محمود درويش ملقياً شعراً في البلمند: قصيدة صاخبة مجبولة بحب الارض
قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
بدأ الاحتفال بالنشيد الوطني اللبناني، تلته كلمة ترحيب القاها الشاعر والناقد شربل داغر: "شاعر في الحرم. يا للموعد الضروري، محمود درويش في جامعة البلمند. يا للموعد الاستثنائي. فكيف اذا التقى الضروري بالاستثنائي، وهو ما تتيحه القصيدة وحدها، قصيدة محمود درويش تحديدا، ما دامت قد رفعت الشعر من الزمني الى الانساني، من نثر الوقائع الى كثافة النص تعبيرا اجلى عن الانساني في التاريخ (...) قلة هم الشعراء الذين حفظنا ابياتهم قبل اسمائهم، واسماءهم قبل وجوههم، حتى خلناه لنا اخا، او حبيبا، او رفيق نضال، (...) محمود درويش واحد من الندرة النادرة في عالم العربية، الذي خرج من البيت ليعود على جناحي قصيدة (...) هو الذي خرج من العيش اليومي، المعهود، المستكين والمنصاع، الى مخاطر المغامرة، وشكوك المعنى، وعصف التجارب، مراهنا فيها على معنى آخر للحياة، للوطن، للاقامة في الوجود - معنى تلوّن الاحلام في انسانية حقه (...). فالشعر مع درويش لا ينقل الواقع، بل ينقحه، وينضده في صورة تجعله اشد كثافة من اللحظات الرتيبة والمتباطئة، وتجعل الواقع اكثر اشراقا ونضارة وقابلا للتغيير. والشعر مع درويش ينقح السياسة ايضا، اذ يسحبها من الوحول والزواريب والهفوات القاتلة، ويعيدها الى جميل الفعل البشري، الى ارقاه واسماه.
قيل عنه انه شاعر فلسطين، وهو في حسابي شاعر الانسانية العربية - هذه الانسانية المدماة، الطالعة من فجاج الحروب (...) توالت لقاءاتنا في فنادق عابرة وبيوت موقتة واوطان مؤجلة، بل متخيلة. يعز عليّ، هذه المرة، ان استقبلك في جامعتي، في لبنان وقد عدت اليه بنوع من الاصرار المؤلم، مستعيدا قولك المأثور - وطني ليس حقيبة، وانا لست مسافرا".
&
درويش
بعد كلمة داغر صعد درويش الى المنصة وسط تصفيق حار وطويل، "استغربت ان يستغرب كثير من الناس ماذا افعل في البلمند. والاوساط الصحافية في بيروت مشغولة في البحث عن سر وجودي في البلمند. اعتقد ان الجانب الادبي من الفضول مكشوف، من الطبيعي ان يلاحق الشاعر اقاصي لغته، وفي هذا المكان اجد لغتي انا. ولكن ما يحير المستغربين هو ما هي الصفقة السياسية وراء هذه الزيارة. ما هو السر. ولا اخفي عنكم ان هناك سرا بسيطا، وهو ان لبنان يسكن قلب فلسطين، وفلسطين تسكن قلب لبنان. واعمق تعبير عن هذا السر هو احتفاء الشعب الفلسطيني بانتصار المقاومة اللبنانية في دحر الاحتلال في الجنوب واصرار الشعب الفلسطيني على دحر الاحتلال من فلسطين. اذا، سرّنا مكشوف وقلوبنا مكشوفة".
ثم بدأ يقرأ قصائده مستهلا بـ"اطل كشرفة بيت علي ما اريد" ثم قصيدة "القربان" و"مقطع من خطاب الهندي الاحمر امام الرجل الابيض" و"على هذه الارض ما يستحق الحياة" و"احن الى خبز امي" و"درس في الحب من دروس كماسوترا" و"من انا دون منفى" و"قافية من اجل المعلقات"، والقصيدة الاخيرة قرأها من مجموعته "جدارية".
وباصرار صاخب وحار من الجمهور، عاد محمود درويش الى المنصة ليقرأ قصيدة محمد الدرة الطفل الشهيد.
ليس الاحتشاد حول الشاعر محمود درويش احتشادا عاديا، انما هو تجمع خاص ومميز حافزه الجوهري والاساسي قصيدة درويش والقاؤها. والالقاء هو ما يضاف الى هذه الكتابة المتفردة، ولكن حتى بدونه، يحافظ الشعر لدى درويش على جماليته والقه وبريقه.
اذا تهافت الناس في كل مرة للاستماع الى محمود درويش، فلمكانة قصيدته ولتفوقها، نتهافت الى قراءة الشاعر درويش لثراء المعنى الذي لا يغفل الشكل.
قصيدة درويش تترك الاثر العميق في النفس، وتحرق الوجدان والعقل والاحاسيس بوهجها. صلبة وسلسة، صاخبة ومأسوية، قصيدة درويش مدماك من نار ومن ذهب صنعته الكلمة الفريدة وجبله الشغف الحقيقي باللغة وبالارض.
وكان جديداه "الجدارية" و"سرير الغريبة".
الصورة الحية والصادقة لعلاقته بمعنى المكان ومعنى الكتابة وهو المتصل صلة وثيقة بالقصيدة الحاضرة بين يديه وبالمكان الغائب الذي لا يستطيع ان يقبض عليه تماماً. اما الموت فهو اللازمة التي ترافق كلاً من المكان الغريب عن الشاعر، وغربة الشاعر عن مكانه. انه الموت ايضاً الذي اختبره درويش في الواقع لا في المجاز، انه التلاشي في زمن يراه الشاعر يتوارى في عدم الوجود. التلاشي كي لا يبقى هنا سوى صوت انسان عرف كيف يكتب المأساة وكيف يحولّها صورة شعرية متألقة تحسم الموقع - الموقف بين ما هو للقول عبر القلم وما هو لرحلة الدرويش الدوّار الذي توصّل الى مخاطبة الموت بلغة المواجهة في سدى التاريخ وسدى الحياة.
فتلتقي اسرار الغريب بسر الارض الغريبة، والقصيدة سرير الصوفية والواقعية في الوقت ذاته، القصيدة سرير البهجة بالكتابة التي تعوّض عن الخسارة الفيزيكية للمكان.
اما مكان درويش يوم السبت، فكان في جامعة البلمند، في قاعة حسام الدين رفيق الحريري، على اكتاف جبال لبنان الخضراء المطلة على زرقة البحر الممتد هادئاً ونقياً بين قطعة سماء وشموخ التلال.
قراءات درويش جمعت معاني الحب والغربة وفقدان الارض الاولى والاستشهاد والمنفى والصوفية والحنين، كلها جمعها صوت جهوري واحد، كلها جمعتها قصيدة درويش الواحدة.
وعند انتهاء القائه قصائده، غُطّيت كتفا الشاعر بمنديل كُتب عليه بالخيط الاسود "القدس لنا".
حضر الامسية المطران جورج خضر، الوزير السابق الدكتور ايلي سالم، وعمداء واساتذة في الجامعة، وجمع من الادباء ومتذوقي الشعر. (النهار)
&
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف