ثقافات

لقاء إيلاف الأسبوعي الناقد العراقي فاضل ثامر (2/3): النص الأدبي هو رهين بوسط وسياق اجتماعي تاريخي معين لايمكن التخلي عن هذا التصور

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
حاوره د. إسماعيل نوري الربيعي
&
&
&
&
* في كتابك النقدي "الصوت الأخر" الصادر عام 1992 حاولت ان تطرح رؤيا نقدية خاصة اطلقت عليها مصطلح "رؤيا سوسيو شعرية".ماهي مبررات هذا التحديث ودوافعه المنهجية بالنسبة لتطور رؤيتك النقدية في مطلع التسعينات؟هل تعتقد ان تلك الرؤيا مازالت هي التي توجه ممارستك النقدية حاليا؟
- لقد وقع ابناء جيلي من النقاد في الثمانينات تحت التأثير المباشر للأنفجار النقدي العالمي الذي تمثل في التأثيرات العميقة للسانيات الدوسيسورية ولمختلف مناهج المدارس اللاحقة مثل البنيوية والتفكيك ونظريات القراءة والتلقي و المقاربات التاؤيلية والسيميائية، ولاحظت انسياق عدد غير قليل من زملائي النقاد العراقيين والعرب انسياقا جارفا وراء هذه المنهجيات دون محاولة اجتراح منهج نقدي خاص بهم. وكنت في واقع الأمر منبهر الى حد كبير بهذه النظريات المدهشة، الا اني حاولت الا استسلم ل لحظة الأنبهار والدهشة ورحت اتعامل بشكل نقدي مع هذه المقاربات وامررها على "قاعدة بيانات "برنامجي النقدي الخاص الذي راح يتشكل منذمنتصف الستينات وينضج او يتبلور خللا عقدي السبعينات والثمانينات.لقد رحت اكتشف الكثير من جوانب القصور والمحدودية في الكثير من تلك المقاربات.فالبنيوية تكاد ان تهمل الجانب الدلالي في النص الأبداعي وتتجاهل الطبيعة الإنسانية للإبداع الأدبي وتتعامل بموضوعية جامدة مع المعطياتالنصية. اما التفكيك فكان يميل الى اشاعة حالة من الأنفلات والتشظي في القراءات والتأويلات النقدية بحيث راح ينفي امكانية قراءة مقبولة لأن كل قراءة بالنسبة له هي اساءة قراءة كما يقول دريدا.
وشعرت ان دريدا يريد ان يزيح العقل عن عرشه ويطلق العنان لتأويلات لايقينية ولا عقلية، وكذلك هو الحال بالنسبة لبقية المقاربات والمنهجيات الحداثية.ووجدت ان من الأفضل لكل ناقد ان يخلق منهجه الشخصي المتميز المقترن بتجربته النقدية وافقه المعرفي. وهكذا رحت اعيد النظر في المسلمات المطروحة واقوم بمزاوجة بين رؤيتي النقدية السابقة والعناصر الحية والمهمة في هذه المنهجيات، والتي تمخضت عما اسميته بالرؤيا السوسيو- شعرية، التي هي ثمرة زواج بين التحليل السوسيولوجي والثقافي للنص الأبداعي واليات تحليل الخطاب الأدبي في ضوء مفاهيم الشعرية الحديثة.وكما سبق واعلنت مرارا ان رؤيتي النقدية هي رؤيا حداثية ترفض تغييب الأيديولوجي والسوسيولوجي والتأريخي لحساب الشكلاني والنهلستي، وبذا فهي ترفض النظرة المحاثية للنص التي ترى ان النص هو بنية لسانية مكتفية بذاتها وليست بحاجة الى الأحالة الى أي مرجع او سياق تاريخي او اجتماعي او ثقافي، وتؤمن بأهمية معاينة المرجع الخارجي.
وحاليا أساسا مازلت اؤمن بالمنطلقات الأساسية لمنظوري النقدي الذي يقترب الى حد كبير من مفاهيم "النقد الثقافي "التي بشر بها في النقد العربي الدكتور عبدالله الغذامي، وبالتحليلات النظرية والسوسيو-تاريخية لدراسات مابعد الكولونيالية التي وضع ملامحها الأولى الناقد ادور سعيد، وخاصة بعد الأنحسار النسبي للمنهجيات الشكلانية في مظاهرها النقية، وتحولها او اندماجها اللاحق بمنهجيات اخرى.واعتقد ان جهدي الأساسي يصب في المنحى الأساسي للحركة النقدية العربية التي تسعى الى تأصيل خطابه النقدي والوصول الى رؤيا نقدية تأخذ بنظرها الأعتبارات والسياقات الثقافية والتأريخية لتشكل الثقافة العربية في عصرنا.
&
* ماهو الجيل النقدي الذي تنتمي اليه وماهي المجسات التي تستخدمها في اقترايك من النص؟
- انا اعتبر نفسي من نقاد الجيل الثاني في الأدب العراقي، حاولت منذ منتصف الستينات ان انهج نهجا خاصا بي، يعتمد اولا على تجربتي الشخصية وثانيا على الأنطلاق من منهجيات نقدية حداثية، في البداية كان الجانب الذوقي يرافقني الى حد كبير في القراءة النقدية، لكن منذ السبعينات بدأت أفيد الى درجة اكبر من من الجماليات والشكلانيات الحديثة مثل البنيوية والتفكيكية واتجاهات القراءة والتأويل لكني وجدت ان هذه المناهج في الكثير من الأحيان، تميل الى نوع من الشكلانية المتطرفة والى اقصاء الدلالة والمعنى ولذا حاولت ان اوفق بين منظومتين في النقد، المنظومة الأولى هي منظومة النقد الداخلي او النقد النصي الذي يعتمد على كشف البنيات الدخيلة واللسانية والبلاغية للنص الأبداعي، وعلى منظوم اخر هو خارجي، ولنقل بشكل ادق سياقي، يفيد من العناصر الثقافية المحيطية، مثل التاريخ ودور المؤلف وكذلك دور المؤثرات الجانبية، في الفترة الخيرة بدأت ايضا اعنى بشكل خاص بدراسة المؤثرات مع سنها في ادب الثقافة ما بعد الكولونيالية، وكتبت دراسات في هذا لمجال، كما بدأت الكتابة النقدية بشكل عام بالنسبة لي تفيد مما يسمى باتجاه النقد الثقافي الذي برزت ملامحه في النقد العربي حديثا والذي اعتبره البعض الوريث الطبيعي للكتابة النقدية التقليدية، فهنالك الكثير من التواصل في تجربتي النقدية منذ منتصف الستينات وحتى الوقت الحاضر، احاول اساسا ان انطلق من النص الأدبي لكنني في الوقت ذاته لا اقصي عناصر القيمة ولا اقصي القيم الدلالية والسيميائية للنص الأدبي، انا اعتبر ان النص الأدبي هو رهين بوسط وسياق اجتماعي تاريخي معين لايمكن التخلي عن هذا التصور.
&
* كيف تنظر الى رهان الحراك الشعري اليوم.هل يمكن تأطير هذا الحراك وكيف؟
- لايمكن الجزم مطلقا بأن حركة الحداثة الشعرية العربية تسير على وفق سياق منطقي اوتراتب تاريخي او رؤيوي معين. فمهما حاول الناقد الأمساك بحراك اراهن الشعري وتجميد تمفصلاته ونواياه المضمرة تحت مجسات النقد الشعري يظل هذا الحراك مخاتلا ومراوغا ويكشف في اخر المطاف وعلى نحو مفاجئ ن منحى جديد في هذه النقطة او تلك او في هذا الفضاء او ذاك، على مستوى الرؤيا والأداء والتجريب والأداء واللغة معا.
&الراهن الشعري لايمكن ان ينفصل عن سلسلة من التحولات والانحناءات والإنكسارات في تجربة الحداثة الشعرية العربية، لكن النقد يجد نفسه مضطرا للتأطير والتقنين، واحيانا للتجييل والتصنيف للأمساك بالظلال الرجراجة الهاربة لفضاء الحراك الشعري في مختلف مراحله وتقلباته.
احد الخيارات التي جربها النقد العربي الحديث تتمثل في الركون الى فرضية التجييل والتحقيب التي أثبتت فاعليتها الجزئية. فهي على الرغم من محدوديتها الا انه استطاعت ان تحل بعض الأشكالات التقيمية الدقيقة التي واجهت النقد في مراحل الحداثة الشعرية العربية المبكرة، كما جرب النقد مجسات اخرى منها ذات اصول سوسيولوجية او ايديولوجية او لسانية او اجناسية، الا ان التجربة الشعرية ظلت الى حد كبير تفلت من هذه الأطر الضيقة، متخذة لنفسها مسارا خاصا بها الا اني لاحظت ان التجربة الشعرية الحداثية مع عدم الشطب على بقية مستويات التصنيف والتقنين، تكاد ان من ما يمكن ان اسميه بتماسك البنية
&في مراحلها المبكرة الى لون من بنية التشظي، حيث التدمير التدريجي للنسق المنضبط للبنية المتماسكة وهي حالة تقترن، كما يبدو بحساسية مابعد الحداثة بالدرجة الأولى وبهيمنة بعض انماط قصيدة النثر وقصيدة النص التي تتداخل فيها الكثير من من الأجناس الأدبية والفنية.ولذا يمكن القول بأنه اذا ما كانت مرحلة الحداثة الشعرية العربية تقترن بتماسك البنية، فأن مابعد الحداثة تبشر او تنبئ بولادة فضاء التشظي حيث يسقط المركز الأحادي ويبهت دور النسق المنضبط، وخلق بدلا من ذلك سلسلة من البؤر الشعرية المتشظية التي قد تنفلت "احيانا دون ضابط لساني او ، خاصة عند انفلات سيل الدوال عند مدلولاتها، في حالة التخييل او استلهام حالة سريالية او استبطان اللاواعي او بعض مستويات الحلم والتمزق الناجمة عن سلسلة من الضغوط الأجتماعية والسياسية والسيكولوجية والداخلية والخارجية معا.
ومن هنا يمكن ان نخلص الى ان الراهن الشعري هو ثمرة انقلابات وتحولات صعبة في الذائقة الشعرية والجمالية وعن الأنساق والبنى الشعرية، وفي نظام الرؤيا ذاته من خللا الانتقال غير المحسوس للشعرية العربية من تماسك البنية الى فضاء التشظي.
&
* هل يعني هذا ان الشعر العربي حاليا يمر بمرحلة مابعد الحداثة، وان الراهن الشعري الذي اشرته والذي يتميز كما تقول بالأنتقال من تماسك ابنية الى فضاء التشظي؟ اذا كان الأمر كذلك هل يمكن ان نجد تجليات اخرى لما بعد الحداثة في الأدب العربي الحديث؟
- لا استطيع ان ازعم اليوم بأن الشعر العربي الحديث يمر اليوم بمرحلة ما بعد الحداثة بصورة كلية. فالتمييز بين مرحلتي الحداثة وما بعد الحداثة حتى في الأداب الأوربية والأميركية، امر غاية في الصعوبة. لكني يبدو لي ان بعض موجات مابعد الحداثة قد راحت تؤثر بدرجات متفاوتة في التجربة الحداثية.
كما ان المؤثرات النقدية راحت تترك اثرها العميق في هذا التشكل وبشكل خاص انسحاب البنيوية اما اطروحات التفكيك التي جاء بها دريدا، وكذلك نظريات القراءة والتلقي والمناهج التأويلية بصورة عامة والتي اكدت على امكانية تقديم قراءات متعددة وغير نهائية للنص الواحد، نظرا لغياب مركز بنيوب موحد للنص وميل هذا النص الى التشتت والى اللامركزية. وربما يمكن ان نعتبر بعض مظاهر السرد العربي الحديث والمتمثلة اساسا في ظهور مايسمى بنمط ماوراء الرواية met-ficion او ما وراء السرد meta-narration خير
مثال على صعود موجة مابعد الحداثة في السرد العربي. في هذا النمط من السرد يعتمد السرد بشكل اساسي على انشغال ذاتي من قبل المؤلف او السارد ذاته بهموم الكتابة السردية والياتها. وغالبا ما يوظف المؤلف ضمير المتكلم في السرد فتصبح الرواية قريبة من السيرة الذاتية، كما قد يبدو هذا اللون من السرد الروائي وكأنه ارتداد وعودة الى ضروب الراوي العليم. ولذا فقد وجدنا البعض من يعد هذا الضرب الروائي خارجا عن الأعراف والتقاليد السردية اويعده رواية مضادة، لكنه في الجوهر تعبير صريح عن حساسية ما بعد الحداثة.
اما في الشعر الحديث فيمكن ان نعد صعود قصيدة النثر وقصيدة النص التي تنطوي على تداخل عميق للأجناس الشعرية مظهرا من مظاهر ما بعد الحداثة، حيث الخروج من النسق المركزي الى تعددية الأنساق والى حالات من التشظي والانفلات التي تكسر هيمنة المركز الواحد.
يتبع
&
الحلقة الأولى
&
&
للاطلاع على حوارات مع كبار المفكرين العرب اضغط على هذا الرابط:
لقاء إيلاف الأسبوعي

&

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف