ثقافات

في رحيل الشعيبية طلال فاطمة المرنيسي:أعدتُُ سراب الجمال طبقا لقانونك الخاص

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
خديجة العامودي من الرباط: رحلت مساء اليوم (الجمعة) الفنانة التشكيلية الشعيبية طلال عن عمر يناهز 75 عاما بعد معاناة طويلة مع المرض. وكانت الشعيبية تغيبت عن افتتاح آخر معرض لها اقيم برواق "باب الرواح " في الرباط في السابع من شباط (فبراير) الماضي. كما حصلت في شهر مايو (أيار)& الماضي على الميدالية الذهبية التي تمنحها الجمعية الأكاديمية الفرنسية للتربية والتشجيع.
ولدت الفنانة الفطرية الأكثر إثارة للجدل عام 1929 بإقليم الجديدة (جنوب الدار البيضاء)& تزوجت في سن مبكرة واضطرت للعمل كخادمة بعد فقدانها لزوجها وهي في ريعان شبابها قبل أن تكتشف الريشة والألوان. لم تتعلم الشعيبية الأبجدية لكنها تعلمت كيف تعبر باللون عن مدخرات ذاكرتها الطفولية وتدخل عالم الإبداع. أصبحت الشعيبية تلك المرأة البدوية التي لم تنزع عنها القفطان المغربي في أكثر المناسبات رسمية ظاهرة في المغرب وخارجه لأنها ببساطة استطاعت أن تكون موضوع سجال إيديولوجي وتشد إليها عيونا من خارج المغرب. لكن هذه الظاهرة لم تخضع لأي تصنيف أو مدرسة فنية.
اقتحمت الشعيبية المشهد التشكيلي الفني دفعة واحدة بفضل صدقها في التعبير عن روحها الملونة بفن طافح بالضوء والألوان التي ظلت تهيم بها إلى آخر رمق.
أقامت الراحلة التي ظلت إبداعاتها محيرة وفاتنة أول معرض لها عام 1966 في الرباط. كي تنطلق رحلة طويلة مع الألوان المتوهجة والعفوية التي تظهر الجمال طبقا لقانون خاص بها. تميزت لوحاتها بألوانها الحارة المتوهجة والطبيعية التي يغلب عليها الأحمر والأخضر والأصفر كأنها تفجر فيها ذلك المخزون البصري الذي تشكل في ذاكرتها منذ الصغر بعفوية ألوان الطبيعة التي كبرت الفنانة حولها. إلا أن ذلك الانسجام الرائق بين الألوان لم يكن يخفي ذلك القلق المعقد الذي يصعب فهمه لديها. لطختها اللونية على اللوحات هي نفسها لطخة الطفلة التي ما تزال تحيى بداخلها، تلك الطفلة التي نهلت من ينابيع طبيعة قريتها شتوكة المنغرسة في عمق سهول دكالة جنوب الدار البيضاء.
&
&
فاطمة المرنيسي تكتب عن الشعيبية
بعد رحيل الفنانة الشعيبية طلال كتبت الباحثة المغربية فاطمة المرنيسي مقالاً نشر في موقع الفنانة الراحلة على شبكة الانترنيت. في ما يلي نص المقال:
"في هذه الرسالة التي لن تقرئيها، عزيزتي الشعيبية لأنك مثل أمي لم تتعلمي تهجية الحروف أو لم يلقونك دروس محو الأمية كما يقول الموظفون - أود أن أقول لك بلغة أجنبية مقدار الإعجاب والحب اللذين أكنهما لك واللذين قد لا أوفق في التعبير عنهما جيدا بعاميتنا. إنني معجبة بك لأنك تمكنت، في مجتمع مبرمج لإهانة المرأة، من إحباط المخططات وتفكيك الآليات، دونما تعمد و مجردة من كل سلاح, لأن البحث عن الكرامة صار هو رد الفعل الأكثر تلقائية للبقاء وللحياة، بشهادات أو بدونها فبعض المجتمعات، كما تعلمين، تنظم إذلال الفرد مثلما تنظم الاحتياط الاجتماعي أو العطل المؤدى عنها... وفي مجتمعنا، جرت العادة على اعتبار اللواتي والذين لم يحالفهم الحظ في تعلم القراءة والكتابة غير مؤهلين لدخول عالم الإبداع: فوحدهم جامعوا الألقاب مرخص لهم بذلك. أما الآخرون والأخريات مثلك عزيزتي الشعيبة ومثل أمي أو ابنة خالتي- فلأن حظكن العاشر شاء لكن أن تولدن قبلي ببضع سنوات، في زمن مبكر أو بعيدا جدا عن الحواضر الكبرى (حيث لم يبدأ التمدرس المكثف في المغرب إلا بعد الاستقلال، في أواخر الخمسينات)، وجدتن أنفسكن ممنوعات من الإقامة في فضاءات الإبداع، غير أنك، عزيزتي الشعيبية، اخترت هذه المرحلة بالذات لتدخلي المشهد، مخلخلة السيناريوهات وأصحابها، مزعجة الممثلين والملقنين، ومعيدة إظهار سراب الجمال طبقا لقانونك الخاص، قانون الموهبة اللامعة لقد تسربت إلى عالم محروس بصرامة، عالم الفن التشكيلي الحديث الوافد من جهة أخرى بقماشة عمودية وفرشاة ولون اصطناعي... من مدينة بعيدة اسمها باريس. تسربت بصمت، كما لا تقدر على ذلك سوى النساء العربيات، إلى مواقع السلطات: سلطة الإبداع ، سلطة التعبير، سلطة بيع العمل بثمنه الاعتباري، وسلطة ترصيع اللوحة بقيمتها الحقيقية. وهي قيمة صارت أصالتها تقدر اليوم بأقوى العملات الصعبة عبر المتاحف وقاعات العرض... وأنت تقومي بكل هذا مرتدية لباسك التقليدي ومجوهراتك نكاية بالموضات الزائلة، ومزخرفة يديك بالحناء، ومكر شعرك باد تحت وشاحك الذي لا علاقة له بالشارات المعروفة، وهي مجرد تدلل وضحك وسخرية من الدار البيضاء.
&لهذا كله أنا معجبة بك، وكذا لمكرك... حين تحيينني بذلك الهزل المحير الذي يبعث على الخوف: "آش كتكولي آلقارية؟" (ماذا تقولين أيتها القارئة) .فبإلحاحك بلطف- على ما حرمت منه- أي متابعة الدراسة والحصول على شهادات تعريننا جميعا، معيدة إيانا إلى الإنساني بعظمته ومسؤوليته. وعندما سألتك ذات يوم: "لماذا تحدثينني دوما عن التعليم؟ إنك تتدبرين أمرك أفضل من العديد من أساتذة الجامعة..."، جاء جوابك مضيئا أكثر مما يستطيعه بحث طويل: "ألح على التعليم لأن الأمية جرح. ينبغي إعداد مغرب لا تكون فيه أية امرأة جريحة. فحتى عندما نلاقي النجاح، فإن هذا الجرح لا يندمل أبدا". إنني أحبك، عزيزتي الشعيبية، لأنك توقظين ضمائرنا، ليس بأبواق المناضلين، بل بنجاحك، وصدقك. وأنت تحبين المختلف لتعبري عما هو داخلي بنحو أفضل. هكذا أنت منفتحة على الغرب، وتحبين الفرنسيين والأمريكيين وكل الذين يختلفون عنك حديثا وسلوكا، لأنه ما من تهديد يطال الجوهري فيك، أي صدق كينونتك. إنك ناجحة لأنك واثقة مما أنت عليه: شعاع من الضوء يتموج ويومض ويسمى إنسانا حتى لو كنت امرأة يعتبرها بعضهم هنا وهناك تافهة وثانوية وعديمة الأهمية... وردك على المجتمعات التي تحتقر المرأة هو تلطيخ لياليها بألق ألوانك، وكنس القوالب الجاهزة بالإبداع الهادئ لجمال لا يحتاج لإثبات نفسه أمام أي كان، لأنه بكل بساطة ينير من يراه . مع كل احترامي لهذه القارئة التي هي في غنى عن القراءة، لأنها مستغرقة تماما في مصيرها المتواضع واللانهائي، المتمثل في اجتراح معجزات بصمت، ومبادرتك بالقول حين تصادفها، وعيناها الكحيلتان تشعان بلمعان ماكر: "آش كتكولو آلقاريين؟& ما قولكم أيها المتعلمون؟ أجل عزيزتي الشعيبية لقد مكرت بنا وتفوقت بموهبتك علينا بما نحمله من شهادات."

القروية المغربية التي طبقت شهرتها الآفاق
أحمد نجيم من الدار البيضاء: &كل المغاربة يعرفون الفنانة التشكيلية الراحلة الشعيبية طلال. ألفوا طريقة كلامها التلقائية وزيها المغربي. في حواراتها الصحافية كانت الشعبية تتحدث بلهجة منطقة دكالة القريبة من مدينة الدار البيضاء، تعرف عليها المغاربة وألفها بزيها التقليدي "القفطان" بألوانه الزاهية وبالحلي التقليدية تزين يديها وعنقها وبحرصها على التزين بالحناء. كانت الراحلة تعتبر التزين بها رمزا للخير.
رأت هذه القروية المعتزة بانتمائها النور عام1929 بقرية شتوكة القريبة من الولي الصالح مولاي بوشعيب بمدينة أزمور (45 كلم جنوب مدينة الدار البيضاء على الطريق الشاطئية) في سن السابعة من عمرها ستغادر الطفلة الشعيبية القرية البحرية الهادئة إلى الدار البيضاء وتلتحق بأسرة خالها. وبعد أن أصبح عمرها 13 سنة وجدت نفسها في أحضان زوج "مسن هرم" من الجنوب المغربي. كانت ثمرة هذا اللقاء ابنها طلال، أحد أهم التشكيليين المغاربة.
تتقاطع حياتها مع حياة الكاتب محمد شكري، فكلاهما تحدى الصعاب من أجل إثبات الذات بالاعتماد على النفس دون مساعدة من أحد "بعد وفاة زوجي تركني معدمة فقيرة، لكن بمعنويات كبيرة وإقبال على الحياة ورغبة في تأمين مستقبل الطفل "طلال". تحدت الفتاة القروية المجتمع رافضة الزواج رغبة منها في "حماية" ابنها، لم أكن أريد لرجل آخر أن يضرب ولدي الوحيد، فقد تقدم لخطبتي كثيرون لكنني رفضتهم بسبب خوفي من الزواج" استمر خوف الراحلة الشعبية من الزواج إلى آخر أيام حياتها.
كان أول لقاء مع الفن عبر "الحلم"، إذ حلمت في إحدى الليالي بعد موت زوجها بنساء يحملن إليها الصباغة والريشة، ويطلبن منها البدء في الرسم، في الصباح لبت نداء الحلم واتجهت إلى أقرب سوق لشراء الصباغة والريشة.
مرت السنوات، وخلال غداء بطاجين رفقة الفنان الراحل أحمد الشرقاوي رائد الفن التجريدي المغربي وبيير كودير محافظ متحف الفنون المعاصرة بباريس، أبانت الشعيبية طلال عن موهبتها، فقدمت بعض النماذج للخبيرين، فكان هذا أول دخول لعالم الشهرة والمجد. كان ذلك عام 1965، بعد سنة من هذا اللقاء نظمت الشعبيبة أول معرض لها بالمعهد الثقافي الألماني "غوتة" بمدينة الرباط.
&بعدها ستحتضن أعمالها كافة قاعات العرض بكبريات المدن العالمية من طوكيو وباريس ولندن ونيويورك وواشنطن، وخول لها هذا الوضع التربع على عرش التشكيل الفطري.
"استطاعت الشعيبية، كما قال الناقد موليم لعروسي "أن تكسر الهوة بين الثقافة البدوية الشعبية والثقافة الحضرية العالمة، مبرهنة لكلا الثقافتين أن قيمة الإبداع في قوة تعبيره وصدقه"، وهذا هو سر قوة لوحاتها ونجاحها دوليا ومحليا.
لم تأبه الشعيبية للانتقادات الكثيرة التي كانت توجه لها من قبل "التشكيليين الأكاديميين"، فاستمرت في إنجاز وعرض أعمالها الفنية محتفلة بالألوان الفاتحة والفاتنة أو "الألوان الضاحكة" كما كانت تسميها "ألوان حاملة لمعاني الأرض والسماء والأشجار والبحر" وألوان أزهار قريتها الهادئة.
استطاعت هذه المرأة الفلاحة أن تتعلم التشكيل من مدرسة الحياة، كما يقول الفنان سعد الحساني، يغلب على أعمالها طابع الحرية مما يميزها عن باقي الفنانين المغاربة والعالميين على حد سواء. قوة شخصيتها وإرادتها كانت تعكسها شخصيات لوحاتها، نظرات حذرة متأملة وعيون يقظة.
ودعت الشعيبية العالم عن 75 سنة تاركة تراثا صنفه نقاد عالميون ضمن أعمال كبار الفنانين العالميين. موقعها على الانترنيت يظهر جليا القيمة الفنية لهذه القروية الأصيلة، إذ توجد لوحاتها في بريطانيا وهولندا وأميركا وألمانيا واليابان وأستراليا ونيوزلندا وهايتي وبلجيكا وسويسرا وإيطاليا وفرنسا الهند وكندا ومصر ولبنان والإمارات و السعودية.
الفنانة الراحلة الشعيبية طلال رمز التشكيل الفطري في المغرب
أحمد نجيم من الدار البيضاء: تمثل الفنانة المغربية الراحلة الشعيبية طلال الفن "العفوي أو الفطري"& وهو الاتجاه الذي تمثله لوحات يرسمها فنانون عصاميون، عصاميتهم تجعلهم غير آبهين بالقواعد الأكاديمية للتشكيل .
&تقول الشعيبية في حوار صحافي عن بداية علاقتها بالصباغة "في أحد الأيام شاهدت في الحلم نساء جئن وهن يحملن أصباغا وريشات فقلن لي قومي لترسمي، فالرسم هو الذي سيخرجك إلى الحياة، وفي الصباح التالي ذهبت إلى السوق واشتريت الصباغة وريشات وبدأت وشرعت في الرسم بمساعدة ابني".
ظهر الاتجاه العفوي في المغرب أواخر الثلاثينات فترة الاستعمار الفرنسي وبتشجيع منه، كما يقول الناقد إبراهيم الحسين. وكان يتزعم هذا التيار بمدينة الرباط حسن الفروج وزوجته فاطمة حسن والودغيري وعلي العلوي والحسن الزكري، وأطر هذه الجماعة حسب الناقد نفسه جاك أزيما.
وفي مراكش ظهرت جماعة أخرى نشط فيها مولاي أحمد الإدريسي ومحمد بن علال وسعيد آيت يوسف. استمر هذا الفن مع مجموعة من الفنانين المعاصرين وتمثل الشعبية طلال أبرز فنانة تشكيلية في هذا التيار. وظهر إلى جانبها مجموعة من فناني مدينة الصويرة.
أثار الاتجاه "الفطري" تباينا في التعامل النقدي معه، فالفنانون التشكيليون "المحترفون" اعتبروه "شكلا من أشكال التعبير العاجز على وصف الواقع في صورة متطورة غير قادر على التطور جماليا وروحيا، وهو التبرير الذي تبناه فريد بلكاهية كما ينقل الناقد إبراهيم الحسين. واتجاه ثان يعتبر الفن الفطري، كما في لوحات الشعيبية، "اتجاها فنيا أصيلا وجزء من الثقافة الشعبية، ففنانوه يعتمدون على تجاربهم الحياتية و"يرسمون بقلوبهم". وظهر اتجاه ثالث في السنوات الأخيرة يقارب الإبداع المهم الذي خلفته الشعبية مقاربة نقدية مغايرة، إذ قدم معهد العالم العربي بباريس، بتعاون مع مؤسسة كندا، في معرض قبل سنوات بعنوان "نظرة للفن العربي المعاصر" بباريس والدار البيضاء، الشعيبية ضمن خانة الفنانين "ماسخي الأجساد"، رفقة فنانين آخرين أمثال أحمد موالا ومحمد القاسمي وبول غويراكوسيون وخالد العويس وفاتح المدرس وعلي مكيس وفاخر محمد وسعاد العطار وكويدر التريكي. يعتمد هؤلاء الفنانون، حسب مسؤولي المعرض على "جعل كل استفسار حاملا لكل الأسئلة، ومساعدا لولوج أبواب اليقين. وكل جسد في أعمال هؤلاء يحوي كل الأجساد، حتى تتحاشى فكرة "الخوف من الميلاد" عبر "مسخ الأجساد" يحملنا هؤلاء الفنانين إلى الواقع وإعادة تمثل الحلم والمتخيل ومشاهدة الشخصيات الأسطورية".
ما يميز عمل الشعبية داخل هذا الاتجاه هو أنها تحفل في لوحاتها باستعمال الألوان أكثر من "تمثل" الشخصيات و"وصفها". فاللون يصبح تعبيرا عن الواقع الذي تعيشه وتشاهده، بل يصبح نقلا لشخصيتها الفياضة بالحياة والحب، وتقول "الألوان عزيزة علي مثل بيكاسو. وكل لون له معنى كالأرض والسماء والأشجار، فألواني ضاحكة". كانت لوحاتها انعكاس عفوي للعالم الذي تريده، شخصيات أشبه بتلك التي رسمها بيكاسو، مع فارق أساسي وهو اهتمام الشعبية أكثر بالألوان الزاهية، تمضي الريشة في لوحات الشعبية بحرية لاختيار الألوان الفاتحة "ألوان الحياة" راسمة شخصيات بوجوه "حذرة" و"عيون يقظة" تحكي تاريخا أضحى منسيا.&

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف