الطفولة وتأثيث مساءات الحرب قصيدة ريلكه "منتزه الببغاوات" أنموذجاً
قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
&
&
"إن لم تكن هي الطفولة..فماذا كان هناك قديماً ولم يعد له وجود"
& اليكسيس سان ليجيه
في الكتب المقدسة. أيماءة النبي قصة. ودمعته طوفان. وحزنه حرب. وابتسامته طفولة. من هذا الكائن المقدس المحاط بأسيجة الورد التوراتية ومساءات يثرب وأناجيل قيامة الدير سأستعير تعبيرين لاغير. الحزن والأبتسامة كي أستضيفهما في غرفة قلبي، ومعهما سأبدأ المكاشفة وأستعادة الممنوع الجميل الذي كان يسكن أعشاش رؤوسنا مثل العصافير المتوحشة. هناك قرب غابة التوت، وفي الظل البارد كخد العاشقة الفرحة من أول ألتصاق لها بذكورة.! ينطبع ود الزمن وتبدأ خيارات الرجوع الى الوراء تختار قطاراته من قطارته التي سترمينا في محطات نحلم بها بعد فصل من أرتعاشة المفاصل عندما تملىء الربيئة رائحة البارود جراء قذيفة أتت بمنطاد القدر وسرقت عريفاً لازالت أفخاذة لم تذق بعد طعم دمية السرير.
في قصيدة لاترحم الذاكرة من خدر القراءة لريلكه تدعى "منتزه الببغاوات" كتبها الشاعر وهو يزور حديقة باريسية بعد تلبية دعوة الفنان رودان له. والقصيدة مليئة بأيحاءات التلبس لذلك الضوء المغترب في ذاكرة الألم، عندما يكون هذا الطائر الناطق أسير النأي عن وطنه وطفولته.
كذا أنا هذه اللحظة في غابة التوت التي تملىء المنحدر بالظل الأخضر والهواء المشبع برائحة الثلج والورق الطري وصوت مياه النبع الذي تقول الجغرافيا:& أنه نتاج ذوبان ثلوج الربيع وهو مثل سفر قوافل السرايا في ترحال الحروب المهلكة يذهب الى الجنوب أيضا.
في الحرب تشع الطفولة مثل نار الموقد. ولأن النار فاكهة الشتاء كما يقولون فأن العودة الى الوراء قرب موقد تمثل عودة الروح الى مستقرها القديم، عندما ترتدي الطفولة ثوب الدمية وتغازل خيالنا الشاعر مثل ما تغازل المرأة المتمرسة الرجل الذي اكتساه برود السرير لأنه خسر عاطفته في حرب المودة لرجل آخر، فالدمى قدر ماتصنع الدهشة فهي تصنع اللذة أيضاً. ويقول علماء النفس أنها أول محفز يشعر به الطفل الى الرغبة بعد ثدي أمه، ويقول الأطفال عن الدمى:& أنهن أمهاتهم الآخريات. ولكن ماذا ستقول لمن ليس لديه دمية. وكل الدمى التي ملكها هي دمى الخيال؟& غير أن هذا الخيال أفترش عاطفة الأشتغال وهمس بجذوة التمني الى الشيء وتحدث كثيراً. حتى أن الطفولة رغم أنها طفولة الرغيف الأسمر إلا أنها تمكنت من صناعة ذاتاً تفترض لوجودها أميرات وحوريات وقصور من بلور، وعازف مزمار، كل ليلة يوقظ بين خطوط ضوء الفانوس أحلام سفر ومكائد للثراء، ومسودات لقصص مدونة بذاكرة طفل، لكن الأمر بدا وقت التأليف كأن المدون المجهول لألف ليلة وليلة هو من كتب قصصي.
ترتدي الحروب الكثير من معاطف الطفولات. وليس فقط الجنود هم من ضحاياها المميزون، بل الدمى أيضاً. حتى أنها بدت في شهادة أحد الجنود الأمريكان في حرب فيتنام أكثر أنسانية من مالكها الطفل. عندما نقل هذا الجندي مشاعره الوقحة وهو يصف طفل قتله رصاص الجنود في احدى غابات فنوم بينه وكان الطفل المصبوغ بدم الحرب يحتضن لحظة موته دمية بدائية من قماش ممزق، قال الجندي عنها: "كانت تبتسم بمرح، والطفل نائم مع كآبته الأبدية غير مكترث". هذا المشهد الذي يمثل مشهداً من مشاهد القسوة المغلفة بوقاحة المشاعر يرتدي في تخيلي لقصيدة ريلكة أو لحظة جلوسي تحت ظل شجرة في غابة التوت، يرتدي سخافة الحروب وقدرتها على أن تكون مانحة للقنوط وللألهام في ذات اللحظة. وكما يقول أحدهم:& الرمح دواء القصيدة. أنا أقول الشظية دواء الخاطرة ولكل خاطرة طفولة.
يقول ريلكه في قصيدته وهو يصف هذا الطائر الثرثار والذي يستنسخ لسان مالكه:
"تحت شجر الزيزفون التركي المزهر المورق / تتنفس الببغاوات بهدوء في مواقعها المتأرجحة / وقد هزها الحنين الى أعشاشها / فأخذت تفكر في أوطانها / التي وأن وقعت أعينها عليها، لاتتغير."
هذا المشهد خلق لدي تقابلات القنوط البارد وأنا أتدفىء بأحلام أزمنة دمى القماش البالي. وأفترض هواجسها الحميمة وهيمنتها على قدرة الطفولة لتكون رائية لما يحدث لمرتدي ثوبها المقلم البالي. أي كنت اعلم انني سأرتدي القبعة المدورة كصحن الرز وأصعد بها الى ربايا القمم التي لاتنحني للأسفل كما أنا حيث يرغمك العطش أن تنزل الى بطن الوادي بصحبة البغل {مبروك} وتجلب الماء وفي العودة تمارس أستراحة الظل تحت شجرة التوت أشتغالات الفهم الآخر لرؤى ريلكه وتستعيد مع التأمل الحزين لنزهة الشاعر مشاعر الألم التي تعتصر الشاعروالببغاء لهذا المشهد المتكرر في حديقة عامه. ولأن الحياة لايصيبها الملل عندما تنظر الينا، لكن الببغاوات تصاب بهذا الملل رغم أن دماغها الذي بحجم حبة الحنطة لايمتلك القدرة الحسية الهائلة التي يمتلكها شاعر مثل ريلكه ورغم هذا يفكر الشاعر بحركة الطائر ويصف قصديتها في لا أباليتها بأنها الحياة في شكل آخر ويعد هذا الأمر انتصاراً للببغاء وهذا المشهد الذي سيصف فيه ريلكه تعالي الطائر لم أستطع أن أمتلكه لحظة رغبتي بأستعادة دمية واحدة من دمى الطفولة حتى لو كان ببغاءاً بلاستيكياً {وهي أردأ انواع الدمى} لا لشيء، بل لأنني شعرت في امتلاكي مثل هذا وأنا اقود البغل الى النبع أني سأنتصر على الحرب. رغم ان نابليون قال بعد أن هزمه الشتاء الروسي: {لن ينتصر على الحرب سوى اللأله أبولو}. وربما وكالة الفضاء{ناسا} أخذت مقولة نابليون بعين الأعتبار ولكي تنتصر في جولات الذهاب الى الفضاء الخارجي سمت مركبتها الفضائية {أبولو}.
هذا المقطع من القصيدة سحبته بقصدية وأرغام لأضعه في تقابل مع سعي الجندي لأكتشاف طفولته في غير بيئتها. أي أنا من الجنوب. والآن أريد من الشمال أن يكون مسرحاً لأستعادة فصول رغباتي الطائشة ومنها مراقبة:& كيف يضاجع الديك دجاجة؟ وهكذا تدفعني مشاعر الببغاء الى تطبيق تصرفه وأن أتعمد الامبالاة لما يحدث في أماسي الحرب: من خوف وأرتباك وتدوين الشعر وتمني النساء وحل الكلمات المتقاطعة وأشياء تقول عنها الحرب: المساءات التي تخلق الرعب.. هي المسافات التي تبعد الجندي عن مدينته.! ورغم هذا قدر لهذا الطائر أن يخلق لدي شعوراً بالتظاهر أن مايحدث الآن في متقدم الجبهة لايهمني، وأني في الغد سيشفع لي الولي الذي ترتمي في أحضان قبته الأسمنتية أمي كل مساء جمعة سيعيدني سالماً، وربما بعد الحرب ترتدي حكومتنا لباس الديمقراطية وتسمح لجنودها أن يعيدوا ترقيع دماهم المهترئة ويسافروا الى شارفيل ليشكروا رامبو على متعة الحس في قصائده في أ ماسي كانت النساء فقط صور لمجلات ملونة نعلقها على جدران الربيئة وغرفها.
&الحرب أنتهت والديمقراطية المأمولة لم تأت بل جاءت بعدها حرب أخرى. أنقذني الله فلم اكن من مرتدي قبعاتها. وكما قال شاعر من المدينة. كفنا أسى الشظية الأولى. فلقد كبرت على فكرة أن اكون جندياً في حرب.
ولأن الحرب لاتهتم لفكرة أن تكون. أرغمت هذا الشاعر بالذهاب كجندي أحتياط الى حفر الباطن ولايزال حتى هذه اللحظة مدفوناً في رمال الصحراء جراء قذيفة متقنة من المدرعة الأمريكية "برادلي".
ورغم هذا كانت لحظة التمتع بتأثيث أمسية الحرب تحت ظل الشجرة يدفعني الى مراقبة حركة طائر رمادي يلاعب فراشة فوق الشجرة. كانت دعوة الذكورة بين الطائر والفراشة واضحة، وأن حصل التلاصق ماذا سنحصل؟& ربما سنحصل على حلم محرم، وربما على أعلان صريح بالأستهزاء من الحرب كما فعلت ببغاوات الحديقة النباتية في باريس والواقعة على الضفة اليسرى من نهر السين، أزاء مشهد بشري لم يعجبها وكانت بعيدة عن أوطانها. ولأن البيت وطن. فأنا هنا بعيد عن بيتي، بعيد عن دميتي المهترئة. ومايقوله ريلكة في هذا المقطع هو:
"غرباء في هذه الخضرة المتزاحمة كمستعرضين / يتباهون ويتعالون ويشعرون أنهم فوق الجميع / وفي مناقيرهم الثمينة المصنوعة من اليشم واليشب / يعلكون شيئاً رمادياً ويقذفونه بعيداً / لأنهم لايستسيغيون طعمه / ومن تحتهم تلتقط الطيور الحزينة ماقذفوه / بينما تنحني الببغاوات الساخرة من فوقهم أنحاءة أستهزاء".!!!!!!
في اعلاه ليس هناك شبيه بلافتة المقال، لكني تصورت الأمر كما أحسه في شعور القصيدة معي. أن الشعر هو المعنى الذي ندركه بطريقتنا الخاصة. هكذا أفهمه، وهكذا أثثت نزهة ريلكة كما أريدها وأتخيلها ولكي أجعلها تنام على وسادة طفولتي والحرب. أصنع أكذوبة في حكاية وأقول:& أن القصيدة تذكرني بببغاء حي أشتراه أبي من هندي شحاذ في سامراء أيام الشعبانية التي كان فيها أبي يترك مصروف البيت وهو نصف كيس حنطة وعشرة قنطارات من التمر، أما مصروف الجيب فهو مؤجل لحين عودته. والى حين يعود أظل الآزم كتاب ألف ليلة وليلة وقد استعرته من بنت الجيران التي كانا نهديها الناضجين يشبهان دورة قمر صغير. وحين عاد أبي مع الببغاء عم بيتنا الطيني فرح أسطوري. أبي اشترى الببغاء بدرهم. وفي نفس العام أحد مهرجات الهند اشترى ببغاء بمليون دولار. أذن في بيتنا ثروة. وهكذا حملتني سعادتي الى تلقينه الشعر، أسمعته كل قصائد المتنبي وبيرس والسياب، ومثلت أماهه ألقاء قصيدة الجواهري يادجلة الخير، وجئت له بصورة أمرأة روسية ساحرة وقلت له:& تلك لارا التي كتب عنها البياتي قصيدته. حتى أغاني أديث بياف غنيتها له. وعندما جاء وقت السماع منه / ظل صامتاً مثل حجر لم ينطق، وعندما فتحت فمه، كان لسانه مقطوعاً.
وهكذا عرفت قيمة الببغاء الذي خدع أبي فيه وأراد ان يشتري لي بذلك الدرهم سعادة تتناسب وموهبتي، لكن هذا الببغاء لايساوي حتى (بيزة)!! ولأني الآن اتساءل عن ثمن ببغاوات ريلكه فتكون المقارنة بينهن والببغاء الأخرس الذي اشتراه أبي مقارنة ظالمة ولكن الطفولة والحرب وظل شجرة التوت جمع بين هذا الجمع الطيب من الببغاوات وجعلني اؤثث لهذا المساء حكاية تبعده عن رتابة الحرب التي لاتطاق.
neim_mhalhl@yahoo.com
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف