ثقافات

مقالات في المجتمع المدني (1): توظيف كل الطاقات من أجل العراق في سياق فهم جديد للامة

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
غالب حسن الشابندر
&

&
من أجل مزيد من الوضوح، ومن أجل أن نكون اكثر واقعية، لنبتعد عن التعريفات الأكاديمية لمعنى ( الامة )، ودعونا بكل بساطة وهدوء ملامسة هذا المقترب الكبير عن قرب حسي، وقرب وجداني، وقرب حياتي، لأنننا نريد بهذه المداخلة البسيطة أن نمارس فكراً تعبوياً، فكراً بنائيّا، فكراً حيوياُ، يدفعنا الى الامام، ويعوّض عن سنوات الضياع والتيه والتخلف، فلم يخلّف لنا صدام حسين ونظامة الديكتاتوري البشع غير الخراب والدمار، غير الضياع النفسي والذهول الروحي المخيف، فلم يعد سرّا بان صدام عمد بكل طاقاته الشريرة الى تخريب الانسان العراقي من داخله، ولم يال جهداً من أنتاج كل الوسائل والفواعل الخطيرة على هذا الطريق الخطير.
ما هي الامة ؟
نطرح هذا السؤال في سياق الهدف الكبير، واقصد به أعادة بناء العراق، بلدنا الحبيب، وفي المقدمة من ذلك بناء أو بالاحرى أعادة بناء الأنسان ا لعراقي، لكي يمارس حقه في الحياة وبناء التاريخ والحياة.
الأمة العراقيّة في تصوري هي كل ما تخزنه هذه الأمة من طاقات وقابليات وعادات وتقاليد وتاريخ ونتاج و ذكريات وآمال وطموحات...
هذه هي الامة العراقية في تقديري، ليست هي مصفوفة علاقات بين العراقيين، وليست هي مصفوفة من المواقف العابرة، بل هي هذا الثقل الكوني الهائل الذي تختزنه في أعماق الأعماق، هذه الشخصية الحيّة التي تمتلك آلاف السنين من الانتاج والخلق والتخليق والابداع، ليس الامة العراقية مصفوفة طوائف وقوميات ومذاهب واديان، بل هو كل العراق، هو كل العراق بتاريخه وجغرافيته، وبذلك لا نخسر شيئا، لا نفرّط بأي مفردة من مفردات هذا العراق العظيم، هذا العراق الكبير، أي خسارة لكل مفردة عراقيّة تقود الى تصديع العراق، ألى تمزيق نسيجه الاجتماعي، وتفتيت تراثه الروحي، وتلغيم سلامته وامنه وسعادته المأمولة.
الامة العراقية هي الفليسوف العراقي بما يملك من طاقة فكرية مبدعة، يعمل على تنظيم العقلية العراقية في اتجاه التفكير الصحيح. وهي الشاعر ا لعراقي الرائع الذي يغني المشاعر العراقية بصدق الرؤيا أزاء الكون والحياة، ويعمّق الوجدان العراقي باستشاف تراب العراق وهواء العراق وماء العراق، وهي الفنان العراقي يلهم أبناء الرافدين عبقرية حمورابي وتسامح المسيح وتعاطف محمّد وشجاعة علي وعدل عمر، هي الممثل العراقي الذي يجسد معاناة وآمال الانسان العراقي بعد هذه الرحلة الرهيبة من العذابات والآلام والمصاب، هي التاجر العراقي يفكر بانقاذ البلاد والعباد من الفقر والعوز والحاجة التي أذلت الانسان العراقي بسبب تلك السياسة الاقتصادية الهوجاء لنظام صدام حسين وزبانيته الطغاة، وهي العالم النووي الذي سوف لا يألوا جهدا في توجيه الطاقات العراقية من مواد خام وغيرها في خدمة الانسان العراقي المحروم من متطلبات الحياة التي تليق بانسان القرن الواحد والعشرين، هي القاضي العراقي الذي سوف يحكم بالعدل، ويسيّد قيم الحق والانصاف، هي الكاتب العراقي الذي سوف يكتب على طريق تكريس مفهوم ومصداقية المجتمع المدني، بعد انْ حاول صدام تكريس مفاهيم الطائفية البغيضة والعنصرية القاتلة، هي المهندس العراقي الذي سوف يستلهم بعمارته التراث العراقي ا لغني بالحياة والامل والمعاني البعيد والمفاهيم العميقة. هي الملعم العراقي الذي سوف يتصبب عرقا من اجل تخريج أجيال حرّة كريمة تؤمن بالتسامح، وتؤمن بحق الآخر، وتؤمن بالابداع والخلق والتطور، هي الأداري العراقي الذي سوف يبدع في تسيير شؤون الناس، ويحرص على تقديم اسهاماته باقل وقت وجهد ممكنين، هو الذي سوف يحترم الزمن والمادّة والمواطن، هي العسكري العراقي الذي سوف يؤصّل مهنته العسكرية بالدفاع عن حدود الوطن العزيز، ويحترم قيم العسكرية، ويشجع على الخدمة بهذه المؤسسة انطلاقا من الواجب وليس رغبة في التسلط والابهة ا لزائفة، هي رجل الامن العراقي الذي يخدم من أجل أمن المواطن وليس من اجل اذلال المواطن واحتقاره وازدرائه، هي المحامي العراقي الذي يقدم نموذج الدفاع عن المظلوم، ويثور على المهنة من اجل ا لمهنة، هي الفلاح العراقي ا لذي يرتبط بالارض كفكرة وهدف ورسالة، وليس كوسيلة عيش فقط، لا يفرّط بها، بل يحميها بعرق جبينه وعطاء ساعده، هي العامل العراقي الذي يؤدي واجبه في سياق الاخلاص للمنهة وا لشغلة، يعمل على تطوير مهاراته وقابليات كي يخدم نفسه وغيره، هي الطالب العراقي الذي يمتهمن الدرس من اجل الحياة، ويخلص لمادته، يعشقها من اجل المعرفة وا لعمل في آن واحد، لا يألوا جهدا من تطوير ذهنه وتمرين روحه على التفاعل مع الكتاب والقلم، هي المرأة ا لعراقية التي تجعل من همّها الاول تربية الابناء المتحضرين العارفين بوظائفهم الاجتماعية والروحية أزاء الشعب والوطن والتاريخ، هي الأسرة العراقية التي تشعر بانها جزء لا يتجزاً من هذا الشعب، من هذه الامة، من هذه الارومة، تغذيها بالعطاء، وترعاها بالبذل والمساهمة البناءة الخيرة. هي رئيس العشيرة العراقي الذي آمن بالوطن، الوطن باعتباره قيمة حضارية كبيرة، تستحق الوفاء، رئيس العشيرة الذي يحاول بكل طاقاته وممكناته ان يخدم الا رض العراقية والهواء العراقي والشعب ا لعراقي، يعمل على تذويب أخلاص أبناء عشيرته في بوتقة الوطن وحراة الوطن، هي الوزير العراقي الجدي الذي يعتبر الوزارة تكليف وليس تشريفا، هي الصحفي العراقي الذي يحترم قدسية الخبر وشرف الكلمة ويحافظ على ا سرار البلد وحرماته الكبيرة، هي التكنوقراطي العراقي الذي يخطط لتخليص مسيرة الأدراة العراقية من الروتين ومن خطورة الأسترخاء الاداري والتسيب القانوني، هي عالم الدين العراقي ا لذي يشعر من داخل وجدانه بأهمية توجيه الانسان العراقي نحو الالتزام بقيم التقوى الايجابية التي من شأنها بث روح الحماس الاجتماعي في الذات العراقية من اجل الحياة الراقية والسلوك المسؤول، هي البقال العراقي الذي يحترم أرواح الناس وأبدانهم وصحتهم، يعمل على تقديم السلعة الطيبة، هي الطبيب العراقي الذي يجعل من صحة الانسان العراقي هدفاً مهنيا ورساليا، يحفظ اسرار المرضى ويعمل على اشاعة الاطمئنان في نفوس مراجعيه، ويعتقد بان الصحة رسالة حضارية ربانية، يجب انْ يعمل على أشاعتها بالثقافة والعلاج...
هذه هي الامة العراقية، انها بطاقاتها وقابلياتها، وبذلك نجيّش كل الممكنات التي تحملها هذه الامة على طريق الحرية والتحرر، وعلى طريق البناء والتظور. أننا ننطلق من تصور بسيط للامة العراقية، ولكنّه معطاء وحيوي وبناء.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف