مضيق الثلج
قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
&
&
عليه دوماً أن يبدأ من جديد، حتى وإن قطع تلك الأشواط المستحيلة من الحياة، وبلغ التخوم التي يظن أنها التخوم الأخيرة، والمحطات النهائية لكي يحط الرحال. لكنه في كل مرة يجد أن من المحتم عليه أن يبدأ من جديد، أن يقرأ من جديد كالتلاميذ الصغار، لغات جديدة وأسماء جديدة وأماكن جديدة.
ثلاثة عشر روبلاً وجواز سفر مزور وهوية للأحوال المدنية العراقية وحقيبة صغيرة لم تتسع إلى جمع شمل مقالاته كلها وقصصه وأشعاره السرية عن الوطن. أشعار مجهولة وقصص لم تسنح له الظروف لكتابتها كما يريد وهواجس كثيرة يزدحم فيها رأسه المتعب المشغول بقضية واحدة الآن هي نيل اللجوء السياسي في السويد. هذه كانت عدته حين وطئت قدماه أرض المطار في ستوكهولم. جلس قبالة المحقق الشاب الذي يصغره بنحو عشرة أعوام ليشرح له ظروف العذاب التي حفلت بها سني عمره العجيب. كان عمر المحقق كما قدره لا يتجاوز السابعة والعشرين. صدق المحقق الشاب كل ما سمعه لأن الوقائع كانت أكبر من الشك. وبعد وقت وجيز كان يتذوق طعم الحرية الكاملة لأول مرة في منفاه في شوارع ستوكهولم. ""إنها استراحة المحارب""، قال بزهو شعر أنه يستحقه بعد كل هذه السنين من العذاب.
بعد شهور قلائل أصبح يسكن بيتاً جميلاً نسي فيه طابور الأكل والمعونة النقدية في مخيم اللاجئين الجدد، ولم يكن ينسى أن يبارك هذا البلد الكريم الذي وفر له الأمان في كل لحظة مقارنة تخطر له بشكل عفوي بين حياته الجديدة وحياته المرعبة السابقة. وبالتدريج راح يختفي العالم القديم الذي احتوى صراعه الضاري من أشياء تتحقق هنا في غاية البساطة. فقد كان مستعداً للموت في سبيل الحرية الشخصية وكرامة الإنسان المهدورة في بلده. وكاد يموت غير مرة من أجل أن ينعم بالأمان هو وغيره من الناس في البيوت والشوارع وأماكن العمل، بدون شرطة سرية ومخبرين وشعارات مزيفة وحروب كاذبة وأحزاب إجبارية، ورغيف معجون بالنفاق والأحابيل، وأحياناً بالدماء. لا شيء من ذلك يحدث في هذا العالم الجديد، فهؤلاء قوم يحترمون معنى أن يكون الكائن إنساناً. وبمجرد وقت قليل صار له عنوان تأتي إليه الصحف من كل الأنواع وتصله الرسائل بدون رقابة من جواسيس المشاعر والحواس البشرية، وتلفون يحكي فيه ما يشاء ويشتم فيه من يشاء من أعلى قائد إلى أسفل جاسوس ومن كل الدول والأوطان. ""إنها الحرية""، هتف من الأعماق.
في العام الأول انتهى من شتم جميع القادة الأوباش الذين كان يتمنى أن يشتمهم بملء فمه، زعماء دول خونة، وقادة أحزاب سفلة، ورؤساء تنظيمات دجالين، وشعراء منافقين وأدباء مرتشين، وأصدقاء خائنين، حتى شبع من الشتم، ومل لسانه من ترديد أقذع الشتائم، حتى وصل إلى اللحظة التي اختار فيها الصمت، إذ لم تعد الشتائم تجدي نفعاً، ولم يكلفه هذا السباب الذي يشفي الغليل أية ملاحقات بوليسية أو مطاردات إرهابية، وإنما كلفه دفع فواتير باهظة الثمن لشركة التلفونات التي ترفع شعاراً (تكلم أقل تدفع أقل). رويداً رويداً بدأ بالاختفاء عالمه القديم، وبالتدريج صار لا يحتدم غضباً لسماعه أتفه الإشاعات والأخبار القادمة من بعيد، وصار يقدر عالياً قيمة الوقت والمواعيد.
كان عليه أن يتعلم من جيد، أن يقرأ الأبجديات بطريقة أخرى، وأن يعود من جديد إلى السفرات المدرسية والتعرف على التلاميذ القادمين من كل بلاد الله الواسعة الحافلة بالإرهاب والجوع والنكبات الجيولوجية والدمار الطبيعي وأمراض الايدز. وكان يلوذ بصديقه العراقي توما الذي شارف على التقاعد من العمل السياسي اختيارياً بعد تمحيصه الأمور من كافة الوجوه، والذي قال وكأنه يفشي سراً من أسرار المعركة المصيرية: ""إن هذه الساحة لا تصلح للصراع السياسي! نحن بحاجة إلى عمال وطبقات لكي نمارس معارفنا بالصراع الطبقي. ونحن بحاجة إلى شعب مسلوب لا يستطيع أن يفهم الأمور، وعلينا أن ننقل له الخبرات بالأمور، ونحن بحاجة إلى أناس يقرؤون كلماتنا وأشعارنا، أناس يخطئون بحقنا رغم أننا لا نخطئ بحقهم. نحن بحاجة إلى عذاب وإلى سجون وإلى مظاهرات حقيقية، ونحن بحاجة إلى أن نكون أو لا نكون"".
كان توما يقول ذلك دوماً. وله الحق في ذلك، لأن الرجل تعود على الصراع مع الحكام الظالمين، وتمرس في هذا الصراع حتى غدا هو المهنة الوحيدة التي يتقنها هذا الرجل الشجاع. وإذ لم يجد من يصارعه في هذا المضمار، لا أحزاب ولا معارضة ولا ديكتاتورية شرسة، بل لا وجود لشعب يمارس من خلاله النضال، فهو حتماً سيغدو بلا عمل حقيقي ملحوظ بمرور الزمن.
صناديق الكتب وصلته عن طريق الشحن، هي كتبه ذاتها التي قرأ بعضها حين اشتراه، واحتفظ بالبعض الآخر لمجرد الرغبة بالامتلاك. لم تعد تراوده ذات الرغبات القوية بالبحث عن الأشياء في بطون الكتب، تلك الحاجات اليومية التي لا بد منها لكي يمارس عمله في المجلة الأسبوعية التي كان يعمل بها قبل اضطراره للهروب وطلب اللجوء في السويد. بقيت الصناديق على حالها فترة طويلة، فكر خلالها عدة مرات أن يركنها في المخزن الخاص بسكنه في قبو البناء. إلا أنه كان يحس بالأسى حين يراوده هذا التفكير، حتى إنه يشعر وكأنه يجافي صديقاً عزيزاً دون ذنب. كيف له أن يركن المتنبي وحسين مروة وأدونيس وباسترناك وابن خلدون والجاحظ وهمنغواي وجبرا ومنيف والشنفرى والجابري والجواهري وسعدي يوسف وووو..؟! لذا قرر أن يدع هؤلاء الأصدقاء الأوفياء يمكثون على الأقل في الصناديق إلى حين يتدبر أمر شراء مكتبة تليق بهم وبالآخرين الذين لم يتسع المجال لتذكرهم أو لذكرهم. لقد تغيرت دوزنة أوقاته وأيامه وأنماط تصرفاته اليومية، فلم يعد يعرف على أي وتر يضرب ليستخرج الرغبة التي يريدها. وبينما كان ينهمك بتعلم اللغة الجديدة التي لا بد منها كي يتواصل مع هذا المحيط الجديد وهو ينال إعجابه باطراد، كان يتذكر أن يكتب بعض الخواطر والأشياء الأخرى بدت له وكأنها نهايات خيوط مغلولة لشيء كان يسمى حبلاً. في الأيام الأولى، وهو بصدد اكتشاف هذا العالم الجديد، كان يستمتع بالوحدة، ويطيب له الجلوس في المقاهي الدافئة متأملاً الوجوه الجميلة التي يغص بها المكان. وهذا قاده إلى التفكير بالبحث عن امرأة يعاشرها ليزاوج بها همومه الصلدة برقتها الأنثوية عسى أن يروق الحال، لكنه على الأغلب متردد، وللدقة يمكن القول إنه يقترب من صفة الجبان عند الحديث عن النساء، ليس من باب التجريح قول ذلك وإنما لأنه يفكر بأشياء كثيرة لا تستدعي التفكير لمجرد الشروع بفتح حديث مع امرأة للمرة الأولى. وهذا أفسد عليه الكثير من الفرص الجيدة لاصطياد امرأة جميلة. لذا كان يعود إلى البيت وفي قلبه بعض الخيبات الصغيرة التي لا يطيل التفكير فيها. وفي تلك الأوقات كان يجلس خلف النافذة ليتأمل الثلوج وهي تتساقط بنعومة كأنها ريش حمام أبيض كثير يغطي الفضاء. كان ذلك في الأيام الأولى والأشهر الأولى، والسنوات الأولى، ولم يكن يخمن تماماً متى على وجه الدقة ابتدأ بالإحساس بأنه ارتكب خطأ ما. وأين يكمن هذا الخطأ؟ ولم يضايق نفسه بالتدقيق بهذا الموضوع، واعتبر أنه يشابه شعوره ""بفقدان الدوزنة"" واختلاط رغائبه بين ما يحب وبين ما يريد ولا يحب.
في كل مرة تجمعه الخلوة الصافية مع نفسه، حيث لا دروس ولا مواعيد ولا مكالمات تلفونية تعيد اجترار الكلام دون تجديد أو تبديل، كان يجد الفرصة السانحة للنزول إلى الطابق السفلي من ذاكرته الصدئة. غبار النسيان وأشلاء الأحلام الميتة وأوراق عتيقة كأنها رسائل حب حدثت قبل قرون وملامح أهل وأخوة وأصدقاء قدامى كأنها صور فوتوغرافية أتلفتها الرطوبة. في هذا العالم الغريب ضاعفت الكؤوس من سماته الحزينة. ويستطيع الوصول إلى ذلك الطفل الصغير الذي كانه ذات يوم، فتراوده الرغبة ليلعب قليلاً بهذه الذكريات، يغني ويمرح كطفل في عطلة مدرسية. وسرعان ما تطالعه قامته المديدة في المرآة فيشعر بالخجل من نفسه. إذن عليه البدء من جديد، في كل مرة يجد نفسه مضطراً للاعتراف بهذه الحقيقة المربكة، إذ يشعر بأنه مجرد من كل تاريخ، من كل أمجاد مهما كانت صغيرة. في كل منفى جديد وفي كل مدينة يحط فيها الرحال ولم يكن قد سمع باسمها من قبل، أو أنه سمعه كما تخطر الأسماء في كتاب ألف ليلة وليلة، وبعد ليال موحشة، ونهارات يمضي بها متلمساً دروبه الغريبة التي يتحتم عليه معرفتها جيداً كي لا يتهم نفسه بالغباء، فيجب أن يستدل على أرخص مكان للسكن وعلى أماكن بيع الخمور ومقهى كتّاب البلد ودكاكين الكتب القديمة وعلى الصحف المعارضة ولقمة العيش. أزمان جديدة تتيه بها الأعمار والأوقات الهاربة على الدوام. أماكن تضيع بها الخبرات، فمن عمل في الشرق إلى آخر في الغرب لا يشبهه في شيء. أزمان بلا تواريخ شخصية، تواريخ تتذكر المحطات فقط: قبل الرحيل أو بعد الرحيل، قبل كردستان أو بعد كردستان، قبل بيروت أو بعد بيروت، قبل السويد أو بعد السويد، قبل مضيق الثلج أو بعد مضيق الثلج، ماذا بعد السويد؟ هل ستكمل الدائرة نفسها ذات يوم عن طريق الخطأ؟ أزمان لا يمكن فيها إشادة بيت سوى الشعر على الورق، وحقائب تبيع كل الأشياء ولا تبيعها لأنها المحطة الأخيرة التي تستطيع حفظ الملابس الداخلية والأوراق الداخلية فيها كيفما شاءت الظروف. تاريخ من الارتحال مزدحم بالمحطات والحارات والبيوت التي تترك فيها أثلاماً من العمر هنا وهناك. يومان هنا ويوم هناك، شهران هناك وشهر هنا، عامان هنا وعام هناك. رأسه مثقل بالمشاريع المؤجلة. كان يشعر على الدوام بأنه إنما اقترف ذنباً ما. لا يدري متى، هل عندما غادر الوطن؟ أو هل عندما نفى نفسه إلى مضيق الثلج؟ تارة يجد أن الأمور تسير وفق ترتيبها الصحيح، وتارة أخرى يرى أن كل الأشياء تتم بالمقلوب، وفي كل مرة يبادره ذلك الهاجس الغريب الذي يأمره بالبدء من جديد.
العنكبوت
منذ أعوام بعيدة والعنكبوت يبني أعشاشاً لا حصر لها. وهو يقترب من عامه العشرين بعيداً عن موطنه الأول، متخطياً يوبيله الأربعين ببعض الوقت الذي لم يعد له أي معنى. هذا الوقت الذي صار كل زمنه في هذه الدنيا بعد ترميم الذاكرة. إذ إن لذاكرة العنكبوت كهوفاً سحيقة تمتد إلى الظلمات الحبيسة داخل صمتها، وتمتد كذلك إلى الأحلام المقيدة بخيوطه اللؤلؤية الرقيقة. لم يعد من المجدي الحديث عن الأزمان، وإنما الأجدر هو اختراق الحكمة وكسر بيضتها الخرافية.
سحب نفسه وجلس القرفصاء في زاوية آمنة تقع أعالي شبكته الواسعة، الممتدة الأطراف، الكثيرة النهايات إلى درجة أنها لا تحصى. يشرف على عالم يظن أنه لم يزل يسيطر عليه سيطرة كاملة. هرم كبير يقبع في الظلام والصمت والأمان. وإذا كانت أطرافه قد وهنت، والزغب على رأسه تحول في بعض مناطق التفكير إلى ألوان باهتة، فإننا يجب أن لا ننسى تمرسه في الحياة الذي منحه خبرة جيدة في مضمار القلق.
أزمان ليست بالسهلة على الإطلاق، كاد أن يموت خلالها عدة ميتات محققة. بيد أنه عقب كل نجاة غير متوقعة يدب فيه نشاط غريب فيراوده انغمار من الوضوح يجعله يشعر كما لو أنه خُلق من جديد. فتستبد به موجات من الانفعالات الحيوية المشحونة بطاقة تدميرية شرسة يتلاعب بها مزاج الانتقام. فكان يفتك بالحشرات التي تقع في طريقه فتكاً مريعاً لا يعرف الرحمة، وأحياناً يقوم، خلال تلك الموجات العصبية، بتدمير الكثير من الأشياء التي بناها بجهود حثيثة. شباك جميلة لصيد الحب، خيوط طويلة نسجها بعناء ومخاطرات كثيرة بين مواقف متأرجحة وهياكل غير ثابتة، هياكل تظهر اليوم لتختفي غداً، أو تُخلق في عتمة الليالي حيث تختلط الأوهام بالأحلام ثم تتلاشى تحت ضوء النهار حيث بالإمكان تذوق الخيبة بوضوح ورؤية ما ترسمه الأوجاع الطارئة على الوجوه. وتارة كان يخمد ويهمد إحساسه ويخلد للسكون. فيدرك أنه مستعد للاكتفاء بأي شيء، فينسى نصل إبرته ومحبرة السم الدفاعي، بل كان ينسى أنه كائن له معنى في هذا الوجود، وأنه سليل قوم صاحبوا الأنبياء منذ نوح وجلجامش حتى السلالات الحديثة حيث الأجداد الأقربون ينسجون حروف اللؤلؤ على رؤوس الخلفاء وأضرحة الشهداء وخوذ الزعماء بعد أن ينهشهم الدود. في هذا الطور العبثي كان يعاشر الإناث ويشبع نهمه من رؤية السيقان في الحانات حيث لا شيء يثيره أكثر من رؤية سيقان امرأة بضة ملفوفة بجورب شفاف. وعندما ينتهي من ذلك الكسل المجنون ويبدأ بالاشمئزاز من المشاعر الوسخة التي تأخذ بتلطيخ روحه من الداخل، ترده بعض الآيات والتراتيل الرخيمة التي تشبه صلاة في جنازة على غرار قول الرب ""وكل نفس ذائقة الموت"" فيحاول العودة إلى أماكن أكثر معنى كما يليق بعنكبوت شريف. هناك في أعالي شبكته الواسعة، حيث كلما صغر الكون صار أكثر غرابة، أماكن الظلام والهدوء والتفكير. شبكته العنكبوتية الواهية هي الآن عالمه الأوحد. هي كل الأرض التي يعرفها والسموات التي يجهلها، كل الأنوار والظلمات. تربطه تلك الخيوط اللؤلؤية الرهيفة بالحياة، وكلما تنقطع أوصال أحد الخيوط الرقيقة تلك فإنه يشعر كأنما يدنو خطوة نحو الموت. خيوط طويلة موصولة بالمرئيات وبالمخفيات وبالتوقعات الغامضة. تدور حولها خيوط دائرية هي رادارات منتظمة ترصد ذبذبات الكون والإنسان وموجات الضوء والهواء. هي ضوءه في الظلام ومخبأه في الأنوار.
يلملم أطرافه التي تشبه أنامل عازف ماهر ينقر على وتر هنا ووتر هناك، مبدياً مساحة هائلة من الهدوء تفسح له المجال لأن يسمع أغاني الطير ودوي الكون وأصوات النزع الأخير لأموات يذهبون دونما قبور. في أعالي كرة الأرض، عالم صغير مكتظ بالبرد والضباب، وغابات من نبات جميل ونبض غريب. سفوح بيضاء من الثلج فيها مزالق الشمس. هجوع غامض للأبخرة والغيوم، للقمم الخضراء البعيدة. أشكال مبهمة للألوان التي تنثها السماء على وجه المياه الداكنة. فكأن الله انتهى لتوه من خلق هذه الخلجات الكونية، والإنسان ذاته كأنه بلا مجد. يجلس القرفصاء منتظراً ذبذبة تهز شباكه على الوتر الصاعد أو على الوتر النازل أو على الوتر الأفقي الذي يطر عالمه إلى نصفين. وحيث إنه نسي منذ زمن طويل رتق الفجوات المهترئة والخيوط المقطعة جراء الإهمال والكسل والشعور باللاجدوى فإن الذبذبات التي تهز شباكه كانت قليلة ونادرة. وظهر وكأنه يعول في هواجسه على عالم من الفراغ. ومن بين الحشرات الكثيرة التي نسج حولها خيوطه فبدت كمومياءات ينتشر عليها الغبار كانت آفة النسيان هي الشيء الأقوى الذي بمقدوره التغلب عليه. حربه الآن ليست مع الدفاتر والأقلام والكتب التي تزداد لذة كلما مر عليها الوقت، بل إن حربه تدور الآن مع النسيان.
""اقرأ باسم ربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم"". ""في البدء كانت الكلمة"". يشم هواء قادماً من صحائف قديمة فيرتعش السطح الأملس للدم الهامد في العروق. وبحيرات تتنفس أبخرة صادرة منها، فيذهب الماء إلى الأعالي ليسقط على مقابر بعيدة فيها الأجداد، أمهات وآباء. ويقول الناسوت: "إنا خلقنا الله". ويقول اللاهوت: "أنا خلقت الإنسان". وعند الموت يفزع الإنسان. كذلك فزع العنكبوت عدة مرات بالرغم من صراخه في زوايا الحانات أمام رهط السكارى أنه لا يهاب الموت!
فزع العنكبوت لانقطاع أحد أوتاره الطويلة، الضاربة الأعماق في طين فراش قديم، في موضع نتوء من التاريخ يحكي عن سلالات الدم والأعراق. فظن أن الموضع في كربلاء حيث يرقد الحسين بن علي مبللاً بدماء لم تجف حتى الآن. لكنه أخطأ التاريخ والمكان، فأراد رتق هذا الخيط إذ إنه لم يستطع نسيان بعض الدموع التي تركها هناك قبل ثلاثين عاماً. ولم يقو على نسيان رايات عظيمة تخفق في السماء وفوانيس تضيء الليل وسيوف تبرق نصالها في روح طفل صغير وأفواه غفيرة تصيح في كل مرة صيحة منتظمة، كلها دفعة واحدة "يا حسين يا شهيد كربلاء". كانت جميع الذبذبات القريبة واضحة الرموز. فأخذ ينقر عليها واحدة تلو الأخرى بأنامل مرتعشة تحاول الإحساس بكل النأمات الصغيرة الواردة إليها من أماكن يشوش جمالها الخوف ويحجب صخبها ستار من الصمت الغريب. تسلق أزماناً كثيرة، واجتاز مفاوز شاهد خلالها كثباناً من الرمال الممتدة إلى نهايات لا يدركها البصر، كأنها مقبرة للأوقات الضائعة. وهناك حيث لا شيء سوى الرمال والهواء والوتر النازل في الخواء جثم العنكبوت على شفا الهاوية. كان الخواء فسيحاً خالياً من الذكريات، والأشياء القديمة التي رآها في الأزمان الأولى لم تعد في قيد الوجود. فلم يعد هناك نخيل ولا جدران من الطين ولا فسحات ظليلة في وجه البساتين. تبدلت الطرقات وتغير الناس، بحيث إنه لم يتعرف على أحد، ولم يصادف أحداً يلقي التحية عليه. أحس وكأنه يتدلى في هوة سحيقة من الظلام. وهناك في قاع تلك الهوة رأى كفناً أبيض انحسر قليلاً عن جلال الموت فشاهد أباه ""لقد مات أبي دون أن يراني أو أراه""، قال العنكبوت.
عاد إلى كوته الصغيرة في الأعالي. نسي أن يرتق الفجوات المهترئة. لذا لم يستطع معرفة كم من الناس الآخرين ماتوا وكذلك معرفة أولئك الذين ولدوا، لأنه كان مشغولاً بالحزن. وهو الآن يوشك على بلوغ مرتبة الضياع. مرتبة الهباء واللاجدوى. فلقد نسي الأنبياء والأمجاد التي كللت هامات أسلافه منذ غار ثور، فهو الآن يدخل طور نسيان نفسه بعد أن ابتعدت عنه الطرقات الصغيرة التي كانت تقوده مشياً إلى غاياته. واختفت تلك الأراضي الوفيرة الغارقة بالشمس، وتلك الدكاكين التي تبيع السكر والتبغ، وسينما الجمهورية الصيفي قرب الجسر العتيق. بل إنه أوشك أن ينسى مسار الأنهار وطعم مياهها. فالأنهار اضمحلت أو غيرت مجاريها. تشوشت خيوطه التي تربطه بالأرض القديمة، تهدلت وفارقها التماسك بفعل الزمان. الوقت غريب لا يسير في الأماكن المستقرة في الذاكرة، الوقت يمضي خارج الحدود.
في هذا العالم الصغير، الصغير جداً، حيث بالإمكان أن ترى صعلوكاً يصبح رئيساً للجمهورية، وفي اليوم الآخر تسمع أنه تحول إلى فطيسة ليس لها أثر. في هذا العالم الصغير تلقى غداً نتائج ما فعلته بالأمس. فالأشياء التي نسيتها من تلقاء نفسك سوف تنساك من تلقاء نفسها. في هذا العالم الصغير جداً، المجرد كخطوط مستقيمة تؤدي إلى الموت في نهاية المطاف، حيث الهدوء المطلق والكمال الأخير. وكل الخطوط المتعرجة الأخرى أهداف من المتاهات يركبها المغامرون الشجعان ليبلغوا النهاية أسرع من غيرهم. فأي المسارات ستسلك؛ مسار جلجامش أو مسار النبي أيوب أو مسار المتنبي. أو تتبع مسار الثورات الجزافية الرائعة التي انتهت في الحضيض. وتبحث في مجهودك اليومي عن رغيف خبز وزجاجة نبيذ، وهناك يقتتل الرجال دون هوادة من أجل الأنبياء والكراسي والبقية الباقية من أشلاء ماركس بأسلحة مستوردة وسكاكين من الصنع المحلي. خطوط متعرجة تؤدي إلى المتاهة، المزيد من التكهنات حول الممالك والزعماء وآخر الأنبياء فيلوذ بالصمت أبو الحسن البصري ويهرب إلى الألمان نصر حامد أبو زيد ويقفل محمد عابد الجابري أبواب كتبه ليفتحها القراء في القرون القادمة. واتخاذ مسار النبي أيوب بعد أن خمد إحساسه الملتهب بما يمكن أن تفعله الثورات الجزافية الرائعة حين تخلصه لوقت وجيز من عقدة التاريخ. فالثورات العظيمة تاريخ جديد وعدا ذلك مما يكتبه الزعماء فهو مجرد هراء. ورويداً رويداً تلاشت القوى التي تنامت في أزمانه الأولى، ولم يتبق سوى قطرات ماء وذاكرة لقطرات من الماء هي التي تمده بالحياة.
هو الذي وضع نفسه في هذا الموضع. أبداً على الخط المستقيم. ظن أنه لن يتكبد أضرار العزلة والصمت. مكتفياً بالنظر إلى الغابات المحيطة به من خلال النافذة. الناس يمرون من تحت النافذة، كأشباح بدون وجود حقيقي. أناساً بمختلف الأعمار، شيوخاً وعجائز وشبابا وشابات وأطفالاً صغاراً يلعبون بالثلج. الشيوخ والعجائز يتنشقون الهواء البارد النقي بهدوء ويمشون على مهل، والشباب يتراكضون على عجل يتبعهم دخان السجائر وكأنهم تأخروا عن مواعيدهم. والهواء البارد يلتصق بوجنات الأطفال فتبدو وكأنها ملطخة بأصباغ حمراء. العزلة والصمت والتأمل أدوات مبهمة لا يعرف استخدامها من لا يحسن الصحبة مع نفسه. إذا كان على الدوام يجد نفسه في الطريق إلى بار، أو إلى محطة القطار عندما يكتشف أنه كان مع نفسه لوقت طويل. وكان يعقب ذلك وقت طويل حتى يتذكر أنه دون وطن، وكان يكذب على نفسه مرات كثيرة عندما يقول: "إن كرة الأرض بلادي". ولم يسره هذا الاكتشاف بالرغم من أنه يؤمن إيماناً راسخاً بأن البلدان والقوميات والأديان سوف تنتهي إلى الفراغ كما انبثقت من الفراغ. الإحساس الذي كان يضايقه أكثر من أي شيء آخر هو شعوره بأنه مسافر منذ أعوام طويلة. مسافر دون هدف ولا يعرف متى يعود، بل إلى أين سوف يعود! لكن بعد موت "جانيت" المفاجئ أوعز له القبر الصغير بفكرة ""المحطة الأخيرة"". فقبل عدة أيام لا تتجاوز دورة أسبوعين اجتاح السعال رئتي جانيت وتقصف جسدها الشاب بسرعة مذهلة جعلت خمسة أطباء عاجزين عن فعل شيء وكأنهم تلاميذ في المدرسة الابتدائية. قبل بضعة أيام كانت جانيت شابة قوية، وكان لها ذراعان جميلان، وفم ينطق الكلام بوضوح يسرق الانتباه ويؤكد صحة الأنغام التي تصدرها الطيور أثناء شرحها للأسرار الكونية المبهمة. سكنت جانيت الحفرة الصغيرة التي قدت على مقاس نعشها الأبيض. وضعوا صورة فوتوغرافية مؤطرة فوق النعش لكي يتأكد الجميع من جمالها وصغر سنها. ومن ثم انتهت مراسم الدفن، واستقر بعض البكاء في أرجاء المقبرة. وبينما كان القس يتلو التراتيل باللغة الآشورية القديمة كان الوقت وكأنه ينتهي سريعاً، ولم يعد هناك معنى للبكاء ولا للصراخ الحزين ولا لباقات الورد الكثيرة التي سرعان ما اختلطت بالتراب. وكان سطح البحيرة الكبير الذي يتوسط المدينة قد بلغ نقطة التجمد الكلي، وفي الطرف الآخر ظهرت المدخنة العالية لمعمل الورق كأنها شاهدة عملاقة رصفت على بلاطة مرمرية واسعة هو وجه البحيرة المتجمد. في عينين كئيبتين تحولت المدينة إلى قبر كبير يأوي أعداداً غفيرة من الموتى. وفي المساء كان ثمة رجل يجلس القرفصاء في زاوية من البيت يسأل نفسه: ""هل ستقوى على العيش وحيداً؟"".
الأطفال يلعبون تحت النافذة ويتمرغون بالثلج الناصع البياض. وشمس الشتاء الجميلة تبدو كأنها نيون نسي عمال البلدية إطفاءه عند الفجر. لا شيء يضاهي جمال يوم أحد مشرق وفيه شمس وصغار يلعبون في الطرقات وعجائز طاعنات في السن يستنشقن الهواء النقي غير مباليات بما يعنيه الزمن في أيامهن الأخيرة. ولا يعرف حتى هذه اللحظة كيف يستطيع أن يسد المسارب التي تنفذ منها الكآبة إليه. وأحياناً يخال إليه أن المظاهر الجميلة للحياة الأخرى تخلق في روحه الإحساس بالوحشة والكآبة، وأن بإمكان نهار جميل يمضي بلحظاته اللذيذة كهبة من السماء أن يصيبه بالقنوط. تذكر "الزمن المفقود" لمارسيل بروست و"ذئب البوادي" و"رحلة إلى الشرق" لهرمان هسه، وهي في اعتقاده أشياء تستحق أن يشعر الإنسان بالكآبة عند تذكرها. وتذكر جنون هلدرين المبكر ومقتل صديقه علي بن ظاهر في نهار شتائي جميل يشبه هذا النهار. كان في صدد سماع بعض الموسيقى حين تناهى إليه قرع أجراس الكنائس الرتيب، وبالرغم من أنه لم يجد أغنية يعرفها تتطابق ألحانها مع هذه الأنغام الصادحة فقد مضى بسماعها حتى النهاية ليتأكد من أنها محاولة يائسة لسد الفراغ الذي عاد ليملأ النهار من جديد. وهكذا يعاوده الإحساس بأنه لا يعيش في مكان محدد على الكرة الأرضية. فبالإمكان نسج هذه الشباك العنكبوتية الواهية في أي مكان. و""اليوم بتنا هنا والصبح في بغداد"". وكأن الله خلقه للتو أو جرده تواً من كل الأشياء. أولم يزل سبحانه لم يعلمه كل الأسماء، ولم تزل حواء تسن في أحد أضلاع قفصه الصدري. فقد شعر أنه إنما يسبح في دوامة من الفراغ. وعندما غادرت حواء أعضاءه أحس بالخوف وبفراغ أكبر. وبالغ بحجم الرقعة التي انتزعتها حواء من جسده حتى ظن أنها الحيز الذي يشغله هو كله في الوجود. وكان ذلك أشبه بالمتاهة لكائن وحيد.
رقد على نقالة المستشفى. كانت هناك ملاءات بيضاء كثيرة. وكان الزمن بدون معنى حيث لم يعد يتذكر ما هو الفرق بين البداية والنهاية وكيف أنه توصل إلى إهدار عمره بهذه السرعة. استقر السرير في حجرة خاوية إلا من النظافة ومن مقعد صغير سيجلس عليه الطبيب بعد حين. راودته الرغبة أن يكتب في وصيته التي لم يكتب منها أي شيء حتى هذه اللحظة، أن يحضر الدفن الشاعر الشاب الأب يوسف سعيد* الذي التقاه مرة واحدة في بيت أم جميل السرياني وأكل معه الرز بالحليب وقرأ له بعض الأشعار غير آبه بالجنة والنار: ""فردوسي هو بلادي"". لحيته البيضاء الجميلة مسدلة على مسوحه الأسود الجليل كأنها صفحة من تاريخ الغربة والحرمان.
قال الطبيب:
-هل تحن إلى بلادك؟
-نعم يا أبتاه، فردوسي هو بلادي.
كان ربما يهذي أو يحلم أو يموت أو ينبعث من جديد. لا يعرف بالضبط أين هو في المكان. كل شيء هادئ، ناعم، والمكان فسيح كأنه لا ينتهي، والوقت طويل وكأنه لا ينتهي هو الآخر. وعندما ابتدأ باسترجاع روعه سمع الطبيب يقول:
- إن قلبك سليم.
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف