جريدة الجرائد

رجاء النقاش: ما قاله الفيلسوف للأمير

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
هي حكاية معروفة عن فيلسوف الصين الكبير كونفوشيوس‏551‏ ـ‏479‏ قبل الميلاد‏,‏ وتقول لنا هذه الحكاية إن أحد أمراء الصين وجد الأوضاع الاجتماعية في بلاده قد اضطربت وساءت فيها الأمور وانهارت أخلاق الناس‏,‏ فاتجه الأمير إلي الفيلسوف يطلب منه النصيحة والعه أن يدله علي الطريقة التي يمكن أن تعود بها الأحوال إلي طبيعتها وأن تخرج البلاد من أزمتها‏,‏ فقال الفيلسوف للأمير إن الحل هووضع الألفاظ في موضعها‏,‏ واندهش الأمير وطلب من الفيلسوف شيئا من الشرح والتوضيح فقال الفيلسوف‏:‏ حين لا توضع الألفاظ في موضعها الأذهان‏,‏ وحين تضطرب الأذهان تفسد المعاملات‏,‏ وحين تفسد المعاملات يتوقف الناس عن دراسة الموسيقي ولا يقومون بأداء الشعائر الدينية‏,‏ وحين يتوقف الناس عن دراسة الموسيقي وأداء الشعائر الدينية تفسد النسبة بين العقوبة والجريمة‏,‏ وحين يحدث ذلك لا يدريلي أي القدمين يرقص‏,‏ ولا ماذا يفعل بأصابعه العشرذلك ما قاله الفيلسوف كونفوشيوس للأمير الصيني‏,‏ ولا شك أن ما قاله الفيلسوف يحتاج إلي بعض الشرح والتفسير‏,‏ فهو عندما يقول مثلا إن العلاقة بين العقوبة والجريمة تتعرض للفساد فهو إنما يعني القانون والقضاء‏,‏ ويحذر من انهيار القوانين وتسرب الفساد إلي النقضائي‏,‏ بحيث تكون عقوبة الجرائم الكبري صغيرة‏,‏ أما الجرائم الصغري فتكون العقوبة عليها كبيرة‏,‏ وغير ذلك مما يجعل القضاء مختلا والعدالة ضائعة وميزان القانون مائلا وغير
كلام الفيلسوف جميل لأنه مهذب جدا في اشارته إلي أمراض خطيرة يمكن أن يتعرض لها المجتمع إذا لم نضع الألفاظ في موضعها‏,‏ أي إذا لم نستخدم اللغة استخداما صحيحا لا كذب فيه ولا مبالغة ولا خداع‏,‏ كما نلاحظ في لغة الدعاية والإعلان والإعلام في بعض الأحيان‏,‏ ات في هذه اللغة تكون كبيرة‏,‏ بينما الواقع يكون أقل من الكلمات بكثير‏.‏ وفي حديث الفيلسوف الصيني إشارة أخري رقيقة إلي عدم دراسة الموسيقي وهو ما يعني فساد الذوق العام في طول البلاد وعرضها‏.‏ لأن الموسيقي هي عنوان الذوق‏,‏ والذوق هو رائد السلوك المهذني المتحضر‏,‏ والشعوب التي تحسن الاستماع إلي الموسيقي هي شعوب يسودها فيما بينها شعور عميق وصادق بالرحمة‏,‏ أما الذين لا يستمعون إلي الموسيقي ولا يتذوقونها فإن القسوة تسكن قلوبهم وتنعكس علي سلوكهم بصورة دائمة‏.‏ علي أن جوهر ما قاله الفيلسوف للأمير هو اح اللغة واستخدامها استخداما دقيقا منضبطا هو أساس قوي للإصلاح في سائر شئون المجتمع الأخري‏.‏ وقد تبدو هذه النظرة مثالية أو خيالية‏,‏ ولكنها في الحقيقة نظرة عميقة‏,‏ وهي نظرة فيلسوف يفكر في أعماق الأمور ويحسب حساب المستقبل البعيد‏,‏ ولا يغرق في المظحية المؤقتة‏.‏ ونظرة الفيلسوف الصيني أو نظريته تفيدنا الآن كثيرا‏,‏ حيث يسعي عدد من المفكرين والباحثين إلي تحقيق إصلاح لغوي عربي يساعد علي التقدم والنهوض والوقوف في وجه ما نتعرض له من تشهير ثقافي وحضاري يمس كل جوانب حياتنا من الأزياء إلي مناهج التعليم قائد الروحية وحتي لقمة الخبز‏.
وقضية الإصلاح اللغوي مطروحة للبحث والتفكير بعد أن طرحها الأستاذ شريف الشوباشي بقوة وجرأة في كتابه لتحيا اللغة العربية‏..‏ يسقط سيبويهبل إن القضية مطروحة قبل أن يصدر هذا الكتاب بكثير‏,‏ ولكن الكتاب الجديد ألقي حجرا كبيرا في المحيط الهاونعود في التفاته سريعة إلي التاريخ‏,‏ لنقرأ هذه الكلمات التي انقلها بنصها من كتاب صور وبحوث من التاريخ الإسلامي لأديب ومؤرخ كبير هو الأستاذ عبدالحميد العبادي‏1892‏ ـ‏1956,‏ حيث يقول ص‏408:..‏ كتب كاتب أسباني اسمه الفارو من أهل القرن الثالث الهجريرن العاشر الميلادي يشكو من نفوذ اللغة العربية عند الأوروبيين‏,‏ وكان العصر هو عصر السيادة العربية في الأندلس‏.‏ يقولالفارو الأسباني‏:‏ إن إخواني الأوروبيين يسرهم أن يقرأوا أشعار العرب وقصصهم‏,‏ وهم يدرسون فلاسفة المسلمين وفقهاءهم‏,‏ لا ليردوا ع ليقتبسوا منهم الأسلوب العربي الرشيق السليم‏.‏ أين اليوم العلماء الأوروبيون الذين يستطيعون أن يقرأوا التفاسير اللاتينية للكتاب المقدس؟‏..‏ واحسرتاه إن شباب أوروبا الممتازين بالمواهب لا يعرفون من الأدب واللغة إلا ما هو عربي‏.‏ انهم يقرأون ويدرسون المؤلعربية في نهم وشراهة‏,‏ وإنهم يجمعون منها مكتبات برمتها مهما كلفهم ذلك من المال‏,‏ وإنهم ليثنون في كل مكان علي العلوم العربية‏,‏ وعلي العكس من ذلك إذا ذكر احد أمامهم الكتب الأوروبية قالوا إنها لا تستحق أن يعيروها التفاتهم‏.‏ وارحمتاه‏.‏ لقد نسي الغتهم أي اللاتينية‏,‏ وقلما نجد واحدا في كل ألف شخص يستطيع أن ينشئ رسالة إلي صديق له باللغة اللاتينية المقبولة‏,‏ فإذا كان الأمر امر رسالة عربية فما أكثر من تجد ممن في استطاعتهم ان يعبروا عن انفسهم بتلك اللغة بأعظم ما يكون من الرشاقة‏,‏ بل إنهم يستطيل الشعر العربي الذي يفوق في جودة نظمه شعر العرب أنفسهم‏.
هذا هو النص الذي نقله المؤرخ الكبير عبدالحميد العبادي في كتابه المهم والرائد عن التاريخ الإسلامي‏.‏ والنص لم يخترعه المؤرخ العربي بل نقله عن مصادر أوروبية موثوق بها ومنها كتاب المستشرق الهولندي الكبير دوزي‏1820‏ ـ‏1883‏ وعنوانه أسبانيا الإسلما الذي يعنيه هذا النص الذي جاء علي لسان ألفارو الأسباني منذ نحو ألف سنة؟‏.‏ إن ما استطيع الخروج به من هذا النص هو أن اللغة العربية في حد ذاتها ليست هي سبب المشكلة اللغوية عندنا بدليل أن هذه اللغة نفسها كانت منذ ألف سنة لغة معشوقة عند الأوروبيين‏,‏ وكالموضة عندهم في ذلك الزمان البعيد هي أن يتكلموا باللغة العربية‏,‏ وأن يكونوا متقنين لها‏,‏ وأن يعلنوا معرفتهم الدقيقة بها مما يرفع شأنهم في مجتمعذلك هو مكان اللغة العربية في أوروبا منذ ألف سنة‏.‏ ولا شك في أن هذه اللغة لم تكن ابسط ولا أقل صعوبة مما هي عليه الآن‏.‏ بل من المؤكد ان اللغة العربية الآن قد حققت من التطور والتجديد ما جعلها أيسر وأقل صعوبة مما كانت عليه منذ ألف عام‏,‏ أي منذ أن كانتللغة موضة محبوبة ومعشوقة من الأوروبيين الذين كانوا يتنافسون علي كتابتها والحديث بها والتباهي بأنهم يعرفونها أكثر من غيرهم‏.
ما الذي يمكن أن يفسر لنا ذلك كله؟
إنني أعود هنا إلي مقال رائع لأديب عربي كبير هو إبراهيم عبدالقادر المازني‏1889‏ ـ‏1949,‏ مقال المازني منشور منذ نحو سبعين سنة مجلة الرسالة العدد‏114‏ ـ في‏9‏ سبتمبر‏1935,‏ والمقال عنوانه اللغة والألفاظ‏,‏ وفي هذا المقال يشير المازني إلي فكرة أسااح الصحيح للمشكلة اللغوية‏,‏ وهي الفكرة التي تفسر قوة اللغة أو ضعفها‏,‏ وليس هناك من تفسير للوضع اللغوي أفضل منها وفكرة المازني تلتقي تماما مع فكرة الفيلسوف الصيني‏,‏ حيث تلتقي الفكرتان في أن قيمة اللغة هي في قيمة المتحدثين بها أولا وقبل كليقول المازني في مقاله القديم الرائع‏:‏ اللغة تتبع الدولة وتسير في ظلها‏,‏ ولا سبيل إلي انتشار لغة يكون أهلها مغلوبين علي أمرهم‏,‏ وبعيد أن تعجز عن الذيوع لغة يتسع سلطان ابنائها وتنبسط رقعة ملكهم ونفوذهم‏,‏ ولا عبرة في هذا الأمر بما في اللغة نفسها مأو عسر في التحصيل‏,‏ والمعول علي القوة والسلطان‏,‏ لا علي أن اللغة قريبة المنال أو بعيدته‏,‏ وقد استطاعت اللغة الانجليزية أن تنتشر في الأرض وأن تزحزح الفرنسية وتنزلها عن عرشها‏,‏ لأن سلطان الانجليز امتد شرقا وغربا‏,‏ وليست الانجليزية اسهل من الفرعربية‏,‏ ولكن قوة أهلها أكبر ونشاطهم اعظم‏,‏ وهذه الاسبرانتو‏,‏ أو اللغة العالمية التي اخترعوها لتكون اللغة المشتركة بين الأمم‏,‏ ماذا كان مآلها؟‏.‏ يعرفها أفراد راقتهم الفكرة‏,‏ ولا يعبأ بها أحد فيما عدا هؤلاء النفر القليلين‏,‏ وفي مصر جاليةشط منها ولا أكثر عددا‏,‏ هي الجالية اليونانية‏,‏ ولكنه يندر أن يعني مصري بتعلم اللغة اليونانية‏,‏ علي حين نتعلم الانجليزية في مدارسنا ونعدها اللغة الث
ويشير المازني بعد ذلك إلي نقطة أخري أساسية في فهم المشكلة اللغوية حيث يقول‏:‏ هناك شيء آخر يغلط فيه الذين يفتنون بالتسهيل‏,‏ ذلك أن السهولة مرجعها إلي العقل لا إلي الألفاظ‏,‏ والأمر من حيث الأداء في اللغة مثله في التصوير‏,‏ ذلك ان الألوان التي يستعصور قليلة العدد جدا‏,‏ وهي أداة المصورين جميعا‏,‏ كما أن الألفاظ هي أداة الذين يكتبون‏,‏ ولسنا نظن أن احدا سيزعم أن قلة الألوان التي يستخدمها المصور جعلت التصوير أسهل‏,‏ وما من مصور إلا وهو عارف بالألوان وكيف يستعملها وكيف يزاوج بينها‏,‏ ومع ذلك الصور الناطقة بل التي تكاد تصيح من قوة النطق‏,‏ ويجيء آخر بغير شيء‏,‏ ولا نحتاج إلي ان نقول إن الألوان لا ذنب لها‏,‏ وإن المصور نفسه هو الذي لم يستطع أن يؤدي بها ما أراد أن يبرزه أو يثبته أو يدل عليه‏,‏ وكذلك في الكتابة لا ذنب للألفاظ‏,‏ فإنها وه تؤدي شيئا‏,‏ ولا فرق بينها‏,‏ ولا فضل لواحدة علي واحدة‏.‏ وسواء أقلت الألفاظ أم كثرت‏,‏ فسيظل هناك كتاب مشرقون واضحون يسهل ورود كلامهم ويحسن وقعه‏,‏ وآخرون غامضون يحطمون رؤوس القراء‏,‏ لأنهم يكتبون قبل أن يتبينوا ما في نفوسهم من الخواطر والاأنهم لم يرزقوا القدرة علي الأداء الحسن الواضح‏,‏ أو لأن في أسلوب تفكيرهم التواء‏,‏ أو لأن في طريقة تناولهم للموضوع عوجا‏,‏ أو لغير ذلك من الأسباب الراجعة إلي الكاتب نفسه لا إلي الأل
&
(الأهرام) القاهرية

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف