ثقافات

تركي الحمد من "شرق الوادي" الى شرقي عدن .. البحث عن الفردوس المفقود

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
كتب رؤوف مسعد: أما شرقي عدن الأسطورية فهي الجنة التي خلقها الله "يوم صنع الرب الإله الأرض والسموات. وغرس الرب الإله جنة في عدن شرقاً واسكن هناك آدم الذي جبله. وكانت شجرة الحياة وشجرة معرفة الخير والشر وسط الجنة" كما تركي الحمد تقول التوراة في "سفر التكوين". وهي أيضا الجنة التي طرد منها الرب الإله آدم وحواء حينما عصياه وطاوعا "الحية" وأكلا من ثمرة شجرة المعرفة. رواية "شرق الوادي" للكاتب السعودي تركي الحمد تعيد تأطير الأساطير، بل انه يبدأ فصله الأول بعنوان "وفي البدء" مذكرا القارئ بالجملة الأولى من سفر التكوين "في البدء خلق الله السموات والأرض"، ثم يقسّم فصول روايته إلى "أسفار" (كما هو حادث في التوراة) "سفر الآفلين" و"سفر الأولين" و"سفر التائهين" و"سفر اللاهين" و"سفر الحنين" لينهيها بـ "خواتيم"
والقارئ المتابع للدراسات والقراءات الدينية سيجد اشارة واضحة من المؤلف لما اشرت اليه، ففي "سفر الآفلين" يورد المؤلف النص التوراتي الكامل لقصة الطرد من الجنة (ص31 ) كأنه يريد ان يأخذ بيد القارئ ويرشده إلى مفاتيح الرواية ليعيد تركي الحمد تأكيده لقارئه في "سفر الآفلين" قصة الطرد مرة اخرى. هذه المرة من القرآن الكريم من سورة الأعراف، الآيات :11 - 2.(ص73)
وفي "سفر التائهين" يفتتح بقصة من انجيل لوقا حكاية مريم المجدلية "الخاطئة" التي سكبت الطيب على قدمي المسيح ثم مسحتهما بشعر رأسها؛ مما ادى ان يقول لها "مغفورة لك خطاياك ايمانك خلصك فاذهبي بسلام" وهو السفر- الفصل الذي يتركز فيه البحث عن سميح الذاهل. حيث يسافر جابر من الخب إلى الشام ثم فلسطين فالقدس ومنها مرة اخرى الى عمان ليرجع الى الشام وتزوج هناك من هند بنت العويني، ليرجع مرة اخرى إلى الخب ويتزوج من زهرة ارملة صديقه "ابو عثمان" ومن الخب سيتجه "جابر" إلى الظهران ليعمل في شركة "ارامكو" ويلتقي "اثيل" التي تراوده عن نفسها وتسقطه في شراكها الجنسية. لكن سنعلم بعد ذلك في "أسفار" لاحقة ان اثيل ستعتزل الدنيا الفانية وتعتصم بدير مترهبة ."كأنها تكفر عن خطاياها السابقة". وسنكتشف اهتمام المؤلف بالدين كملجأ يقي اللائذين به شر دنياهم (انه يرسل بشخصياته النسائية إلى الدير) مثلما حدث مع افروديت التي لم يمسسها بشر.
شخصيتان نسائيتان على طرفي نقيض تنتهيان في الدير. كما تكون ايضا خاتمة هيلة زوجة جابر حينما تقضي يومها متعبدة وفي يدها السبحة عاكفة على الصلاة وزيارة القبور.
يثير هذا عندي اسئلة محيرة، لماذا هذه النهايات "المتطرفة" للشخصيات النسائية؛ خاصة وان واحدة "خاطئة" والثانيتان لم ترتكبا معصية لخالق أو مخلوق؟. إذن فـ"شرق الوادي" تريد أن تكون سيرة أسطورية تمزج بين التاريخ الحي المعاصر؛ تاريخ المملكة العربية السعودية عند إرهاصات ميلادها وتكوينها بواسطة عبد العزيز آل سعود "لست إلا عبد العزيز بن عبد الرحمن، قالوا لي انك ملك" (ص 268). بل انه يؤكد تمازج الأسطورة في "شرق الوادي" مع الملك عبد العزيز ويضفي عليه اللقب الذي خلعه عليه المؤرخون "الأسطورة، كما كانوا يطلقون على ابن سعود" (ص268). الأسطورة والتاريخ
عملية إعادة تخليق التاريخ القريب والحي ومزج شخصياته "الواقعية" بحوادث أسطورية (ولعل التسمية الأصح: غرائبية) سبقنا إليها كتّاب أمريكا اللاتينية قبل ماركيز بزمن طويل. خذ عندك الكاتب خورخي لويس بورخيس وكتابه الممتع "التاريخ العالمي للخونة" الصادر بالإنجليزية من دار بنغوين عام 1975 والذي نُشر في الصحف الأرجنتينية في الثلاثينات ثم صدرت طبعته الأولى عام 1954 حيث تدور حكايات الكتاب عن السحرة وعن "التحولات". ومن منا لا يذكر "التحولات"، في رواية ماركيز الشهيرة "مائة عام من العزلة"& لكن قبل ذلك كله سبقت الجميع قصص وحكايات "ألف ليلة وليلة" مازجة بين شخصيات حقيقية مثل هارون الرشيد وأماكن واقعية مثل بغداد والقاهرة وشخوص وأطياف الجن والسحرة وأماكن "خرافية" مثل مدينة النحاس، وطيور عجائبية... الخ.
لكنها في النهاية ليست بالعملية السهلة؛ فالكاتب هنا- بالرغم من استناده على تراث قديم- أو بسبب هذا, أيضا يسير بقلمه على "الصراط" فهو لا يريد أن يحكي حكاية خرافية ولا يرغب أيضا أن يكتب رواية "وثائقية" لذا تجده يقدم خلطة ذكية وبارعة من أحداث يومية عادية يحكمها الحب والكراهية والقناعة والجشع والجسد وملذاته "الطبيعية" مع توابل حسية " سادية ومازوخوية " مع وصف المعارك الأولى لتوحيد "الجزيرة العربية" وتخليصها من الشيوخ والقبلية، ثم ظهور البترول وشركة "أرامكو" وما تبع ذلك من هبات عمالية وقمعها بقسوة وبزوغ الناصرية ثم العدوان الثلاثي وظهور إسرائيل كقوة مؤثرة وشيطانية في المنطقة العربية ثم التجوال في العواصم العربية الهامة آنذاك؛ بيروت ودمشق والمراكز العالمية مثل باريس ونيويورك،
لكننا نستسمح القارئ في تعجلنا بإطلاق "الصفات" على "شرق الوادي" فلست اجزم بأنها "اسطورية" بقدر ما أنا غير واثق انها رواية "تحولات" (ميتامورفوسيا). لأن "التحولات" في "شرق الوادي" هي تحولات "مادية" وتحولات روحية ثم "تحولات طقسية وغرائبية".
(وسنكتشف بالدخول في الرواية بأنها ايضا رواية "حنين". بحث عن الجنة على الأرض؛ عن شرقي عدن (وهو في الوقت ذاته شرق الوادي)
فالتحولات المادية تأتي في سياق اكتشاف البترول وتدفق الثروات "بدأت الدنيا تصبح غير الدنيا كأن زلزالا أصاب الرياض وخبالًا عاماً ضرب في عقول الناس كانت حمى الذهب في كاليفورنيا ولكنها اليوم في الرياض والظهران وجدة . بعد الحرب الأخيرة بين العرب وإسرائيل ومقتل الملك فيصل، ارتفعت أسعار النفط وفتح الملك خالد خزائن الدولة للجميع واخذ الجميع يلهثون وراء هذه الثروة المفاجئة" (ص281) وفي مكان آخر يقول على لسان واحد من شخصياته "ما سمعت وش يقولون؟ يقولون أن من لم يغز مع عبد العزيز فلن يغزو ومن لم يثر مع خالد فلن يثري"(282).
ثمة تحول آخر هام هو تحول الشخصية الرئيسية في الرواية التي لم نعرف اسمها كاملا إلا في آخر سطر في الصفحة الأخيرة "جابر عبد العزيز السدرة " تحوله من مزارع عادي في "الخب" إلى عضو في مجلس إدارة شركة ارامكو بعد أن التحق بالشركة كعامل بسيط وتدرج فيها وبعثته الشركة في منحة إلى أمريكا ليدرس الإدارة (بإيعاز من أثيل الأمريكية زوجة رئيسه التي عشقته).
"تحولات جابر" هي المحور الرئيس لحركة العمل الروائي. فهو لا يستقر على حال من القلق كما يقال. تتراءى له الرؤى ويغادر الخب وراء رؤاه ليستقر بعض الوقت في القدس ثم في دمشق التي يتزوج فيها هند وينجب، ثم تناوشه الرؤيا مرة أخرى فيهرع إلى الخب ليتزوج مرة ثالثة من زهرة أرملة صديقه المتوفى التي كانت جارية رقيق ثم اعتقها صديقه وتزوجها وانجب منها. ومرة أخرى ينجب جابر من زهرة. ليتركها كما ترك هند ويذهب إلى الظهران ليعمل في ارامكو وتعاشره "اثيل" وتعلمه ممارسة "السادية" في الجنس بل يجد نفسه أيضا في علاقة جنسية معقدة معها ومع زوجها المازوخي. يذهب إلى أمريكا ويلتقي بـ"جريس" المسيحية من اصل لبناني ماروني. يعاشرها وتحبل منه ويتزوجها. ترجع معه إلى الظهران عبر بيروت ولبنان التي تختفي فيه هي ووليدها كما حذرته الرؤيا طوال الوقت تلاحق جابر رؤيا "سميح الذاهل" الذي يختفي من الخب ليظهر في القدس ليختفي ليظهر مرة أخرى في الجب وفي الظهران تصاحبه معجزاته وألغازه وتنبؤاته. "الخب" أو الاسطورة المجهولة كان يجب أن أقول أن هناك اكثر من جابر؛ جابر الجد الذي ترك لنا "هذه الرواية" من خلال أوراقه ومذكراته التي أوصى بها إلى حفيده جابر عبد العزيز السدرة الذي فتح صندوق الأوراق القديمة واطلعنا على خافيه، بل أن لقب العائلة "السدرة" هو أيضا نتيجة فعل "غرائبي" إذ هاجر الجد الكبير من "خب البدايات والنهايات" بعد أن ضاق به وبأهله "ضاع في الصحراء وهو لا يدري إلى أين يتجه. وبينما هو يحاول البحث عن مكان يلجأ إليه شاهد "سدرة كبيرة تنتصب وحيدة في نقرة جافة بين خب الجن وخب السعالوة. جلس هو ومن معه في ظل السدرة واخذ يدعو الله أن يجد له مخرجاً. وما هي إلا دقائق بعد الدعاء، حتى شاهد غيمه بيضاء على شكل قبضة يد يشير شاهدها إلى الشرق، فلم يتردد سمحان البادي وهذا هو اسم جدكم الأصلي من التوجه حيث يشير الإصبع الذي قاده إلى خب السماوي في النهاية واصبح لا يسمى إلا سمحان السدرة بعد أن عرف الجميع قصته وبذلك نشأ الخب".
بحثت في "المنجد- الطبعة الخامسة والثلاثون - دار المشرق - 1996 " عن معنى كلمة "خب" فوجدت ما يلي: (خبّ: خبا النبات؛ طال وارتفع. خٌبَّ: خَبَّا؛ صار خداعا. الخُبّ؛ الغامض المطمئن من الأرض. الخَبّ؛ الطريقة من الرمل. سهل بين حَزْنين). ونجد المؤلف يقول لنا عن الخب (وهو يكتبه في الرواية بدون تشكيل):
"وليس حول الخب إلا ما يجعل الخب ذاته أسطورة مجهولة الجذور من أساطير الأولين والآخرين أو مسرح سبحانية عندما كان كل شيء يتكلم أو جزيرة ألقتها عنقاء مستحيلة وراء جبل قاف وبحر الظلمات لا أحد يعرف أين هي ولا يهتم أحد أين هي" (ص36) كأن المؤلف من البداية يقول لنا أن "الخب" لا وجود له إلا في مخيلتنا مثل الأساطير، لكن ليس الخب وحده غير الموجود إلا في مخيلتنا بل اكثر من شخصية أساسيه مثل "سميح" و "العايش".
نلاحظ هنا "معاني" للأسماء بل وتكرارها مثل سميح الذي يتكرر باسمه وشكله المحدد والخاص، كذلك "عايش" الذي اشتهر بشره وفسقه؛ يختفي ليظهر ويواصل البقاء والتواجد و"زهرة " الجارية الأرملة التي تتكرر اكثر من مرة.
في الفصل الأخير حينما يقرر "جابر" الجد العودة إلى الخب تاركاً ارامكو والمال الوفير والدعة؛ تقول له ابنة عبد العزيز العملي التاجر الشاطر المليونير "وماذا تفعل في الخب يا أبي فهو حتى لم يعد موجودا".
فبالرغم من الوجود الواقعي لأماكن أخرى- كما قلت من قبل- مثل الظهران ونيويورك؛ فإن البدايات التي بدأت منها الرواية غير موجودة أو "لم تعد موجودة" ليست مثل الرياض التي تحولت بفعل البترول من بيوت طينية إلى عمائر شاهقة من الأسمنت "كأن زلزالاً أصاب الرياض" كما أشرنا من قبل.
لكن حتى المبادئ التي آمن بها الجد جابر تخلى عنها في سبيل حفنة من النقود. "كان هناك شعوران يتجاذبان جابر فهو من ناحية متعاطف مع العمال وصحبه القدامى من اللجنة العمالية، وهو من ناحية أخرى لا يريد فقدان جميع تلك الامتيازات التي حصل عليها بصفته أحد كبار الموظفين الموثوق فيهم في الشركة قلبه مع العمال ولكن عقله مع نفسه. لكنه استمر في عمله بالرغم من كل شيء فلديه أطفال يريد أن يربيهم، ولن يجد افضل من الوضع الذي هو فيه، ولكن احتقار الذات بقي راسخا لا يريم" (ص267) عودة الابن الضال نحن هنا أمام "معرفة" خاصة. معرفة الخطأ لكن عدم الرجوع عنها. ثم معرفة احتقار الذات نتيجة لمعرفة الخطأ الذي لا يريد صاحبه النكوص عنه. فالمعرفة الأسطورية التي حازها آدم بتحريض من حواء أدت نتائجها إلى طردهما من "شرقي عدن" بل وعقابهما الإنساني بعدم الخلود. "وقال الرب الإله؛ صار آدم كواحد منا يعرف الخير والشر. والآن لعله يمد يده إلى شجرة الحياة فيأخذ منها ويأكل فيحيا إلى الأبد. فطرد" (التكوين-3).
لكن جابر الجد يرغب- مرة أخرى- في العودة إلى الخب الأسطوري. وخب البراءة والصلوات الخمس والمطوع والعلاقات الإنسانية الواضحة الأزلية.
سوف نجد هذا في السفر الأخير "سفر الحنين" الذي يفتتحه المؤلف بالعودة إلى زمن اسطوري حيث "في تلك الأيام لم يكن هناك حية ولا عقرب ولا ضبع. لم يكن هناك خوف ولا رعب. لم يكن للإنسان من منافس. وكان العالم اجمع يعيش في انسجام تام" (ص259).
إذن فهي عودة إلى "جنة مفقودة" إلى خب يريد العودة إليه "علما بان الخب ليس له وجود. أو لم يعد موجودا؟" محاولة لتجاوز "احتقار النفس الذي لا يريم". كما يقول جابر يعد "خيانته" لرفاقه. لكنه يقول ايضا "آن للابن الضال أن يعود ".
إذن فهي عودة الابن الضال إلى بيت الأسرة. إلى عالم الأب وسلطته بالتحديد. هذا العالم الذي تمرد عليه "الابن" الذي طالب والده بأن يعطيه حصته في أمواله. أخذها وبددها وذهب إلى بلاد بعيدة وعمل راعيا للخنازير. ولما ضاقت به الحال أضناه الجوع قال لنفسه "سأقوم وارجع إلى أبي أقول له: يا أبي أخطأت إلى السماء واليك"
ويرجع الابن إلى والده الذي يستقبله "ويعانقه ويقبله" ويعلن عن وليمة عظيمة "ان أبني هذا كان ميتا فعاش وكان ضالا فوجد" (لوقا - 15).. فإلى أي والد يريد "جابر" أن يرجع والخب لم يعد له وجود ؟ لكنه يعلن "الخب موجود ما دمنا نريده موجودا"
فأي "خب" هذا الذي نعيد تخليقه إذا ما أردناه ؟ فالمرأة "الخاطئة" لم تعترف بخطاياها. الجميع يعرفون انها "خاطئة " لكنها قدمت نفسها "تائبة"؛ بكائها وسكب الطيب على القدمين ومسحهما بشعرها؛ فنالت الغفران. اية خطيئة ؟ واي خب؟ ولماذا العودة لزمن وحنين إلى ماض ؟.
السؤال الذي يتركه تركي الحمد مفتوحا. بل وغامضا، كأنه يريد أن ينفي قول الشاعر القديم الحكيم "والزجاجة كسرها لا يشعب"!
أن جون ستاينبيك في رائعته "شرقي عدن" يناقش ذات القضية التي طرحها برنارد شو في "العودة إلى موتشالح" ونجيب محفوظ في "أولاد حارتنا" بعد أن طرد "الجبلاوي" أبنه من البيت الكبير؛ ما انفك المطرود يحلم بالعودة!
قضية "التوق الإنساني" إلى البقاء في البراءة. " شرق الوادي" تطرح أسئلة كثيرة؛ تجيب على بعضها وتترك البعض الآخر بدون إجابة. ولا تثريب على الكاتب ولا على الكتاب؛ فليست مهمة الأدب الإجابة على الأسئلة بعد طرحها.
وتطرح ايضا "مقولات" مقولاتها التي سنلاحظها هي الدور والأدوار الخطيرة والهامة التي "تلعبها" الإناث- حواء في بناء نسيج الرواية بل وفي تحديد مسار شخوصها ومصائرهم. تماما مثلما فعلت حواء مع آدم. وهي هنا تقوم بإدوار هامة في "توعية" الشخصية الأساسية "جابر" بحياته ومصيره وموقعه في العالم والشخصيات النسائية هنا بالرغم من تعددها " تتشابه " وتكرر نفسها في"تحولاتها" . فنجد ان جابر يجد زوجته المتوفاة زهرة في جسد ووجه وتعبيرات "جريس" تشابه جسدي يكاد ان يكون "إستنساخا". جابر المسلم من جريس المارونية المتأمركة وسنجد ان "أثيل" الشبقية التي كانت تمثل الجنس بكل ضراوته ستصبح راهبة متماهية مع العذراء البريئة شقيقة جريس. "افروديت" التي ايضا تعتزل الحياة "والحلم الأمريكي" في دير، (ونلاحظ هنا تقاطع الأسماء مثل افروديت ربة الخصب والجنس مع البنت البريئة سميتها) سميح "الأول" يستولده جابر المسلم من جريس المسيحية ليختفي سميح وجريس في ضيعة مارونية لبنانية ولا يظهرا ابدا بعد ذلك.
زهرة الجارية المسلمة التي لدغتها حية (هل لهذه الحية علاقة بالحية التي اغوت حواء؟) تستعيد روحها وجسدها في روح وجسد"جريس" المسيحية المارونية اللبنانية المتأمركة. وجابر الذي يحكي لنا هو امتداد لجابر "الأول" صاحب الأوراق هو جابر المتزوج من زهرة الثانية !
الإجابات التي طرحتها "شرق الوادي" تروي بعض العطش الذي يصيب القارئ وهو يتابع -بمشقة- متاهات الشخصيات والأسماء والأماكن والأحداث الغرائبية؛ بالإضافة إلى المشقة - الأخرى - الناجمة عن االتطويل والمط. عيوب نجدها متكررة في الإبداع العربي في مجمله. السبب واضح ومعروف؛ أن دور النشر العربية- حتى تلك الموجودة في الغرب مثل "دار الساقي" التي نشرت الرواية- لم تتعلم من زميلاتها الغربيات بأن تعترف بانها بحاجة إلى "محرر"Editor& لعمل " مونتاج " جديد للنص ؛ نخلص العمل من ترهله ونزيده تماسكا .
"شرق الوادي" صدرت في 296 صفحة من حجم المتوسط. اعتقد جازما بأنه لو "تكرم" الناشر بمحرر(أي انفق بعض النقود) لتخلصت الرواية من اكثر من مائة صفحة ! وليس في هذا ما يضيرها أو ينتقص من قدرة الكاتب على الإبداع المتميز؛ على العكس !
نتيجة أيضا لضعف التسويق؛ أقرأ لتركي الحمد للمرة الأولى لأفاجئ بأن ناشره (دار الساقي) نشر له من قبل خمسة أعمال ما بين روائية وبحثية.
ليس من المطلوب من الناشرين أن يبعثوا بنسخ مجانية للمهتمين؛ لكن واجبهم تجاه الكاتب الذي يتعامل معهم بالنشر ان ينشروا كتابه في الأسواق. اليست صفة "النشر" هذه من صميم عملهم ؟
نحن القراء نرغب فقط في الحصول على "الكاتالوغات"، نحن من يهمه الأمر! اعرف أن اسمي وعنواني موجودان لدى "دار الساقي" وكلانا يقيم في أوربا التي أصبحت "قرية" كبيرة
"شرق الوادي" عمل ممتع ومتميز. قدم لي تاريخ وطن الكاتب بطريقة ساحرة ومشوقة. لم يدخلني في تحليل أو توثيق ارشيفي. لأن التوثيق ليس من "وظائف" الرواية. انه مهمة الأرشيف فمن يرغب في التوسع في قراءت التاريخ عليه بالأرشيف. قدم لنا تركي الحمد عالمه الغرائبي الذي أراده- ونجح - أن يقول من خلاله الكثير.
نجح أن يقنعني ككاتب وقارئ أن "ادخل" في العمل. وباتالي ان ارغب في مشاركة جمهور واسع من القراء في الاستمتاع به. أيضا !

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف