الحلقة الرابعة من ذكريات الشاعر العربي الكبير أدونيس: كثيرون رأوا في اتخاذي اسم أدونيس موقفاً عدائياً من العروبة والاسلام
قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
_______________
كنت أكتب نصوصاً شعرية ونثرية أوقعها باسمي العادي: علي أحمد سعيد، وأرسلها الى بعض الصحف والمجلات آنذاك للنشر. لكن أياً منها لم ينشر في أية صحيفة أو مجلة. ودام هذا الأمر فترة. فاستأت وغضبت. وفي لحظة من لحظات الاستياء والغضب، وقعت في يدي، مصادفةً، مجلة اسبوعية، لبنانية على الأرجح، قرأت فيها مقالة عن اسطورة أدونيس: كيف كان جميلاً، وأحبّته عشتار، وكيف قتله الخنزير البرّي، وكيف يبعث، كل سنة، في الربيع..الخ. فهزتني الاسطورة وفكرتُها. وقلت، فجأة، في ذات نفسي، سأستعير من الآن فصاعداً اسم أدونيس، وأوقِّع به. ولا شك أن هذه الصحف والمجلات التي لا تنشر لي انما هي بمثابة ذلك الخنزير البري الذي قتل أدونيس.
وفعلاً كتبت نصّاً شعرياً وقعته باسم أدونيس وأرسلته الى جريدة لم تكن تنشر لي، وكانت تصدر في اللاذقية. وفوجئت انها نشرته. ثم أرسلت نصّاً ثانياً، فنشرته على الصفحة الأولى، أرفقها المحرر بإشارة تقول: المرجو من أدونيس،& أن يحضر الى مكاتب الجريدة لأمر يهمه.
فرحت حين رأيت النصّ منشوراً، خصوصا حين قرأت الاشارة. فذهبت الى مكاتب الجريدة. وعندما دخلت واستقبلني احد المحررين بدا عليه انه لم يصدق دعواي بأنني أنا أدونيس. فدخل مسرعاً االى رئيس التحرير وأخبره بحضوري. وحين دخلت الى غرفة رئيس التحرير بدا هو أيضاً كأنه غير مصدق. كان ينتظر شخصاً بقامة رجل، فرأى أمامه قروياً، تلميذاً بسيطاً وفقيراً، وسألني:
- هل أنت أدونيس، فعلاً؟
فأجبته:
- نعم، أنا هو.
ومن ذلك الوقت غلبني اسم أدونيس.
أذكر لهذه المناسبة أن هناك أشخاصاً كثيرين رأوا في اتخاذي اسم أدونيس موقفاً عدائياً من العروبة والاسلام. وحوّلوه الى وثيقة تؤكد اتهامهم لي بعداء كلّ ما هو عربي واسلاميّ. وكان مواطنٌ دمشقي سمّى دار السينما التي يملكها قرب مقهى الهافانا االشهير، باسم سينما أدونيس، فأمرته السلطات المسؤولة آنذاك، بتغيير الاسم، وسمّيت سينما بلقيس. كأن بلقيس اسم عربيّ الأصل!
&
طفل تونسي اسمه أدونيس
ومؤخرا أرسل لي الصديق الشاعر حسين القهواجي من تونس قصاصة من جريدة "الصريح" تحمل الخبر التالي نصه: "ذهب أحد المواطنين قبل أيام قليلة الى احدى بلديات الضواحي القريبة من العاصمة (تونس) لتسجيل ابنه الذي ولد أخيراً. ولكن قابض الحالة المدنية رفض تسجيل المولود الجديد بدعوى ان الاسم فيه بعض الشذوذ، وليس من الأسماء العادية المألوفة. ولما قال له هذا المواطن: ان اسم أدونيس من الأسماء العربية التي دخلت لغتنا العربية، وانه أسم&
في دمشق يمنع الاسم باسم العروبة والاسلام، وفي تونس يمنع بحجة أنه غير مألوف.
هكذا يحارب بعضنا حتى الألفاظ، حتى الكلمات.
والحق أنني لم أكن أعرف حين اخترت هذا الاسم، انه ينطوي على رمز الخروج من الانتماء الديني-القومي، الى الانتماء الانساني-الكوني، وانه سيثير مثل هذا العداء في الأوساط االدينية-القومية. ولئن كان الأمر كذلك، فان على هذه الأوساط أن تحذف آلاف الكلمات من معجم اللغة العربية، ومن لغة الحياة العربية اليومية، وأن تحذف كذلك عشرات الكلمات التي وردت في القرآن الكريم، والتي ليست من أصلٍ عربيّ.
لكن بالمقابل هناك اليوم عشرات العرب الذي يسمّون أبناءهم باسم أدونيس، من عدن حتى بيروت.
&
دمشق& غرفة ضيقة
لم أر المدينة. لم أعرفها بتفاصيلها-شوارع، وآثاراً قديمة، ومعماراً. لم أزر المتحف. لم أزر الجامع الأموي، ولا القلعة.
كانت دمشق بالنسبة اليّ مجرد غرفة ضيّقة يعيش فيها طالبٌ قرويّ، يريد أن يتعلم. وكانت الكتب، وبعض القاعات في الجامعة، ومكاتب جريدة "الجيل الجديد" وبعدها جريدة "البناء" حيث عملت محرراً أدبياً، وبعض بيوت الأصدقاء، وهم أقل عددا من أصابع اليد الواحدة.
كانت دمشق قريتي الثانية. لم تبهرني- بوصفي قروياً يجيء من قرية فقيرة نائية، ليعيش فيها- هي العاصمة. لذلك لم تؤثر فيَّ، بوصفها مدينةً.
أقمت فيها حوالى ست سنوات (1950-1956) والآن، وبعد مرور أكثر من أربعين عاماً، أعرفها بالتذكر. أستعيدُ حياتي فيها، وأتعرف عليها، عِبْرَ هذه الاستعادة.
كانت دمشق، بالنسبة اليّ، تاريخاً- كانت زماناً، لا مكاناً.
&
قصة حبي مع خالدة سعيد
دخلت أولاً كلية الحقوق. أمضيت قرابة السنة، ثم رأيت أنني لا أستطيع أن أتابع فيها. فانتقلت الى كلية الآداب، قسم الفلسفة. كنت أشعر أن قسم اللغة العربية لن يفيدني شيئاً، لأنني كنت أعرف مسبّقاً، لغةً وشعراً، ما سأدرسه فيها. لذلك اخترت الفلسفة، قائلاً في ذات نفسي، ربما أفيد من الفلسفة، فتفتح لي آفاقاً فكرية غريبة عليّ.
ولم أتابع في هذا القسم دراستي، بانتظام. كان عملي اليومي يحول دون ذلك. لذلك لم أتعرف على الحياة الطلابية في الجامعة. وكان أصدقائي من الطلاب قلّة ونادرين جداً. لكن نشأت بيني وبين بعض الأساتذة صداقة لا تزال قائمة حتى الآن. والحقيقة أنني لم أكن طالباً- بالمعنى الحصري لهذه الكلمة.
أما قصة الحبّ التي عشتها، فكانت مع طالبة، من خارج الجامعة، تدرس في "دار المعلمات" في دمشق نفسها، وهي رفيقة حياتي حتى الآن: خالدة سعيد.
&
لم أقرأ الشعر العربي الحديث
لم أكن أقرأ الشعر العربي الراهن، آنذاك، باستثناء بعض القصائد لبدوي الجبل وعمر أبي ريشة وسعيد عقل. اضافة الى بعض القصائد التي تنشر في الصحف والمجلات آنذاك لبعض الشعراء العرب الآخرين، وبخاصة نزار قباني، لم تكن لدي متابعة خاصة ودقيقة للشعر العربي آنذاك.
كنت أقرأ في عزلتي، في أوقات فراغي، شعراء آخرين باللغة الفرنسية: بودلير، ريلكه (مترجماً)، هنري ميشو، رينيه شار، مع أن لغتي الفرنسية كانت ضعيفة آنذاك. فأنا لم أدرس الفرنسية في المدرسة، وانما درستها بنفسي، وحدي، اعتماداً على القاموس. وكنت أشتري هذه الكتب من مكاتب في دمشق وفي حلب- عندما أمضيت فيها قرابة السنة في كلية ضبّاط الاحتياط، وكنت أقوم بما يُسمى "خدمة العلم". غير أنني، استطراداً، لم أنجح في هذه الكلية. جميع زملائي تخرجوا برتبة ضابط- إلا أنا: تخرجت برتبة رقيب أول!
&
سنة 1954 بداية الاعتراف بشعري
لم يكن لي تأثير في الحركة الشعرية آنذاك. ومع أنني كنتُ معروفاً، ونُشرت لي بعض القصائد في مجلة "القيثارة" أولى المجلات العربية الخاصة بالشعر في سورية، وكانت تصدر في اللاذقية، فلم تكن الأوساط الشعرية العربية ترى فيّ إلا الموهبة الشعرية. وقد أخذت تعترف بي، بدءاً من سنة 1954 حيث نشرت قصيدتي الطويلة "الفراغ" وكانت بمثابة حدث شعري-& على صعيد الشكل التفعيلي، وعلى صعيد الرؤية. وهذه القصيدة هي التي كانت نقطة الوصل بيني وبين يوسف الخال، وكان قد قرأها وهو في& نيويورك، في الأمم المتحدة، وأعجب بها كثيراً. وبعضهم رأى في هذه القصيدة "الأرض الخراب" (العربية) لإليوت. وطبعاً لم أكن أعرف شعر إليوت، ولم أكن أعرف حتى اسمه.
غير أنني، مقابل ذلك، أقمت علاقات وثيقة مع الحركة الفنية التشكيلية في دمشق، ومع ممثليها الأكثر أهمية آنذاك: نصير شورى، ومحمود حمّاد، وناظم الجعفري، وأدهم اسماعيل- تمثيلاً لا حصراً.
&
أول مرة سمعت عن السوريالية
وكنت أتابع نشاطهم، وأكتب عنه، ونشأت بيني وبين معظمهم صداقة ومودة.
كذلك نشأت صداقة عميقة بيني وبين أورخان ميسّر. وهو أول من حدَّثني عن السوريالية وعن أهميتها. وكنّا نلتقي باستمرار في بيته، ونتبادل الآراء، وقراءة ما نكتبه. وبعد أن مات، طُلبَ إليّ أن أكتب مقدمة لشعره الذي طبعته وزارة الثقافة السورية، بوصفي خير من يعرفه ويعرف شعره، وقد كتبت مقدمة لمجموعته التي صدرت بعنوان "سوريال".
لكن بدءاً من السنة 1954- السنة التي اختتمت بها دراستي الجامعية، بدأت أهتم بقراءة الشعر السوري بخاصة، وهذه السنة هي نفسها التي أسْلَمتني الى "خدمة العلم" (هذه المرحلة دامت سنتين، وهي حاسمة في تأثيرها على حساسيتي الشعرية ونظرتي الى الأشياء والناس. ويتعذر عليّ الآن أن أكتب عنها).
&
قباني وبدوي الجبل وعمر ابو ريشة وسعيد عقل
كان نزار قباني يملأ دمشق، وكان يرُجُّ ماءها الآسن. بينبوعٍ سَلسلَهُ فيها ومن تاريخها، وقبل كل شيء، من الحياة اليومية في أقرب تفاصيلها الى أشياء الانسان. كان يعلِّم هذه الحياة كيف تتحول هي نفسها الى قصيدة.
وكان بدوي الجبل الصّدر الذي يحتضن جسد الشعر العربي، ويعيد تكوينه في اللغة وبها، أنيقاً، مُترفاً، بهيّاً.
عرفت في شعره كيف تكون الذاكرة ذِكْراً، وكيف تتداخل فيها أصوات الشعراء القدامى وتتآلف قريبةً بعيدةً في صوتٍ واحد. وعرفت فيه كيف يصير الماضي حاضِراً، دون أن يلبس الثاني ثوب الأول، ودون أن يدير الأول ظهره للثاني.
وعرفتُ كيف يكون الشعر سِلْكاً ينتظمُ فيه العقل والقلب، الغضبُ والحبّ، المرارة والطمأنينة.
كان بدوي الجبل جبلاً، لكنه كان في الوقت نفسه مَوْجاً.
وكان عمر أبو ريشة يستدرج الواقع، بقسوةٍ حيناً وَبِلينٍ حيناً، لكي يصير على مثال صوته: نفير حرية وتحرر. كان يغني كأنه الصوت المكلف بصياغة ايقاع آخر لحياة العرب. وكان يبدو كمثل غاضبٍ يشعر أن بلاده ضيّقةٌ عليه.
كان شاعر آخر هو نديم محمد لا يزال حتى الآن شبه مجهول، على الصعيد العربي، يقيم داخل نفسه، ويكتب "آلامه". وهي مجموعة شعرية أعدها بين أهم المجموعات الشعرية العربية في النصف الأول من هذا القرن.
بين الأصوات الشعرية التي كانت تجيئنا من خارج دمشق، كان صوت سعيد عقل، الأكثر حضوراً بالنسبة اليّ.
صانِعٌ بارعٌ-& كأنه ينحدر مباشرة من أبي تمّام. وفي صناعته ثقافة لم أعهد مثلها لدى الشعراء الذين يجايلونه. أنشأَ بنية جديدة للقصيدة، وأسّس لصياغة جملةٍ شعرية جديدة، وأعطى للكلمة سياقاً جديداً.
كان شعره انشاءً ذهنياً يكاد، لِلُطفِ تجريده ولعذوبته، أن يكون لِعباً.
لم أكن قد قرأت شوقي. ولم أكن أعرف شعر الجواهري. وكنتُ بعيداً عن جبران.
&
المتنبي وأبا تمام، والشريف الرضي والبحتري، والمعري
كانت دمشق ملتقى تطلعاتٍ متناقضة، ومتنوعة. كانت مُناخاً غريباً تستطيع فيه أن ترى الغيمَ يَسبحُ كثيفاً على سجّادةٍ من خيوط الشمس، وأن تسمع الرَّعد ينبجسُ من فضاءٍ ليس فيه أيُّ أثرٍ لأية غيمة.
"ماذا أقرأ؟" سؤالٌ كان شاغلي الأول، فيما كنتُ أتَتَلْمَذُ، وأنمو. الشعر العربي القديم؟ أعرفه- وبهِ انجبلتْ طفولتي الأولى في القرية، وذلك بتوجيه أبي وسهره على تربيتي. كانت الحياة شعرهُ الأول والأساس، أما شعره بالكلمات فكان عنده هامشياً. غير انه كان قارئاً محباً للشعر، وبصيراً باللغة العربية وأسرارها. على يديه، قرأتُ، بشكل خاص، المتنبي وأبا تمام، والشريف الرضي والبحتري، والمعري، وعشرات آخرين، في دواوينهم، أو في مجاميع شعرية- وبخاصةٍ "الحماسة" لأبي تمّام.
الى ذلك، علّمني القرآن وتجويدَه.
*&نشر هذا الحوار باللغة الانكليزية في مجلة "بانيبال" المختصة بترجمة الأدب العربي الحديث. والصيغة المنشورة أعلاه مستمدة من عشرات الاسئلة التي أجاب عليها الشاعر . وننشره هنا بالاتفاق مع "بانيبال".
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف