التفاصيل.. في كتاب عماد فؤادعن تقاعد زير نساء عجوز
قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
&
&
حينما تقدح حجرين.. يتولد شرر منهما ولا يكون هو ذاته الحجرين رغم أنه منهما.
هل هي لعبة...
نعم.. هي لعبة.. فلتجرب إشعال عود كبريت وسوف تكون عينك مشدودة لا إلى يدك ولا إلى العود وإنما إلى اللهب.
اللعبة بسيطة إذن ولا تحتاج لأكثر من أن تكون بسيطاً حين تقرأ وحين تكتب.
عماد فؤاد الشاعر الشاب من مصر يلعب لعبة القدح هذه.. ولا يكدح.
إنه ببساطة يكتب كمن يقدح ذات الشاعر باللغة وحينها يتوهج اللهب أو يكون الشعر في مساره.
(... طيف السعادة الذي مرّ
بخفةِ صبية أمام عينيه
تجسدَ في كرتين شفافتين من الدمع
كرتين
لسعتا عينيه الخرزيتين
فارتعشا جفناه
كأنهما يحتميان من هبة هواء ساخنة
هبة هواء
كانت كفيلة بإسقاط الكرتين على خديه
وإشعاره بافتضاح منهك
ومُذل... ) ص 4
ثمة متقابلات تلعب لعبة القدح هذه بجمل.. هل نقول عادية للغاية.. لكنها تولد الشعر في مساره الذي نجد أنفسنا فيه كأنما نسابق ضوءاً وعيوننا عليه.
عماد فؤاد لا يخوض معركة أو صراعاً وإنما يتوخى الهدوء كأنه يهمس صاعداً بالهمس إلى درجة الغليان :
(... رجلٌ
ككومةِ ظلٍّ جوار حائط
كانهدام نور مفاجئ
من نافذة مفتوحة على الفراغ
يتذوق ملوحة حارقة بين شفتيه
ومثل طفل
يُشبه ضفدعاً وحيداً
يحتفظ بمطرحه دافئاً كحضن
على ضفة نهر
انفجرت دموعه في بكاءٍ حقيقي
بكاء
حاول من خلاله
القبض على طيف السعادة
الذي مرَّ بخفة صبية
أمام عينيه... ) ص 5
وهنا ملاحظتان، الأولى غياب ألف ولام التعريف، كأن اللغة لا تريد أن تعرِّف شيئاً بقدر ما هي في يد الشاعر شظايا مقطوعة النسب عن الذاكرة :
(... انهدام نور مفاجئ... ) فماذا لو قال انهدام النور المفاجئ وهي جملة تتطابق في الذاكرة مع انقطاع النور المفاجئ.
أو (... يتذوق ملوحة حارقة بين شفتيه... )، إنه يتذوق.. ملوحة.. لا الملوحة التي تبقى بألف ولام تعريفها مثل باب مغلق.
والملاحظة الثانية هي التكرار :
(... تجسد في كرتين شفافتين من الدمع
كرتين
لسعتا عينيه الخرزيتين
فارتعش جفناه
كأنما يحتميان من هبة هواء ساخنة
هبة هواء
كانت كفيلة بإسقاط الكرتين على خديه... )
والتكرار هنا لا يلعب لعبة الرتابة وإنما لعبة القدح أكثر من مرة لأن ثمة صوراً تتوالى وتختلف في طبيعتها من حيث الهدف إلى بناء النص، فهبة الهواء الساخنة مثلا إنْ كانت قد أرعشت جفنيه فإن لها عملاً آخر تستدير له بالتكرار حينما تذهب إلى.. إسقاط الدمعتين.
وهذا الذي قلته باقتباساته من قصيدة مطرح دافئ على ضفة نهر من ديوان عماد فؤاد الثاني ( تقاعد زير نساء عجوز ) هذا العجوز الذي.. يسرد.. الشاعر حكايته في آخر الديوان المكون من ثمانية نصوص موزعة على 108 صفحات من القطع المتوسط لكتاب صدر عن دار شرقيات المصرية عام 2002.
وإن كان ثمة ملمح سردي في جميع النصوص كخاصية أسلوبية ليست مع ولا ضد.. فإنَّ هذا الملمح السردي يظهر أكثر في قصيدة : مريم. والتي رسم فيها الشاعر صورة مريم وابنها المسيح شعرياً ولكن مريم كانت في القصيدة مرئية بعيون ابنها وكأنها هي التي تعاني من الصلب :
(... المنزهة
الواثقة من نفسها كشجرة زان
كأنها لا تعرفه
هذا الذي يرقبها في حلمه
من خلف أحجبة شفافة
يداعبها الهواء الخفيف
فتهتز صورتها في عقله
كأنها انعكاس قمر طارئ
على بحيرةٍ ساكنة... ) ص 7
إن استدعاء الموروث هنا ليس دعوة مفتوحة لكي يدخل الموروث النص بما هو عليه في ماضيه، وهي لعبة طالما أجادها الشعراء العرب في العصر الحديث وأضاعت الشعر ويمكن أن نضرب أمثلة لا تحصى من شعراء تعذبوا كثيراً بوصفهم المسيح أو الحلاج أو غيلان الدمشقي.
عماد فؤاد بهدوء يستدعي قصة مريم والمسيح لكي يعطيها بعداً آخر هو الألم المتحرك ذهاباً وإياباً بين مريم وابنها وهذا البعد إنساني هنا كأن نقول ثمة ما يحدث في الحياة صغيراً أو كبيراً وتتألم منه أم وابنها.
لكن أين الشعر بعد كل هذه الثرثرة عن قصيدة مريم لعماد فؤاد.. لنقرأ معاً :
(... كأنه نائم
ليس من تعب
بل ليراها وحيدة في مكانها الشرقي
تمشي حين تمشي بعينين منكستين
كأنها حين لا ترى الآخرين
لا يرونها
وكأنها بمشيتها السريعة
تهرب من سرب الفراشات الملونة
الذي يتبعها بإصرار
أينما ذهبت... ) ص 8
.........
يبدو كل نص من نصوص الديوان حالة بذاتها كما في : يوم في حياة ملاك صغير الذي يتبعه عماد فؤاد كمن يلتقط له صوراً فوتوغرافية لنشاطه اليومي :
(... المسكين الصغير
كان عظمه طرياً في هذا العالم
يخبئ جناحيه الأبيضين تحت ذارعيه
إنْ مرت بجانبه جميلة وحيدة
ويخفي دمعته برمشه الطويل
لو مرَّ على عاشق... ) ص 19
وهذه القصيدة يمكن الحديث عنها بنميمة تقول إنها من أعذب قصائد الديوان، فماذا يفعل الملاك الصغير قبل أنْ يبدأ نشاطه اليومي :
(... يَبصُّ قبل خروجه
على نبتاته الخضراء
مُدارياً أصابعه العشرة
في قبضته
ومُرفرفاً بجناحيه في مغازلة
كأنه يشد الأوكسجين من هواء الأركان
إلى مسام الأوراق والسيقان
ويخرج
دون أنْ يلمح ابتسامة الرياحين
أو ضحك الصبَّار العجوز
في الزاوية... )
&
وثمة تفاصيل هنا، وفي قصائد الديوان أيضا، وهي.. تفاصيل يومية أو حياتية.. يبدو عماد فؤاد ماهراً في التقاطها بدقة من يعيش التفاصيل الحميمة لا الانتصارات الباهرة التي تعلو بسذاجة فحل عربي يكتب الشعر مثل نزار قباني الذي لم يبق نهد أبيض أو أسود لم يغرس نزار الرايات في أرضه ناسياً أن يقول لنا تفاصيل هذه الأرض.
لكن عماد فؤاد يقول في قصيدة.. "في محاولة تعريف معنى غيابك" :
(... لن أنسى
صوتَ ظهرك
وهو يزحف فوق السيراميك
تحت ثقلي
لسانك دافئ في فمي
دموعي تفرُّ
وهي تخترق نقاط العرق الغزير
سأعرف طعمها المالح
وأميِّزها
فثمة طعم مختلف
للملح... ) ص 25
&
بالطبع لا يوجد في الشعر العربي الحديث نظام للعلامات حتى نعطي شاعراً شاباً أكثر من علامة طالما.. الكبار والتابعون.. أخذوا كل العلامات متصدرين المشهد الشعري العربي من أقصاه إلى أقصاه وقاطعين بيننا وبين الهواء النقي...
لكن ثمة هواء نقي :
(... المحبة
أو قماشة الدانتيل البنفسجية
التي شددناها بحرص
على جسدينا
لفتنا بهدوء
لم نشعر بها
وهي تشتد وتمسك
لم نحس خيوطها الناعمة
وهي تنغرز ببطء مثل موسيِّ
في لحمنا الطري
ألفنا دفئها الرخو
الدفء الذي تمنيناه طويلاً
وانتظرناه بلهفة
كأطفال يتامى... ) ص 26
&
مع شعر كهذا لن نكون يتامى ولن تنقصنا وفرة المخيلة حيت تتفتح كباقات ضوء وتشع في رتابة أيامنا ولغتنا، والأمل أن يكون لنا في المستقبل.. نظام للنظافة.. تتقدم فيه أصوات مثل صوت عماد فؤاد وغيره من الشعراء الشباب وإن كانوا في الندرة.. لكنس المشهد الشعري العربي من أورام شعرية تشبه السرطان الذي يتلف الروح وهي أورام تحيط بنا مثل ديناصورات لا تريد الاقتناع بأنَّ ثمة زمناً للحياة يجب أنْ يأخذ حظه في الهواء الطلق.
أمَّا أنا وعلى قدر.. بساطة العيش.. مع نص جميل فقد كتبت ما رأيته لا أكثر عن عمل شعري أحببته، ولكنني لن أتحدث عن تفاصيل تقاعد زير نساء العجوز الذي كان عنوانا لديوان عماد فؤاد وكان أيضا النص الأخير في الديوان، ويمكن لمن يريد أن يعرف التفاصيل أن يقرأ الكتاب وهذه دعوة للقراء والحب من صاحب العمل :
(... بيتٌ
ليس إلا
كي نتشاجر فيه
ونفر من ألفته
إنْ داهمنا الملل
نربي بداخله أطفالاً مجانين
ونسكَّ شبابيكه
إنْ مرَّ تحت نوافذنا الشتاء
والمطر المتسكع
في الشوارع... ) ص28
&
تقاعد زير نساء عجوز
للشاعر عماد فؤاد
دار شرقيات
الطبعة الأولى 2002.
ibrahimaaziz@hotmail.com
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف