أصداء

(مركب الهند الأحمر)

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

نلتقي وكل منا، يعلم أنه لا يشبه الآخر، ونقرأ في الوجوه علامات القبول، ونسمع كلمات تشعرنا بالقرب والانتماء، كذلك هو حالي مع صديقي، الذي غمرني حتى دخل بين عقلي وجمجمتي، واستباح حمى أفكاري. خاطبني:
أنت أيها الجنوبي، هل سمعت ما قاله أمل دنقل:
"إن الجنوبي لا يطمئن إلى اثنين يا سيدي..
البحر و المرأة الكاذبة..!"
أما أنا فاثق في البحر، وأعشق المرأة الكاذبة، فلا ذنب اكثر متعة من ارتكاب الذنب في الذنب. وسأبحر واتعطر بكل عبق البحر، وزفر البحر، وريح البحر، بحثا عني وعنها، واكون أكذب منها، واغوص في اعماق البحر بحثا عن كنوزها.
وأعود وأسألك: هل تثق بي.؟
الثقة كائن ينمو على الابتسامات، هكذا فهمت بعد عقدي الثالث، يخفي وراء ظهره كل لحظات الشك، ويقتات على حسن الظن، ونخاف أن نقتله يوما، كالولد الطالح، نحبه وندعو له بالهداية، سؤاله حرك شفاهي إلى الأعلى، لا أستطيع أن أقول ابتسامة فرح، ولكنها تشبه الابتسامة، جائع كائن الثقة في حديثه ويريد وجبة تقيم صلبه،
ابتسمت وسألته قبل أن تبحر: ماذا ستحمل في خراجك.؟
وانتظرته ليقول: بوصلة ومزولة، ومجداف وماء، وملح ودقيق، ونسيت أني سألت، وأخذت أداعب الرمل بأصابع قدماي والموج يتكسر فوقهما، وتلك الذرات تقاوم، وتستمر في البقاء، فهي مخلصة للشاطيء. حبات التراب تثق بالماء، ولا يثق الطين في الطين، لأن الدم يملأ كل أوعية الفخار التي ندعوها أجسادا، وابتعدت بفكري بعيدا عنه، هناك إلى معامل الفخار أفكر كيف يدور الطين وينمو للأعلى.
وعدت من رحلتي اللحظية، على صوت ضجيج في يديه، وهو يخرج كتابا تلو الآخر، وقصاصات من الورق، وسمعته وهو يقول: آية، وحديث، وبعض من سيرة السلف، وقصة يونس، وبعض الدعاء والتسبيح. تلك عندما يثور البحر ويتلاعب بي.
وغمز بعينه: وهل للرياح أن تكشف عن قلبي.؟
ستعريني، وأقف بجلدي مخلصا في الطقوس، وإن لم انجو، سانتظر الحوت ليبتلعني. ويقذف بي على أول شاطيء.
وحدثت نفسي: تعيس ذلك الحوت، كيف ستتحمل معدته مخلوقا مثلك.؟
وعدت انظر للبحر، واتمنى أن يصبح جليدا، وتظل البواخر عالقة فيه، فنراها كتل من الخشب والحديد، والنار التي التي لا تذيب ما حولها، تنتزع منها الطبيعة فرصة ممارسة البقاء والاستمرار بالحياة. أمسكت بصدفة ووضعتها على أذني.
حدثتها وتذكرت عن صديقي هذا شيئا يشبه الماضي، وجيل لم يعرف من الدين إلا (عيب) تساوي (الحرام) في المنع، وأقل منها في الاحساس بالذنب. وعدت امشي بذاكرتي على حدود جدار كان بالقرب من مدرستنا. ووجدته هناك في جلد صديق آخر، بعد أن انهى زقارته الأولى اغرق نفسه بقارورة (555)، تدعى (كولونيا)، ليزيل كل أثارالرائحة، وآخر في مكان ما في نفساللحظة، يشعل زقارته المليون ليزيل آثار رائحة الكولونيا التي شربها لأول مرة، رائحة الدخان الكريهة، لن يطغى عليها إلا رائحة عطر كحولي تزفرها الأنفاس، حتى الإدعاء أصبح أكثر جرما مما تخفيه ضمائرنا، تلك المظاهر الزائفة بطريقة أو أخرى هي أقبح ما يمكن لنا التستر تحته. ما نراه في غيرنا هو جزء مما نغمض الأعين عنه في أنفسنا.
عينان اثنتان فقط، وتسمع الجميع يقول:أحادي النظرة، ثنائي النظرة،ثلاثي الأبعاد، والذباب لديه ملايين الأعين ومع ذلك يرى بوضوح أقل، لله در الإنسان حين يملك عقلا نتناً يصدر عنه أفكارا جميلة، كالسماد الذي يخرج لنا من خلاله أجمل الزروع.
على صفحات دفاتر الرياضيات تناثرت قطرات من عطره.
تذكرت ماقاله أمل دنقل في قصيدة الجنوبي:
-إن الجنوبي يا سيدي يتهيب شيئين:
قنينة الخمر و الآلة الحاسبة.

عندما كنت ثنائي النظرة، أحارب مع من حارب الأحادية والحدية، اكتشفت أنني انظر إلى رجل يحمل قنينة وآلة حاسبة، يحسب رشفاته من القنينة ليستغفر عن كل رشفة، فاغمضت عيناً لعلي أراه يستغفر دون أن أراه يسكر، وما أجمل الأحادية، تبقي كل شيء من حولنا جميلا. ورغم ذلك فصديقي ثنائي النظرلا أستطيع أن ألومه، فكل شيء يجب أن يكون مزدوجا لكي يملأ ذهنه تجليا، ويجذب اهتمامه، أو حتى يخلق لديه التأمل.
وكقول الشاعر: يا مركب الهندي يا بو دقلين يا ليتني كنت ربانك
دقلان _ اثنان
ردفان _ اثنان
سرير _ مزدوج
رجل وإمرأة _ لا يمكن إلا أن يراهما اثنان في واحد
إلا أن المتمني بهذا البيت لم يكن المركب الذي يتمناه ليسير بربانين. فأخبرني أنه لا يمكن للمركب أن يقودها ربانان، فعندما يريد أن يقود مركبا، أو يركب شيئا،لابد أن يكون ذلك الشيء (ثنائيا) و يجب أن يكون هو منفردا (أحاديا).
وكان وحيدا في ذاكرتي طوال هذه الرحلة، وعدت لأجده وحيدا رغم وجودي.
سألته: ماذا ستحمل أيضا.؟
وانتظرته ليقول: بوصلة ومزولة، ومجداف، وماء، وملح، ودقيق.
ولكنه اخرج من مزودته، كتاب أحمر، وعباءة حمراء، ومنجل. فهو فقير أنسته الثورة طعم الخبز، ويبحث عن وطن يخصه، وهكذا يرى السلف، ثائرون، بولتاريا: أنس بن مالك، وبلال بن رباح، وآل ياسر، بلاشفة يبحثون عن وطن، وسيهاجرون، إلى كل مكان ليعودوا منتصرين، ضد برجوازي قريش: أبو جهل، وأبو لهب، والوليد، وآل سفيان. يرا الفقراء صحابة ويقول عنهم (رضي الله)، ويرى الثوار أنبياء وعليهم يصلي ويسلم.
أصداء الموج في الصدفة، يلغي صوته في إذني الأخرى، وأعود إلى أول أحلامي، مع حبات الرمل، واتركه يترنم، ويتهادى على صوت الموج:
طلع لينين علينا.
من جبال الأوراس.
يتحدث عن الغد، وعن الوطن الجميل، وعن الدستور، وعن كيف لنا أن نعيش دون قيود، ودون خطوط حمراء في عالمه الأحمر. جميل هذا التفكير، إذا أردنا أن نتجاوز كل الخطوط الحمراء دون أن يلاحظنا أحد، ليس علينا إلا أن ندهن كل العالم بالأحمر.
انظر الى ما بين يديه، قلم، ودفتر، ومحبرة، وقطعة من الشكولاته الفاخرة، يراوغها ويريد أن يثبت لها فقره، وصلاحه، ويمارس ثورته بعفة.
كتب: كم لذيذ أن أعشق هذه القطعة، اذيبها في فمي، على جسدي، وبين أحضاني.
ثم أخذ يفكر كيف يخلع عنها غلافها اللامع، ومد يديه بلطف نحو القلم وكتب: (رضيت بك حلوى)، وعلى لسانها: (رضيت بك فما).
وغنيت له:
تبتسم الحلوى في فمها
وتذيب بعينيها قلبي
هل يعقل آنستي يوما...!
أن يأكل سكر من سكر.؟
طرب وطبطب على كتفي، وأخبرني أنه لا يؤاخذني على كلماتي، فكلماتنا التي تبيح كل شيء، لن تصل يوما إلى مستوى أفكارنا التي تنتهك حتى اللاشيء. يحدثني عن نفسه، وبعض مما شابني منه، عندما ننكر شيئا ونقاومه، يعترينا شيء منه. وكم من كلمة قذرة قالها صاحبها ألقت به إلى رصيف المغضوب عليهم، يدعو له بالهداية أشخاص أفكارهم لو سمعناها ألقينا بهم إلى خارج حدود (الفضيلة).
أبحر وأخذ ينفخ شراعه تارة، ويحرث في البحر تارة أخرى، غاضب من الريح كيف لا تعري جسده، ويلقي بسنارة إيمانه معلقا فيها طعم كراماته، يريد اصطياد حورية يٍسألها عن وجهته، وتسلي وحدته حتى يصل للشاطيء الآخر من جزيرة الثوار، يتمنى ويخاف أن يسمع الموج أمنياته، يدعو ويخاف أن يسمع الرب صوت ضميره، يصبر على مأساته، ويحتسب شهواته ونزواته.
ويتسائل:كيف انفض الرفاق من حوله.؟
يسلي خاطره ويتنزه في حديقة أفكاره، يدفيء جوانحه بجحيم تشعله غرائزه، يغمض عينيه وفي أذنه سماعة وبين يديه مصحف.
يهز برأسه على غناء محمد عبده: يا مركب الهندي يا بو دقلين.
ويقرأ: (فأتوا حرثكم أنى شئتم، وقدموا لأنفسكم).

الأردن - الجامعة الأردنية -كلية الطب البشري
ibraheems@hotmail.com

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف