أصداء

العراق وعش الدبابير 4

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

4/7

نقل السيادة للحكومة العراقية

في خضم كل هذه الأحداث، و فجأة ودون سابق إنذار، أعلن الحاكم المدني للعراق بول بريمر انسحابه من العراق وتسليم السلطة للحكومة العراقية المؤقتة برئاسة د. إياد علاوي.

قد يتساءل الجميع ما الذي دفع بول بريمر للقيام بكل هذه الخطوات و الإجراءات و القرارات القاتلة والتي أدت إلى ما يعيشه العراق من دمار و انفلات في السلطة و انهيار نحو التقسيم.

لكن بدى أن النزاع على الأولويات و السلطة داخل الإدارة الأمريكية هو الذي قاد إلى ذلك و إلى هذا الصراع بين الصقور و النسور (إذ لا يوجد بينهم حمائم).

هذا الصراع تجلى بين وزارتي الدفاع بقيادة دونالد رمسفيلد وبين وزارة الخارجية برئاسة كولن باول. ورأينا كيف أن هذا الصراع اندلع مع نهاية الحرب وتعيين حاكم للعراق، فكان أولاً تعيين جاي جارنر (من وزارة الدفاع) والذي استبدل بعدها بالسفير بريمر (من وزارة الخارجية).

بعد أشهر من انتهاء الحرب "تبين فيما بعد" أن الوزير (الجنرال السابق) كولن باول بدأ بالشعور بالندم على انسياقه وراء هذه الحرب، وهذا ما اتضح مؤخراً في تصريحاته عن ندمه للبيانات و التصريحات التي أطلقها في مجلس الأمن قبيل الحرب حول أسلحة الدمار الشامل العراقية، حيث اكتشف أنه وقع ضحية للخداع في هذا الموضوع. ويبدو أن باول شعر بهذا الندم عدة أشهر بعد الانتهاء الحرب مما دفعه لتوجيه تعليمات لسفيره بريمر بأن يخلق وضعاَ غير قابل للإصلاح في العراق وأن يترك هذه التركة الصعبة المعقدة الشائكة إلى "البنتاغون" ليغوصوا في الوحل حتى آذانهم و ليثبت خطأ حربهم. ورأينا فيما بعد، كيف أنه وبعد خروج سلطة الإئتلاف المؤقتة (بقيادة بريمر) من العراق، بأشهر قليلة، خرج كل طاقم وزارة الخارجية من فريق الإدارة الأمريكية في واشنطن وعلى رأسهم كولن باول.

هذا السيناريو يبدو أقرب التحليلات لما حصل و يحصل في العراق منذ نهاية الحرب وحتى الآن وهذا يجيب على العديد من التساؤلات التي لم تجد جواباً لها.

كان هذا عش الدبابير الذي لعب فيه بريمر و أطلقه على الجيش الأمريكي وعلى الشعب العراقي قبل خروجه من العراق. هذا العش، الذي لا يجروء أحد الآن الوقوف أمامه و إغلاقه دون الوقوع في خطر الضرر أو السقوط في مستنقع عميق، نرجو ألا يكون بالدماء. لكن و للأسف مع كل المغالطات التي تحدث الآن في العراق و ما يفعله بعض من فرضوا أنفسهم قادة على الشعب العراقي، أصبح الوضع الآن يتجه نحو الحرب الأهلية، التي و بكل ألم نشعر أنها بدأت.

العراق وخطر التقسيم:

كما ذكرنا سابقاً، فقد بدأ ترسيخ الطائفية في العراق منذ تشكيل مجلس الحكم المؤقت الذي اعتمد المحاصصة. هذه المحاصصة استغلها العديد من الأطراف أثناء التحضير للإنتخابات التشريعية الأولى في كانون ثاني /يناير 2005. وحيث أن القانون الإنتخابي المؤقت المطبق حينها نص على اعتبار العراق دائرة انتخابية واحدة يتم الترشيح فيها بحسب القوائم و توزيع المقاعد في الجمعية الوطنية بحسب أصوات الناخبين وتوزيعها على القوائم.

هنا، وقع العرب السنة في خطأ يكاد يكون قاتلاً إذ أنهم استمعوا لنصيحة "مغرضة" تقضي بمقاطعة الإنتخابات وهذا ما كان، إذ خرجوا من "المولد بلا حمص"، ولم يحصدوا سوى القليل من المقاعد بينما اكتسحت القوائم الشيعية و الكردية مقاعد الجمعية الوطنية و نالت حصة الأسد.

كانت هذه النتيجة صحيحة و منطقية للإنتخابات: ألم ينادي الجميع بالديمقراطية؟ هذه هي الديمقراطية ومن يريد أن يعمل بها فعليه أن يدخل في اللعبة بشكل صحيح، أما المقاطعة فهي تخرجك من اللعبة وتبقى فقط متفرجاً تصيح وتنادي بحقوقك التي أضعتها بنفسك.

لا أريد أن أدخل في تفاصيل الحياة في العراق، لكن ما حصل بعد الإنتخابات هو أن سيطر الشيعة العرب و الأكراد على السلطة وخرج العرب السنة بفتات ما تبقى.

بعد هذه الإنتخابات، شعر السنة بنتيجة فشلهم و حاولوا بشتى الوسائل استعادة ما يمكن، لذا تأخر تشكيل الحكومة الجديدة (المنتخبة) و لم تولد إلا بعد مخاض عسير اضطر خلاله رئيس الوزراء و الجمعية الوطنية إلا التنازل للعرب السنة ببعض المناصب من أجل إعادة بعض التوازن للتركيبة السياسية.

هذا الخلل في التقسيم السياسي و الذي نتج عن العملية الديمقراطية الأولى في البلاد تبعه لغط و جدل طويلين قبل تشكيل اللجنة الخاصة بصياغة الدستور. مرة أخرى حاولت هذه الأقلية الجديدة فرض نفسها بشتى الوسائل السلمية و غير السلمية، فما كان من الجمعية الوطنية إلا أن وافقت على تعيين خمسة عشر عضواً مستقلاً من العرب السنة "غير الأعضاء في البرلمان" وهذا قاد إلى جدل بيزنطي أطول من السابق، وأعطى بعض الشخصيات التي برزت حينها أهمية جديدة فرضت نفسها كممثل و وصي على السنة، رغم أن بعضهم، إن لم نقل غالبيتهم كانوا من رجالات النظام السابق المخلوع، فهذا كان وكيل أعمال "السيدة الأولى السابقة– إن صح التعبير" وكان يدير مزارعها و "أملاكها"، وذاك كان يدير آلاف الدونمات من أراضي الدولة منحه إياها النظام السابق في محافظة صلاح الدين من أجل استغلالها و استثمارها، و آخر كان مدير عام الدائرة السياسية في ديوان رئاسة الجمهورية.
هكذا هم بعض ممن يعتبرون أنفسهم ممثلين للعرب السنة، وأما أهدافهم فهي كما نسمع ونرى كل يوم: لا للدستور، لا للتصويت، لا للإنتخابات. لكن، هل قالوا نعم لأي شيء؟

حتى أن بعضاً من هؤلاء الشخصيات ذهبوا إلى بعض سفراء الدول الغربية في بغداد، و خاصة من دول التحالف، يطلبون منهم دعماً مالياً بحجة "تجنيد العرب السنة" في سبيل بعض المواقف. طبعاً عادوا خائبين، بحسب ما نرى في مواقفهم المتخبطة هنا وهناك.

هؤلاء "القادة الجدد للعرب السنة"، هم من يساهمون الآن في تفريق الشعب العراقي، وانقسامه بسكب الوقود على النار، وكأن كل ما حدث سابقاً و ما ذكرناه في الحلقات السابقة، لم يكفي لتقسيم العراق، وهم الذين يعطون أسباباً إضافية للإرهابيين بالتعشيش في بعض المناطق التي فتحوها لهم اعتقاداً منهم بأنها ستكون ورقة ضغط على الحكومة و الولايات المتحدة الأمريكية، وإلا فما هي جدوى أن تصدر تصريحات من شخصيات عراقية مقيمة في سوريا "مثلاً" نطالب العراقيين بعدم التصويت على الدستور أو المشاركة في أي انتخابات؟

لكنهم كما يقول المثل: "اللي إيده بالميه مش زي اللي إيده بالنار".

نهاية الجزء الرابع ويتبعه في الحلقة القادمة "الدستور و مخاض صياغته" حيث قصدت تأجيل هذا الجزء إلى ما بعد التصويت على مسودة الدستور العراقي الجديد.

الجزء الثالث

أكثم التل
كاتب و صحفي أردني مستقل
Akthameltall@yahoo.com

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف