ثقافات

فاطنة البيه: في السجن اصطدمت اوهامي بحقيقة وضعية المرأة المغربية

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
&
الدار البيضاء- أحمد نجيم:
يبدو أن المغرب في طريقه إلى خلق مصالحة بينه وبين أبنائه. فقد عرفت السنتين الأخيرتين صدور مجموعة من الكتب لمعتقلين سياسيين يتحدثون من خلالها عنفاطنة البيه بالثوب الابيض مع رفيقتهاتجاربهم. هذه الكتب عرفت إقبالا جماهيريا وحققت أرقام قياسية من المبيعات في مملكة أكثر من ستين في المائة من ساكنتها تعاني الأمية الأبجدية.
يأتي كتاب "حديث العتمة" كأول كتاب لمعتقلة حولها السجن من جنس لطيف إلى جنس مخدوش. تتحدث فاطنة البيه الكاتبة/المعتقلة السياسية السابقة(1977/1982) عن تجربة اعتقالها. أرادت من الكتاب أن يكلم الصمت وأن تنقل للمغاربة تجربة كانت في العتمة. فاطنة البيه استطاعت بعد طول معاناة أن تنخرط في المجتمع، ولم تقطع علاقتها بعتمة السجن والسجينات فانخرطت في جمعيات نسائية تريد إنصاف المرأة داخل وخارج السجن. وتشتغل حاليا بالإضافة إلى مهامها في جمعيات نسوية أستاذة للتعليم الثانوي بفضل شهادة حصلت عليها في السجن.
تتحدث في حوارها مع "إيلاف" عن تجربتها الحياتية المرة تلك وعن الدواعي وراء نشر كتاب/شهادة مثل هذا.عن الذات والجسد. عن دونية المرأة في المجتمع المغربي.&&

مند بداية الكتاب تتحدثين وتستعملين ضمير المخاطب "يشحنك.تخلصك...ينتابني لتجذبني. يذكرني هناك رغبة لخلق متلقي لإيصال رسالة من هو متلقي " حديث العتمة" الحقيقي والمفترض؟
المتلقي هو المغربي بصفة عامة، فقد كان جزء كبير من تاريخ المغاربة مغيبا عنه. لم يكن يملكون الأدوات للوصول إليه. كانت السلطة تستعمل جميع الوسائل كي تحافظ على خطاب واحد أوحد. كان الخطاب الرسمي هو الخطاب الأوحد.
إيلاف:هل هناك متلقي آخر كالجلاد؟
نعم هناك الجلاد وهناك كذلك المهتم. منذ التسعينات استطاعت الحركة النسائية أن تقدم خطابا جديدا من خلاله تميط اللثام عن المسكوت عنه اتجاه المرأة. ولكن ظل في حدود العنف العائلي، أما عنف السلطة فلا وجود له. لذلك حتى أثناء الحديث عن المعتقل السياسي يتم بصيغة المذكر. لقد التزمت النساء اللواتي مورس في حقهن هذا العنف الصمت، فالشهادة نوع من تعرية الذات وتعرية الذات بالنسبة للأنثى في ظل تقاليدنا وثقافتنا ليست بالسهلة. فهذه التجربة والحديث عن الجلاد جديدة حتى السلطة لا تصنف العنف المسلط على المرأة. كانت هذه الرسالة الأساسية للكتاب.
نرجع إلى تصنيف الكتاب، في المقدمة حددته كاتبة المقدمة بأنه شهادة/إدانة. بالنسبة إليك، هل هو كذلك أو عمل إبداعي يصنف فيما أصبح يعرف في المغرب بأدب السجون أو أدب الاعتقال أو تعتبرينه سيرة ذاتية؟
إنه ليس سيرة ذاتية بل شذرات من تجربة الاعتقال السياسي في المغرب. في هذا الإطار أعتبر شهادة في حق أحد أشكال العنف المسكوت عنه ويجب أن يدخل في بروز وظهور حقوق الإنسان وشعار"كي لا يتكرر هذا". هناك أشكال عنف أخرى عندما نفكر في تأسيس دولة الحق والقانون يجب أن نفكر في آليات في محاربة العنف المسلط على المرأة. فتعامل الجلاد مع المرأة خاصا ومختلفا عن تعامله مع الرجل، يستعمل فيه كل ما هو ثقافي ويكرس دونية المرأة للحط من قيمتها وتكسير كرامتها.
أشتغل الآن على كتاب رفقة صحافيين وكتاب يتحدث عما ساهمت في المرأة سياسيا من خلال بناء الديموقراطية وغير المعروف بالنسبة للمغاربة. تاريخيا المرأة ساهمت في مقاومة المستعمر في تجربة الديموقراطية إلا أنها مواضيع ظلت مسكوتا عنها.

لماذا ألهذا علاقة بالثقافي؟
له علاقة بالثقافي، ثم لأنه عمل كانت ممارسته تتم في السرية. وظلت فكرة العمل السري لصيقة بتلك التجربة. مثلا من الصعب علي أن أتحدث عن تجربتي في العمل السري، على الرغم بأنني مقتنعة بما كنت أقوم به. الآن أصبحت إمكانيات الكتابة ممكنة.
متى كتبت الكتاب، يلاحظ أن بعض مقاطعه أعيدت كتابتها؟
كتب الكتاب داخل السجن وكتبت في نفس الفضاء شهادات أساسا لمعتقلات الحق العام. الكتاب كتب داخل السجن، إعادة صياغة أجزاء من التقديم ومن الإطار العام هي من كتبت خارج السجن. ثم الاستجوابات/الشهادات الموجودة في آخر الكتاب كذلك كتبت من بعد لأن هذه الشهادات جزء من ملف كنت قد هيأته عن الاعتقال السياسي بصيغة المؤنث.
كم تطلب من وقت تطلب منك لكتابته؟
لم أكتب أي حرف في فترة الاختطاف(سبعة أشهر). كتبته داخل السجن. هناك شهادات كتبتها في سجن مكناس وأخرى بسجن لعلو بسلا وأخرى بسجن القنيطرة. هذه هي السجون التي تنقلت فيها.
تاريخ الكتابة لم تحدديه باستثناء مرتين عام 1977 و -1982؟
كتبت ذلك وأنا غير متيقنة أنها ستصدر في كتاب يوما ما. كتبت بهدف التسجيل لا النشر. لم أكن أتصور أن حديثا مثل هذا النوع يمكن أن يصدر يوما.
هذا يجرنا إلى الحديث عن فعل الكتابة الكتابة تصبح مرادفا للنسيان. تقولين "ليس هناك وسيلة لتضميد هذه الجراح سوى الكتابة، جلست إذن، أكتب هذه الرسالة لهذه الصغيرة" هل الكتابة فعلا تطهيريا للدفع بتلك اللعنة التي تخشين أن تراقفك حتى بعد الخروج من السجن؟
إنها علاج. لا أعتقد أن هناك وسائل للشفاء من مثل ما تعرضت له مثل الكتابة. تصبح هذه الأخيرة وسيلة لتضميد الجروح. إنها علاج.
علاج حين تشاركين الآخر فيها؟
طبعا. أرجع دائما لتصريح الرايس( ضابط سابق قضى 18سنة في السجن بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة ضد الملك الراحل الحسن الثاني عام (1972) "كل ما كتبته كان ذاتيا وكان مؤلما أما عندما أشركت هذه الكتابة مع الآخرين غذت أقل ضررا".
أعتقد أن ما شرحته في الكتاب هو أن جرح السجن يراقفك إلى الأبد. أذهب كل أسبوع إلى سجينات الحق العام وأتساءل ما الذي يشدني إلى هذا العالم وأعتقد أن كون الجرح داخليا، فليس من السهل التخلص منه.
حتى بفعل الكتابة& هناك العمل الجمعوي الذي تقومين به؟
الكتابة تضمد والعمل الجمعوي يساعد حين تأنسن هذا العالم. ليس هناك من أن توجد أولا توجد. هذا الرسم(غلاف الكتاب)هو عميق للفنانة خديجة قباج. لم أجد أبلغ منه، لماذا؟ لأنني وأنا وراء القضبان وأساسا في الاختفاء القسري، حيث لا يعرف أحدا مكانا، وجدت فيه مرآة(ذاكرة المقربين) حيث لم تكن مرآة. لا وجود لي في خريطة الوطن طيلة سبعة أشهر. ولكن هناك مرآة هي من أنقدني. ليس هنا أقصى وأمر من هذا الشعور. شعور بالوجود واللا وجود في الآن معا.
كيف تغلبت عن هذا الشعور في السبعة شهور الأولى التي لم تكوني تكتبين؟
كنت أكتب. أكتب بالأصابع على الجسد، سميناها بالكتابة على الجسد. كنا ممنوعات من الكلام، وقد استطعنا مع ذلك التواصل فيما بيننا بالكتابة على الجسد. تحاول كل واحدة أن تسرق النظر من أسفل العين وتحت الحرقة الموضوعة على العين وتتابع ما تكتبه الأخرى على الجسد طيلة ساعات. تتحدث عن كل شيء.
&
لكن هناك حضور قليل لهذه التجربة في الكتاب؟
أشرت إليها، كانت الأصابع التي تخط على الجسد في لغة لا يفهمها إلا نحن. تعرفنا على بعضنا البعض وتحدثنا. كل هذا كان بلغة الجسد.
في بداية الكتاب تأخدين القارئ في الحديث عن تجربتك، لكن لا نحس كقراء سبب اعتقالك:نشاط سياسي- انتماء حزبي......؟
لم أفعل شيئا لما اعتقلت. لم ارتكب جرما، لذلك أكتب وأقول يجب أن يكتب كل واحد شهادته وأن يفضح. لأن كل واحد من أي جنس يمكن أن يحدث له هذا. وهذا ما دفعني إلى الاستنجاد بوالدي-رحمة الله عليه. لم يكن يدرك أن هذا يمكن أن يحدث في القرن العشرين.
ربطت بين ما وقع لك وحكايات ألف ليلة وليلة التي كان يحكيها لك والدك؟
نفس الاختطاف في ظروف غامضة.
&حضور الأب وتغييب الأم؟
تصور أن أبي كان هو الرجل الوحيد الذي تبقت الرجمة في قلبه بين الرجال الذين كانوا يحيطون بي. عالم ذكور وفي زحمة الصرخات والآهات كنت أستنجد بصورة أبي بهيبته ووقاره. تعلمت من أمي الصبر والمقاومة.

لكن لماذا غابت في الكتاب؟
سيأتي دورها.
في الكتاب نلاحظ عدم التصريح بالانتماء السياسي باستثناء إشارات مثل"الرفيق". هل لهذا علاقة بالحزب الذي تنتمين إليه&لانه تناساك؟
لا لم يتناساني، في الحقيقة هذا مجال روائي. قلت في استجواب ليتني قرأت رواية خديجة مروازي قبل هذا. الكتاب عبارة عن شهادات وضعتها عن تجربة معينة عن الاختطاف الذي لا ينبغي أن يتكرر والذي حاولت أن أقف على وجهه.
لقد كتبت الشهادة في السجن، كتبتها عن كل ما حز في نفسي وآلمني. لم أكتب عن الإيجابي الذي عشته، وما أكثره وكم هو جميل. الكتابة هنا كانت تأخذ شكل تسجيل الأحداث المؤلمة أكثر من الأحداث الأخرى والكتابة ليست سيرة ذاتية.الآن أدركت فعلا أن الكتاب يجب أن يكون له طابعا آخر. ربما سيكون في الكتاب القادم. يجب أن تؤخذ التجربة في إطارها. لقد حافظت على الكتاب كما كتبته في السجن.
لماذا هذا التكتم وغياب الذات والجسد الأنثوي؟
كان هناك تكتم وغياب وتستر، هناك هاجس واحد أشرت إليه في تبليغ الرسالة هو تلك الطاقة الهائلة التي استطاعت بها النساء مواجهة هذا الغول المخيف.
هناك شهادة عن بعض الطموحات والأفكار التي تتقادفها في الزنزانة.
كان يتملكني هاجس مواجهة الجلاد. كيف واجهت المرأة السجن كيف واجهت المعتقل. أبانت المرأة عن شجاعة نادرة. لأنه في ثقافتنا الشعبية المرأة لا تصمد وضعيفة. وتغييب الذاتي لم أغيبه ولكنه كان كذلك بالفعل. فالتي كانت في مواجهة الجلاد لم تكن تفكر في الذات. وكأن المسألة كانت عيبا. حتى حينما وصلنا إلى السجن، كان الهاجس النضالي هو المهيمن على الهواجس الأخرى. طيلة ثلاث سنوات لم تكن لنا مرآة، أين هي الذات. خلال الإضراب عن الطعام طالبت بمرآة كيف أرى وجهي كي أعرف من أنا. ليس هناك حيز للتفكير في الذات لأن الأحداث تزاحمت بشكل جعلتنا لا نفكر في ذاتنا.
في معتقل "درب مولاي الشريف"حولت أسماؤكن إلى أسماء رجولية هل لهذا انعكاس كذلك على تغييب هذه الذات؟
بالطبع هناك تأثير، لأنه طيلة سبعة أشهر وأنت اسم ذكر ، وحين وصلت إلى السجن لم يكن مجالا للتفكير لا في الذات ولا في العلاقات الإنسانية. في نهاية فترة السجن استيقظنا وحاولنا أن نستدرك ما فاتنا ولكن نظرا لصعوبات كبيرة تتعلق بقسوة التجربة كانت عائقا أمامنا.
كنت على وهم أنني أدافع عن مجتمع حداثي متقدم دون أن أعرف النصف الثاني منه، وقد تعرفت على هذا النصف داخل السجن من خلال العلاقات التي ربطتها مع السجينات. وقفت على النسبة العالية من الأمية والجهل والتخلف. إنه مرآة حقيقية وضعية المرأة في المغرب.
هذا ما حدا بك أن تقدمين جرائمهن بلغة الشك؟
بالفعل وهذا لا يعني أنهن لسن مذنبات، لكن الجريمة في المغرب، خلال معينتي وتجربتي، هي جريمة الجوع والفقر. جريمة للحصول على الأموال لسد رمق العيش. والسجن ليس مؤسسة إصلاحية بقدر ما هو تكريس للجهل والأمية.
وظروف التعليم في السجن
كنا أول فوج من النساء يتعلمن داخل السجن. لدي هاجس آخر هو أن تتعلم النساء داخل السجن. تابعت دراستي وكونت نفسي وكنت أتابع الأحداث. لا أعتبر أنني استفدت من وقت السجن. كنا ننظم الأوقات خاصة بعد الإضراب عن الطعام، وتم التعامل معنا كمعتقلات سياسيات وهذا ما خول لنا الحصول على الكتب والمجلات والدروس.
تقولين في الكتاب"الحلم أساسي بالنسبة الذين لا يملكون السلطة"بم تحلمين؟
"الحلم أساسي بالنسبة الذين لا يملكون السلطة"هذه جملة لفاطمة المرنيسي. أحلم بعالم أفضل. اليوم أخلف بعيون جديدة بعيون نساء ينخرطن في النضال الاجتماعي حتى تتغير القوانين والأشكال الاجتماعية للتعامل مع المرأة. هذا الحلم لم يعد عملا سريا أصبح يتقاصمه سياسيون ومناضلات...
ضمنت كتابك شهادات لمعتقلات كن معك؟
كان ذلك بهدف الهروب من الذات. لست وحدي التي عشت التجربة. سعيت دائما أن يتحدث الجميع، وتلك الشهادات كانت جزءا من ملف أنجزته عن الظاهرة. وأشجع أن يكلم الصمت. أعرف أنه ليس عملا سهلا، لكن هناك مراكز استماع كلمت العديد من النساء واستطاعت أن تخرج الفظاعة التي تعيشها المرأة. الكتاب كنت قد وضعت له عنوان"ذاكرة النسيان". أريد من هذا النسيان أن يخرج.
يدور الحديث عن التعويض المادي للمعتقلين السياسيين؟
هذا شيء إيجابي، وأقصى ما أطالب به هو الكشف عن كل الحقيقة، أن يعرف مرتكبو الجرائم التي عرفها المغرب. وأن يتم الاعتذار الرسمي لهذا الشعب الذي فجع في أبنائه وتألم في صمت وأن تكشف جثث الضحايا.
كيف عشت وتأقلمت مع الواقع بعد الخروج من السجن؟
الخروج من السجن تجربة مريرة. أصعب ما يعانيه المعتقل هو الحرية، فإعادة إدماجه لا تكون سهلة. كيف تدخل الحمام .كيف تدخل الحمام. كيف تشتري من البقال. كيف تعاشر الناس. كيف تضحك. كل هذا موضع سؤال لأن اللغة التي تعلمتها داخل السجن مختلفة وقد اعتدت لغة أخرى. ليست مسألة الاعتقال خمس سنوات، هناك أشياء تفتقدها إلى الأبد. السجن مدرسة لا تتمناها لأي أحد.&

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف