ملف الشهر/ الحلقة السادسةماذا حلّ بالفلسفةفي العالم العربي
قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
تحولات الفلسفة: من بناء المذهب إلى العقل النقدي
&
&&ما الذي حل بالفلسفة في الوطن العربي؟ سؤال ينطوي على فرضين على الأقل:الأول هو أن الفلسفة قد ساء حالها في الوطن العربي ( بعد أن كان يوما ما مزدهرا) والثاني هو أن ثمة تعريفا متفق عليه للفلسفة (وهو غالبا ما يعرفه الجميع من أن الفلسفة هي حب الحكمة وبالتالي توصيف للعالم بأكمله الطبيعي والإنساني على السواء).
&&فأما بالنسبة للفرض الأول، فإذا كنا نتحدث عن العصر الحديث فما يمكن قوله هنا هو أن التفلسف، بوصفه تفكيرا عقليا مستقلا لفرد إنساني مستقل، يعتبر شيئا غريبا على عقل مثقل بموروث ثقافي تقليدي ضاغط وعلى مجتمع ما زالت بنيته العميقة ما قبل حداثية رغم أن بعض مفردات الحداثة قد اقتحمت سطحه الخارجي ومزقت تماسكه التقليدي.
&ففي مثل ذلك المجتمع، لو حاول بعض الأفراد إنشاء مذهب فلسفي ما، فسيكون ذلك أقرب إلى المحاكاة المصطنعة لبعض النتاج الفلسفي الغربي في عصر مختلف عن عصرنا الراهن( مثل "جوانية" عثمان أمين البرجسونية) أو يكون نقلا صريحا لبعض المقولات الفلسفية الغربية المنتزعة من سياقاتها الأصلية والمترجمة إلى اللغة العربية ترجمة حرفية في كثير من الأحيان( مثل الوضعية المنطقية لدى زكي نجيب محمود).
&&أما إذا كنا نعني بالفلسفة الاهتمام العام بالدراسات الفلسفية وبالتعليم الفلسفي، فبالإضافة إلى المعوقات السالفة الذكر،سنجد معوقات أخرى اكثر مباشرة في تأثيرها لعل أهمها افتقاد مناخ الحرية الفكرية وقيم التعددية و تقبل الاختلاف في الرأي خاصة حينما يتماس الفكر مع النطاق الديني الشديد الاتساع أصلا.فضلا عن الطبيعة التلقينية المتجذرة في تعلمنا للأشياء والتي أوجدت لدينا ذاكرة حافظة متميزة أصبحنا نقيس عليها ومن خلالها مدي جدارتنا فيما تعلمناه.
&**
&&هذا بالنسبة للفرض الأول، أما بالنسبة للفرض الثاني، فأتصور أن علينا أن نطرح على أنفسنا التساؤل التالي:
&&إذا كانت الفلسفة تعني لغة حب الحكمة فهل تظل الحكمة ذات مدلول ثابت واحد متجاوز لتغيرات الأزمان وتطورات العصور؟
وبالنسبة لي فإنني أعتقد أن مثل هذا التساؤل مشروع أولا و ثانيا ربما يشير تاريخ التطور الفكري، لأوربا على وجه التحديد، إلى أن مفهوم الحكمة قد شهد بالفعل، مثل غيره من المفاهيم، تحولات و تبدلات جذرية.
ذلك أن ثمة عناصر معينة قائمة في الواقع المعرفي و الثقافي والسوسيولوجي تشكل النسيج الذي تتبلور من خلاله، وبالتالي تتغير بتغيره، المفاهيم والتصورات ومن بينها بطبيعة الحال مفهوم الفلسفة
وما أعنيه بالواقع المعرفي إنما هو المعارف الخاصة بالواقع الفعلي والتي تمكن الإنسان من السيطرة التدريجية بطبيعة الحال- على البيئة التي يعيش فيها و تؤدي بالتالي إلى الارتقاء به هو نفسه، أي بقدراته ووعيه في نفس الوقت. والمثال البارز لذلك هو العلم.
أما الواقع الثقافي فهو يشمل هنا التصورات الخاصة بالعالم الطبيعي والإنساني من ناحية ونوعية وأساليب المعيشة وأنماط القيم و المعتقدات المتضمنة في الممارسة العملية من ناحية أخرى.وهي بذلك تحتوي الأيديولوجيا دون أن تقتصر عليها.
أما بالنسبة للواقع السوسيولوجي فما أعنيه هنا إنما هو النظام الاجتماعي السائد في فترة تاريخية معينة.والذي هو وثيق الصلة بالتكوين الاقتصادي من ناحية وبالتطور التكنولوجي من ناحية أخرى.
والفكرة هنا هي أن قارئ تاريخ الأفكار سوف يلاحظ أن العلم القديم كان عمليا بحتا تقريبا، إذ كان يستهدف الاستخدام العملي المباشر دون التفكير في أسسه النظرية، وكان يتسم أيضا بأنه ضيق النطاق لا يشغل سوى حيز ضئيل في الحياة الاجتماعية.
ومعني ذلك أن المجال النظري كان مفتوحا بالكامل تقريبا أولا للفكر الديني ثم بعد ذلك للفكر التأملي مثلما نجد في الفلسفة اليونانية القديمة، حيث نشأت ما يمكن تسميتها بالحاجة النظرية متمثلة في المنطق، وحيث نجد أن الفكر الإنساني ذاته قد أصبح موضوعا للتفكير. وكانت النتاجات الأولى للفكر التأملي هي المذاهب الفلسفية، التي لا تقنع بأقل من تقديم وصف كامل لما يتصوره الفيلسوف حول ما عليه حال العالم- الطبيعي والإنساني- من جميع النواحي. وكانت المذاهب الفلسفية تشتمل بالتالي على المجالات التي اختص بها العلم منفردا فيما بعد.لذلك كانت الفلسفة بحق هي أم العلوم.
على أنه بالإمكان أن نلاحظ أيضا أن الصورة الكلية التي رسمتها الفلسفة للعالم كانت تختلف باختلاف كل من النظم الاجتماعية والتطورات العلمية. ففي المجتمع اليوناني الروماني القديم لم يكن بالإمكان تصور العالم، لدى أرسطو، إلا على نحو تراتبي هيراركي، تتالى طبقاته صعودا حتى تصل إلى المحرك الأول الذى لا يتحرك بينما تتحرك نحوه كل طبقات الموجودات الأخرى بفعل الرغبة في الكمال لدى كل مستوى والتي تجعله طامحا للوصول إلى المستوى الأعلى بفعل علة غائية كامنة فيه.وهو تصور وجده فلاسفة العصور الوسطى، خاصة توما الإكويني، ملائما للصورة المسيحية عن العالم حيث يحل الإله المشخصن محل المحرك الأول و حيث تجرى على النموذج الهيراركي التعديلات اللازمة الأخرى ليصبح ملائما للتصور اللاهوتي المصاحب للنظام الإقطاعي في أوربا العصور الوسطى.
وبالإمكان أن نلاحظ أيضا كيف أن ذلك النموذج قد تطور مع بدايات العصر الحديث ذي التكوين الرأسمالي الفردي ليصبح آلة ميكانيكية دقيقة تعمل وفقا لقوانين نيوتن ورياضيات ديكارت.
ثم كيف تطورت تلك الصورة مع بعض التطورات التي حدثت في كل من العلوم الإنسانية و المجتمع الرأسمالي الأوربي واتى تمثلت في الحس التاريخي في فهم وتفسير الظواهر من ناحية وفي فكرة التطور من الأدنى إلى الارقى من ناحية أخرى ثم في الشعور بوجود تحولات جدلية ديناميكية دائمة في الواقع المحيط من ناحية ثالثة، فرأينا في فلسفة هيجل محاولة مدهشة و جبارة في الوقت نفسه لاحتواء كل تلك التطورات في مذهبه الفلسفي الذي ربما كان آخر الأبنية الفلسفية الكلية في التاريخ.
ذلك أن الفلسفة بعد ذلك لم تعد تقيم بناءات كونية شاملة و إنما أصبحت تقتصر على منظور معين للوجود الإنساني،أو حتي لجانب من جوانبه. وقد كان تأثير ماركس ودارون وفرويد حاسما في ذلك التحول.
وكان أن ظهرت بعدئذ الفلسفات الوجودية من ناحية والوضعية( التجريبية الحسية )ثم الوضعية المنطقية( اللغوية) من ناحية أخرى.
ثم شهد النصف الثاني من القرن العشرين تحولات عميقة وبالغة الأثر علي الفكر الفلسفي أو النظري عموما. أعني بذلك التحولات التي أشار إليها ليوتار في " الوضع ما بعد الحداثي" والتي تتحدد في الثورة التكنولوجية خاصة الكومبيوتر. فقد تطلبت الأبحاث الأولى في تفعيل دور الكومبيوتر التركيز على اللغة وعلاقتها بالمنطق وهي مسألة يبدو أنها كانت ذات أهمية خاصة في أبحاث الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي جعل هناك اهتماما متزايدا باللغة: نظريات اللغة؛ لغة الكومبيوتر؛ مشكلات الترجمة؛ تخزين المعلومات وبنوك البيانات؛مشكلات الاتصال والسيبرنطيقا.
&وقد كان لتلك التحولات التكنولوجية أثر كبير على المعرفة.فصغر حجم الآلات وسهولة تداولها في السوق غير من طرق اكتساب المعارف وتصنيفها وتوافرها واستثمارها.بل إن طبيعة المعرفة نفسها كما يرى ليوتار أصبحت تشهد تغيرا مع دخول المجتمعات عصر ما بعد الحداثة.فالمعارف التي لا تقبل الترجمة إلى لغة الكومبيوتر أصبحت، أو في طريقها إلى أن تصبح، خارج مجال الاهتمام. ومجالات البحث الجديدة أصبحت تتحدد بمدى إمكانية ترجمة نتائجها إلى لغة الكومبيوتر. فالمعارف الكومبيترية في طريقها إلى أن تصبح القوة الأساسية في الإنتاج.الأمر الذي يؤثر بدوره على تركيب قوة العمل. كذلك فالشركات المتعددة الجنسية، والتي بيدها اتخاذ القرارات الاستثمارية، أصبحت خارج نطاق سيطرة الدول القومية.ومعنى ذلك أن القوة والمعرفة أصبحا ببساطة جانبين لنفس المسالة الخاصة بمن يقرر ومن يعرف.
وبكلمة، أصبح معيار المعرفة ليس هو " الحقيقة" بل مدى تحقيقها للمعايير المقبولة داخل الدائرة الاجتماعية لصناع المعارف.وأصبحت تشبه في ذلك ألعاب اللغة.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فالحركة الفكرية لما بعد الحداثة، والتي أصبحت مهيمنة على الفضاء المعرفي، في الوقت الراهن على الأقل، جعلت موضوع نقدها الأساسي هو الأنساق الكلية أو المنظومات الفكرية الشاملة بما لا يدع ثمة مجال لبناء مذهب فلسفي بأي حال.
بل لقد انتهي ذلك الاحتمال منذ أن احتلت المعارف العلمية كافة المساحات التى كانت شاغرة من قبل ومتاحة للتأمل الفلسفي. ولم يعد أمام العقل الفلسفي سوى أن يمارس فعاليته في مجالين اثنين: أحدهما هو مجال المعنى الكلي والغاية النهائية للوجود الإنساني، و هو ما يشغله المعتقد الديني بامتياز حتى الآن على الأقل؛ والثاني هو النقد النظري للواقع بمجالاته المختلفة خاصة الثقافية منها، وهو ما أعتقد أنه ما زال مجالا مفتوحا أمام العقل العربي ليلعب فيه دورا فاعلا. بل هو في الواقع،ما أرى أن ثمة محاولات جادة ومتعمقة للشروع فيه.
&
&**
وبطبيعة الحال، لن تكون ممارسة العقل النقدي في عالمنا العربي محاكاة للممارسة الأوربية كما نجدها لدى مفكري ما بعد الحداثة، لأن السياق مختلف والتساؤلات المطروحة مختلفة. رغم ذلك فالمشترك هو العقل النقدي ذاته: التفكير التحليلي التقييمى المستقل عن أية سلطة معرفية خارج نطاق معطيات مجال البحث، والذي يتناول القضايا النظرية التي يطرحها الواقع الذي نحيا فيه بخصائصه التي هو عليها.
ولما كان الفكر الديني هو الفكر المهيمن على عقولنا ووجداننا، فإنه من الطبيعي أن يكون هو موضوع الممارسة النقدية لدينا.
وقد شرع في النمو في السنوات القليلة الماضية، تيار فكري نقدي للفكر العربي الإسلامي، من ارهاصاته الأولى كتابات طه حسين وأحمد أمين وأمين الخولي وخلف الله، ثم الجابري وحنفي والعروي في نقد العقل العربي و الفكر الإسلامي، ومن ممثليه أركون في تحليلاته النقدية للفكر الإسلامي، ونصر أبوزيد في نقده للخطاب الديني ومفهوم النص، ومحمود اسماعيل في تحليله لسوسيولوحيا الفكر الإسلامي،وسيد القمني في دراساته للأساطير المؤسسة للفكر الإسلامي، والعشماوي في نقده لتاريخ الخلافة والإسلام السياسي، وخليل عبد الكريم في كتاباته كلها تقريبا من "الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية" وعبر "قريش من القبيلة إلى الدولة" مرورا ب"فترة التكوين في حياة الصادق الأمين" وحتى "النص المؤسس ومجتمعه"؛ وهو التيار الذي يحمل اسم "الإسلام النقدي".
&فمثل هذا التيار يعبر فعلا عن خصائص التفكير الفلسفي المعاصر والمتمثلة في العقل النقدي، والذي لو أتيح له أن ينمو ويستمر و ينتشر فربما يكون بمثابة الرافعة التي بمقدورها أن تبعدنا ولو قليلا عن الحصار الفكري لرواسب العصور الوسطى.
&
**************************
&
د.عبدالله إبراهيم
الفلسفة والمجتمع التقليدي
&&&&&& حينما يدور الحديث عن الفلسفة، يلزم التفريق بين مادة الفلسفة، وهي المفاهيم، من جهة، وبين تاريخ نشوء الفكر الفلسفي، وهو الوصف التدريجي لأعمال الفلاسفة وجهودهم وعصورهم واتجاهاتهم، من جهة ثانية. والسائد في ثقافتنا العربية، القديمة والحديثة، هو الاقتصار على معرفة جوانب متفرقة من تاريخ تطور الفكر الفلسفي، وتجنب معرفة المفاهيم الفلسفية. وبغياب فعالية المفاهيم غاب التفكير الفلسفي الحقيقي، ولم يتأسس تراث فكري جدير بإثارة السؤال، ولم يبن بعدُ منهج المساءلة في علاقاتنا وفكرنا وتصوراتنا، حتى أن مبدأ الحق شاحب، لا يعرفه أحد، ويُخشى منه، كأن الحق جناية. وبمرور الوقت نمت تبعية ذهنية، فقد وجدنا أنفسنا في منطقة فراغ فكري تتصادم فيها المقولات والمفاهيم بدون ضوابط، فلا يتم هضمها، ولا تدخل في النسيج العام للتداول الفكري، إلى ذلك فإن تواريخ الفكر الفلسفي ظلت مدرسية، ونمطية، وتلقينية، ولم تعتمد على مناهج حديثة تلم بالظاهرة الفكرية وتقاربها من شتى الجوانب، وجرى عزل بين المفاهيم وسياقاتها الثقافية، وهذا الأمر هو الذي جعل الفكر العربي كالعباءة المملوءة بالهواء.
&& من الصعب القول بوجود قصدية مسبقة لتثبيت المسار الأعرج لقضية الفلسفة في ثقافتنا، وليس من المفيد الطعن في جهود المشتغلين بالفلسفة وتاريخها، لأنهم جزء من مجتمع تقليدي لا يقر بأهمية التغيرات الكبرى في حياته، ويتمسك بمسلمات لاهوتية متخيلة، ويحوم في دوائر مغلقة تؤمن له أسباب اليقين والحق، ولم يزل دون الرغبة العقلية في إثارة السؤال والشك بالمسلمات المهيمنة، وهو-كما أشرنا في أكثر من مناسبة- محكوم بنسق متماثل من القيم شبه الثابتة أو الثابتة، و يستند في تصوراته عن نفسه وعن غيره من المجتمعات إلى مرجعيات عقائدية أو عرقية ضيقة، تتحكّم بها روابط عشائرية أو مذهبية، وهذا المجتمع لم يفلح في صوغ تصورات شاملة عن نفسه وعن الآخر، فلجأ إلى الماضي في نوع من الانكفاء الذي يفسّره باعتباره تمسكا بالأصالة، وهو مجتمع أبوي- ذكوري& يتصاعد فيه دور الأب الرمزي من الأسرة، وينتهي بالأمة، ولم تتحقق فيه الشراكة التعاقدية في الحقوق والواجبات، ويخشى التغيير في بنيته الاجتماعية، ويعتبره مهددا لقيمه الخاصة؛ فالحذر قائم تجاه كل تحديث فكري، وهو مجتمع تأثيمي مشغول بلوم أفراده وثأثيمهم وتقريعهم، حينما يقدِّمون أفكارا جديدة، ويتطلعون إلى تصورات مغايرة، ويسعون إلى حقوق كاملة، فكل جديد هو نوع من الإثم، وهو مجتمع& معتصم بهوية ثقافية قارّة لا تعرف التحوّل، ولا تقرّ به، ولا تعرف معناه، وقد لاذ بتفسير ضيق ومغلق للنصوص الدينية، وصار مع الزمن خاضعا لمقولات ذلك التفسير أكثر من خضوعه للقيم الثقافية والأخلاقية والروحية للنصوص الدينية الأصلية.
&&& وبالإجمال هو مجتمع التي لم يتمكن بعدُ من التمييز بين الظاهرة الدينية السماوية من جهة، والشروح والتفاسير والتأويلات الأرضية التي دارت حولها، من جهة أخرى، فتوهم بأن تلك الشروح والتفاسير والتأويلات هي الدين عينه، فأضفى قدسيّة عليها، وصار يفكر بها ويتصرّف في ضوئها، وهي تفاسير وتأويلات تختلف باختلاف المذاهب والطوائف والأعراق والبلدان والثقافات والأزمان، وأنتج تصورات ضيقة عن مفهوم الحرية والمشاركة، فاعتبرهما ممارستين ينبغي عليهما أن تمتثلا لشروط النسق الثقافي السائد، وأن تتمّا في ولاء كامل لشروط البنية الثقافية التقليدية، فمفهوم الحرية ليس مشروطا بالمسؤولية الهادفة إلى المشاركة والتغيير، إنما هو مقيّد بالولاء والطاعة، وكل خروج على مبدأ الطاعة والامتثال للنسق الثقافي السائد، مهما كان هدفه، فيعدّ مروقا وضلالا، لا يهدف إلى الاصطلاح إنما التدمير؛ لأن المرجعية المعيارية للحكم على قيمة الأشياء وأهميتها وجدواها مشتقة من تصوّرات مغلقة على الذات، ومحكومة بمفاهيم مستعارة من تفسير ضيق للماضي.
&&&&& هذا- فيما نرى- هو السياق الاجتماعي والتاريخي والثقافي الذي يحول دون ظهور التفكير الفلسفي بصورته الحقيقية، فلا قيمة لمفهوم فلسفي في مجتمع راكد حسم علاقته بالفكر، وقطع الصلة بينه وبين مسؤولية التفكير، ولهذا تتزايد الخلاصات المدرسية التعليمية لتاريخ الفلسفة في الجامعات والمكتبات، ولكن أثر المفاهيم الفلسفية يكاد يكون غائبا عن نظام التفكير العام، حتى أن التحولات الكبرى في مصائر المتفلسفين العرب تكشف حالة من اليأس بإزاء مجتمع يبدي صدودا كبيرا عن الانخراط في أية ممارسة تهدف إلى التفكير، فيما يتكالب بالملايين على الوعاظ والدعاة الذين يقدمون له وصفات جاهزة، ومعدّة بمزيج من الوعود والمسلّمات الأفيونية التي تعارض جوهر القيم الدينية الكبرى كالعدالة والحق والصدق والعمل والواجب والمشاركة، فيتوهم بأنه خطا نحو الحقيقة واليقين بوساطتهم، ويعود ذلك إلى أن مجتمعاتنا مازالت رهينة حالة التباس معقدة، وقد وقعت في المنطقة السرابية التي تضخم الوعود، وتنفخ في المطلقات، ولا تلتفت لأي صوت يدعو لإعمال الفكر.
&&&&& التفكير الفلسفي لم تتوفر له بعد الشروط والسياقات ليأخذ معناه وقيمته، وليؤدي وظيفته. يخفق الفكر والعاملون في مجالاته حينما يطفون عائمين في سياق ضبابي من الرفض والعداء العام الموجّه ضد زحزحة المسلّمات الكبرى، فتضيع الجهود مهما كانت قيمتها لأنها لا تنخرط في فعالية التغيير المطلوبة. وفي مجتمع صادرته النخب الدينية والسياسية والعسكرية والعشائرية والطائفية ذات الميول التقليدية والمحافظة والطامحة إلى الهيمنة المطلقة على مقدراته، والحيلولة دون انفراط عقد الطاعة العمياء له، لا يمكن السماح بفكر الاختلاف، ولا طرح سؤال الحق، ولا إشاعة مفهوم الشراكة، وبما أن الفلسفة تعتمد على سلطة العقل والتفكير بدلالتها المنفتحة والحرة، فليس لها وجود في فضاء جرى تأميمه لصالح تلك النخب، ودمّرت كل المقومات التي يمكن أن تكون ركائز للفكر الفلسفي الحقيقي.
&&&&& من أجل أن تتضح هذه المقاصد، أجد من الطريف أن أعرّج باختصار إلى عرض تصوّر للفلسفة والعلم والفن يعدّ من آخر ما توصلت إليه الفلسفة الغربية في نهاية القرن العشرين، ليس بهدف تقديم ذلك التصور بذاته، إنما من أجل أن نتبين فيما إذا كانت مجتمعاتنا تهتم بهذا التصور وأمثاله، أم أنه يعتبر، بالنسبة لها، ترفا ثقافيا محضا، لا صلة له بالاحتقانات والتوترات الاجتماعية الخاصة بمجتمعاتنا، يقوم به مثقفون يتفلسفون عابثين فحسب. فقد شغل "جيل دولوز"و"فليكس غتّاري" بتقديم تصوّر شامل للأشكال الثلاثة الكبرى للفهم الإنساني، وهي: الفلسفة، والعلم، والفن. الشكل الأول: إنما هو تفكير بالمفاهيم، والثاني: تفكير بالوظائف، والأخير: تفكير بالأحاسيس، وبذلك تظهر ثلاثة أنواع من التفكير، تتقاطع وتتشابك، ولكن بدون تركيب ولا تماثل متماهٍ فيما بينها؛ فالفلسفة تحقّق انبثاق أحداث مرفقة بمفاهيمها، والفن يقيم نُصباً مرفقة باحساساتها، والعلم يبني حالات للأشياء مرفقة بوظائفها، فيمكن إنشاء نسيج غنيّ من الترابطات بين المسطّحات المذكورة، ولكن لشبكة المسطّحات الثلاثة هذه نقاطها الذروية، حيث يصبح الإحساس نفسه مفهوما أو وظيفة، ويصبح المفهوم وظيفة أو إحساسا، والوظيفة إحساسا أو مفهوما، لا يظهر كل عنصر دون أن يتمكّن الآخر من القدرة أيضاً على الحضور، وهو لا يزال بعد غير محدود وغير معروف. كل عنصر مبدع على مسطح يستدعي عناصر أخرى متنافرة يجب إبداعها على المسطّحات الأخرى، ذلك هو الفكر باعتباره تكويناً لا تماثلياً.
&&& ولكن كيف تتجلّى الفروقات بين هذه الأشكال الكبرى المتقاطعة والمتشابكة والمتوازية في آن دون أن تتداخل في تركيب واحد ؟ إنَّها تتجلّى بنوع علاقتها بالسديم، فالفلسفة تريد إنقاذ اللامتناهي بإعطائه تكثيفاً؛ فهي ترسم مسطّح محايثة، يحمل إلى اللامتناهي أحداثا أو مفاهيم تكثيفية بفعل شخصيات مفهومية. أما العلم فعلى العكس من ذلك، إنَّه يتخلى عن اللامتناهي ليفوز بالمرجع، فهو يرسم مسطّحاً من الإحداثيّات لكنها غير محدّدة، هذا المسطّح يحدّد كلّ مرّة حالات معيّنة للأشياء، وظائف أو قضايا مرجعية، تحت تأثير ملاحظين فرديين. أما الفن فيريد خلق متناه يعيد إعطاء اللامتناهي، وذلك برسم مسطّح تركيب، يحمل بدوره نُصباً أو احساسات مركّبة، بفعل صور جمالية.
&& يلاحظ أنَّ "دولوز" و "غتّاري" يشدّدان على الإحساس بجوانبه الانفعالية والإدراكية كلّما دار الحديث عن الفن، ومنه الأدب، ولهذا فالسرد التخيّلي الإبداعي بالنسبة لهما إنما يتشكّل من جملة الأحاسيس التي يثيرها المرجع في نفس المبدع، فهو لا ينقل خبراً ولا ذكرى، إنما تأثيراتهما فيه، فالمبدع هو مُبرز المؤثرات الانفعالية ومخترعها ومبدعها، وذلك بإدراجها في علاقة مع المؤثرات الإدراكية، وهو يشرك المتلقّي فيها، فيصير جزءاً من تركيبها. ففي الرواية ليس المهم آراء الشخصيات وفق نماذجها الاجتماعية وأنماطها، إنما المهم هو ما يصطلح عليه بـ"علاقات الطباق الاختلافي" التي تدخل فيها الآراء، ومركّبات الأحاسيس التي تعانيها هذه الشخصيات نفسها أو تدفع للشعور بها، في صيروراتها وفي رؤاها، فـ" الطباق الاختلافي" لا يستخدم لتقريب المحادثات، الحقيقية أو الوهمية،& وإنما لإبراز الجنون في كل محادثة، في كل حوار، حتى ولو كان داخلياً.
&&&& هذا التصور الذي يؤسس لفلسفة الاختلاف كخيار لمستقبل الفكر الإنساني لا مكان له في مجتمعات عُلّمت لتجعل من الاختلاف سبّة وخطأ، فغياب الأرضية الثقافية والعلمية والسياسية يجعل من هذا التصور بلا معنى في مجتمعاتنا، في حين أن هذا التصور نفسه في مجتمعات توفرت لها البنية الثقافية المتنوعة يعد كشفا تتضافر فيه الأشكال الكبرى للفكر الإنساني المجرد والتجريبي والرمزي.
&
****************
لمعرفة سؤال الملف
***************
&
الحلقة الأولى: أجوبة عبدالرحمن طهمازي، د. شاكر النابلسي،&واستفتاء أجراه زميلنا&ياسر عبد الحافظ&بين مفكرين مصريين&
الحلقة الثانية:&&د. سيّار الجميل، د. برهان الشاوي وتقرير أجراه زميلنا جلال بدوة عن الفكر الفلسفي المغربي: الفرسان الثلاثة وهواجس التغيير
الحلقة الثالثة:&جورج طرابيشي، د. فتحي التريكي، جميل حكيم، رشيد بوطيب وقاسم خضير عباس
الحلقة الرابعة:&حسين الهنداوي&ود. إسماعيل نوري الربيعي
الحلقة الخامسة: العفيف الأخضر، مجدي خليل وحوار أجراه زميلنا حكمت الحاج مع د. الطاهر بن قيزة
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف