أخبار

"الشرق الأوسط الكبير" ومشروعية التدخل الخارجي

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
د. شاكر النابلسي


&
&
-1-
أكد وزير الخارجية الاميركية كولن باول ما كشفته صحيفة واشنطن بوست أمس عن ان إدارة الرئيس الاميركي جورج بوش تعمل على صياغة مبادرة لنشر الديموقراطية في "الشرق الأوسط الكبير" تستوحي معاهدة هلسنكي العام 1975 التي ساهمت في تفكيك الاتحاد السوفياتي ومعسكره في أوروبا الشرقية.
وقالت الصحيفة إن كبار مسؤولي البيت الأبيض ووزارة الخارجية الاميركية بدأوا محادثات مع حلفاء أوروبيين رئيسيين حول الخطة.
ونقلت عن مسؤولين اميركيين قولهم ان الخطة ستطرح هذا الصيف خلال قمم مجموعة الثماني، وحلف شمال الأطلسي، والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. وقال مسؤول رفيع المستوى في وزارة الخارجية الاميركية للصحيفة "انه تغيير هائل في طريقة تعاملنا مع الشرق الأوسط. نأمل ان نطرح بعض مبادئ الإصلاح اثناء محادثات مع الأوروبيين خلال الأسابيع القليلة المقبلة ونطرح معها بعض الأفكار التي تدعمها". ونقلت الصحيفة عن مسؤولين اميركيين وأوروبيين قولهم ان المبادرة التي سيتم الإعلان عنها خلال قمة الثماني التي يستضيفها الرئيس جورج بوش في سي ايلاند في ولاية جورجيا في حزيران المقبل ستطلب من الحكومات العربية وحكومات جنوب آسيا تطبيق إصلاحات سياسية واسعة ومساءلتها عن سجلها في حقوق الإنسان وتطبيق إصلاحات اقتصادية، وبشكل خاص تعزيز حقوق المرأة. وذكرت الصحيفة انه لإعطاء هذه الدول حافزا على التعاون ستعرض الدول الغربية زيادة توسيع نطاق تعاملها السياسي وزيادة المساعدات وتسهيل عضوية منظمة التجارة العالمية وتعزيز ترتيبات الامن.
&
-2-
إن في العالم العربي اليوم هيجاناً شديداً ضد تدخل أمريكا في الإصلاحات السياسية والاقتصادية والتعليمية في العالم العربي، والذي نالت امريكا من سكوتها عليها طيلة السنوات الماضية وأثناء الحرب الباردة ما حصل من كارثة عظمى لها في الحادي عشر من سبتمبر 2001. وسبب هذا الهيجان هو النرجسية القومية والنرجسية الدينية المصاب بهما العالم العربي، اضافة إلى عدم قراءة العالم العربي للتاريخ البشري والتاريخ العربي القديم والحديث المليء بمثل التدخل الذي تدخلت به أمريكا في العراق في التاسع من نيسان 2003. فالاستعانة بقوى خارجية من قبل العرب ليس بالجديد في التاريخ العربي المعاصر. ففي تاريخ منطقة الشرق الأوسط البعيد والقريب أمثلة لا حصر لها في الاستعانة بقوى خارجية لتحقيق الثورات والانتفاضات والاصلاحات، خاصة عندما تتلاقى وتتقاطع وتتداخل المصالح بين الدول القوية الغنية والدول الفقيرة الضعيفة. فليس في الأمر دوافع انسانية بحتة أو دوافع عقائدية أو أخلاقية بقدر ما هناك مصالح مشتركة.
&
-3-
&فالعالم العربي لم يقرأ جيداً التاريخ البعيد حين أن الاستعانة بالخارج لتحقيق الثورات والاصلاحات لم يقتصر على العرب وانما كان هذا حال والعالم العربي لم يقرأ التاريخ جيداً حين تعاون الحثيون مع ملك جبيل الفينيقي ضد ملك صور صديق الفراعنة. والموارنة افادوا من الاجتياح الصليبي لتثبيت وجودهم بعدما استقوى المسلمون عليهم بالفاطميين. واستنصر السُنَّة بالايوبيين ضد الشيعة في الشمال. وآزر التنوخيون الدروز وسنّة البقاع المماليك في حملاتهم على الشيعة في بلاد المتن وكسروان. واستخدم العثمانيون بني سـيفا ضد المعنيـين، واليمنـيـين ضد الشهابيـين القيسيين، والدروز ضـد المسيحيين.
&
-4-
والعالم العربي لم يقرأ تاريخ اوروبا وبقية شعوب العالم أيضاً. فالتاريخ الأوروبي مليء بالأمثلة التي تدلنا على أن الدول كانت تطلب المساعدات الخارجية لتحقيق أهدافها المختلفة. فقد دعمت فرنسا وحدة الاميركيين في 1783 والايطاليين في1861. وساندت روسيا وبريطانيا الوحدة الالمانية في 1871. وكان للتدخل الاميركي الأثر الكبير في مساندة أوروبا لدحر المحور العثماني الالماني - الياباني في الحرب الأولى. ولولا أمريكا لما تم انقاذ أوروبا من براثن النازية في 1944. ولولا أمريكا لما تمت هزيمة كوريا الشمالية في 1953 وانتصار الديمقراطية في كوريا الجنوبية. ولما تم توحيد المانيا الغربية مع الشرقية وسقوط جدار برلين.
&
-5-
والعالم العربي لم يقرأ تاريخه الحديث عندما تعاون الثائر العراقي رشيد عالي الكيلاني في ثورته مع المانيا الهتلرية وطلب مساعدتها. وكان من أسباب فشل ثورته ضد الانجليز في العراق عدم نجدة هتلر له. وعندما فشلت ثورته لم يجد غير المانيا الهتلرية ملجأ له. كذلك تعاون واستنصر الحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين المانيا الهتلرية وأقام ردحاً من الزمن في حماية هتلر في المانيا. واستنصر اللبنانيون الفرنسيين لتحقيق الاستقلال وتثبيت حدود لبنان الحالية. كما استنجد اللبنانيون بالأمريكيين في عام 1958 لدفع التيار العروبي والناصري عن الاستيلاء على الحكم. واستنصر مسيحيو لبنان السوريين لصد الفلسطينيين واليسار اللبناني بدءاً من العام 1976، وتعاونوا مع اسرائيل ضد الفلسطينيين والسوريين، ومع الاميركيين والأوروبيين لوقف الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982.
&
-6-
فأين هو الجديد في دعوة "الشرق الأوسط الكبير" ومشروعية التدخل الأجنبي؟
&ولماذا هذا التشنج الدموي من محاولة أمريكا والدول الصناعية الكبرى السبع فرض الديمقراطية فرضاً على العالم العربي العاجز بشعوبه وحكامه على تحقيق الديمقراطية واقرار مبادئ حقوق الانسان، وقد سبق وفرضت امريكا وأوروبا الديمقراطية فرضاً على اليابان والمانيا وكوريا الجنوبية، ولم تتشنج شعوب هذه البلدان تشنج العرب النرجسيين وتعاليهم ومكابرتهم الفارغة؟
&لقد أصبح واضحاً في الشرق الأوسط، أن الدولة العربية لا تريد الاصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وأن الشعوب العربية غير قادرة على أن تفرض هذه الاصلاحات على دولها لضعفها وجهلها وتفرق صفوفها.
&كما أنه قد أصبح واضحاً تماماً، بأن الاصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي لن يتم إلا بقوة خارجية قادرة على فرض الاصلاح بالقوة. ولكن ليس بالقوة العسكرية أو بقوة السلاح في كل الأحيان. فهناك القوة الديبلوماسية والقوة الاقتصادية والقوة الثقافية والعلمية. وهذه القوى من قبل أمريكا والدول الصناعية الكبرى قادرة لو ارادت واستعملت بحكمة وارادة قوية على خلق شرق أوسط جديد.&
&
-7-
معاهدة هلسنكي لعام 1975 صُممت للاعتراف بحدود ما بعد الحرب العالمية الثانية وانشاء آلية لتسوية الخلافات الأخرى، لكن حقوق الإنسان والحريات الأساسية أصبحت أجزاء أساسية في المعاهدة، معطية الغرب رافعة للترويج ولحماية المجموعات المنشقة في الكتلة السوفياتية والحث على حريات أكبر لسكانها. وقد ضُمّن هذا المفهوم في اتفاقية هلسنكي بين الدول الأوروبية، حيث نصت اتفاقية منظمة الأمن والتعاون الأوروبي بأن أي شأن يخص حقوق الإنسان فإنه يحق للدول الأخرى أن "تتدخل" بصورة قانونية. وتم إعطاء صلاحية للمحكمة الأوروبية بالنظر في القضايا التي يرفعها مواطنو الدول الأوروبية ضد حكوماتهم واعتبرت القرارات الصادرة من المحكمة نافذة على الدول المعنية. ولهذا فإن حركة حقوق الإنسان تدعم مشروع تكوين محكمة الجنايات الدولية.
&فكما ساهمت معاهدة هلسنكي في تمزيق وانهيار الاتحاد السوفياتي، فسوف تقوم مثل هذه الاتفاقية بين امريكا والدول الصناعية الكبرى، بتمزيق الأصولية الدينية والديكتاتورية في الشرق الأوسط.
&وهذا هو مبعث خوف الأصوليين والمؤسسات الدينية، وأنظمة الحكم الديكتاتورية من مشروع "الشرق الأوسط الكبير" القادم. وحجتهم جميعاً في ذلك أن "أهل مكة أدرى بشعابها". وهم لا يعلمون بأن أهل مكة أصبحوا آخر من يعلم بشعابها، بعد أن أصبحت الشِعاب تُعْلَم بواسطة الأقمار الصناعية وأبحاث الفضاء، وبعد أن ابتعد العرب عن العلم والمعرفة، واشتغلوا بالشعوذة والسحر وعلم الجن وحسابات القبور، واجترار علوم وقيم الماضي التي تخطّاها العالم، وآثروا القطيعة مع الآخر، وأقاموا داخل شرنقة كلسية سميكة، لا يمكن اختراقها إلا بأدوات أهل العلم والمعرفة الجديدة ومالكي الحداثة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وكل صوت ينادي بغير ذلك، فهو صوت في البرية العربية وفي الصحراء العربية، لا صدى له غير صدى الرمال العقيمة التي لا تلد غير الصمت والموت.
shakerfa@worldnet.att.net

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف