقدما، بينما تأمل روسيا في الحفاظ على مستواها السابق في عالم ارتياد الفضاء نظرا لضيق ذات اليد. ومن الطبيعي أن يكون هذا الزواج أكثر ربحا لواشنطن حيث العمل على متن المحطة الفضائية الدولية بالنسبة للروس ليس سوى اجترار وتكرار تم اجتيازه، وهم الآن يمثلون دور المدربين. وليس من المستبعد إطلاقا أن يستأثر "التلاميذ" الأغنياء& بعد مضى 3 أو 4 سنوات بالمحطة كاملة، أو في أحسن الأحوال تهميش دور الروس في الفضاء. ولعل ذلك تحديدا هو ما دفع المدير العام لمؤسسة "روس أفيا كوسموس" الروسية يوري كوبتييف بالاتصال بزملائه الأمريكيين على الفور عقب إعلان الرئيس الأمريكي جورج بوش ليطمئن: "هل ستخرج الولايات المتحدة من "المحطة الفضائية الدولية"، أم ستبقى؟". وعلى الفور أيضا أعلن كوبتييف للرأي العام الروسي وللأحزاب السياسية أيضا، أن الولايات المتحدة لا تنوي الخروج من المحطة الفضائية الدولية. وبذلك يظل كوبتييف أحد مهندسي إغراق محطة "مير"، وصاحب فكرة العمل تحت إدارة الولايات المتحدة في المحطة الفضائية الدولية، محافظا على هيبته أمام الرأي العام والكرملين. لأن انسحاب الولايات المتحدة الآن، سوف يعيد فتح ملف إغراق "مير" ومحاسبة المتسببين.
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف