أصداء

على ضفاف الدرك الأسفل

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

كلمات ليست كالكلمات، والشعر في أذنه يغلب على الآيات أحيانا، تلك هي كلماته عندما أقبل يهز مسبحته في وجهي : مالي أراك وقد تلبستك حلة الإيمان، يخبرني عن صفة لا علاقة لها بحسناتي، يتجرد الرأي لديه : هو شهر خشوع الجوع والعطش، تذوب كل ملامح الدم في وجوه الصائمين، فيحسبونها هالات التقوى، وقليل من الجلوكوز في الوريد سيعود بهم إلى هالات الدنيا. وضحك ولعب وجد ومزح، حتى شهر قادم.
استبدل الخرز في مسبحته، وأخذ يسبح ذنوبا، وأحجار الطريق تتقافز أمامه خوفا من أقدامه، منذ عهدته وهو يركل الصغيرة لتصطدم بالكبيرة، ويدحرج الكبيرة ليرى أي الطرق تسلك، يلعب في أقدارها بطرف حذاءه، وبين مخرجين وقف، ينظر إلى آخر المخارج، وينتظر أول القادمين إلى المدينة، على ضفاف الرصيف، يجدف، ويلعن، ويضحك.
- لا خيار لهم غير هذا المسار

ويردد : لا خيار لهم غير هذا المسار.
وجسور، وانفاق، ولا صراط مستقيم. يصرخ يسابق بحنجرته أصوات الشاحنات العابرة : إلى أين أنتم ذاهبون؟ عودوا فهذه المدينة، جنة الأغنياء، ومعابد الأئمة، وعروش الوزراء.
يتوسط الشارع الرئيسي، لا أخاف عليه من الموت، لأنه ميت في جلد حي، ولكن أخاف على الناس دفع دية جنونه، كثير منا يقتل نفسه ويقبض الآخرون ثمن روحه الصاعدة، يسير باتجاهي، يخاطبني : إبراهيم انظر إليهم ؛ يحسبون الشعاب تعرفهم، ومكة مع الشمس تغرق عند المغيب. وأهلها يبتهلون في سوق الأسهم، ويذكرون المال بكرة وأصيلا.سيطوفون بالبنوك، ويلبون الأرصدة. ويرجمون الفقراء.

يرى نفسه شيطانا لأنه فقير، حتى الأرض التي يمشي فوقها تلعنه، كل المباني تشمئز من حضوره، وكل الشوارع تتجاهله، لذلك يأمن على نفسه من كل تلك السيارات العابرة. فلا أحد يراه.
أتعبني الانصات إليه، وعهدت على نفسي أن ارميه بما في يدي، مع أول حرف قادم يطلقه لسانه، ونظر بعينه والأخرى تطمسها الشمس، والنور فوق حاجبه، يخلق ظلالا تزخرف خده، يسمع صوت عقلي، ويسابق النية من قلبي إلى يدي : مصحفك الصغير لن يقلتني، ولكن، لا بأس، جرب ذلك الحجر، وقبل أن ترميه، تذكر أن لا ذنب له، إلا أن حظه جعله هنا، بيني وبينك

ويضحك ويخبرني عن حظ جمعني به :هل تعلم ما هو الحظ.؟

- وهل تنتظر مني إجابة.!

- لا ؛ يكفي أن انظر إليك فأعرفها، فأنت أعلى أمثلة الحظ

- إذن حدثني عن نفسي

- الحظ لحظة انسرقت من حكم الأغلبية لتمارس تواجدها في حكم الأقلية.

- ومن فينا الأقلية

- أنت، لأنك كما يبدو تمارس العقل، ونحن أغلبية فقدت القدرة على التفكير. بركاتك يا مولانا.
تركته متعلقا بأمنية الموت، يقفز إلى الشارع تارة، وأخرى يجلس على القارعة، وما أدراك ما القارعة، في حضنه عمامته الحمراء، وعلى معصمه يتراقص عقاله الأسود، وكأن معاقل العقل تتفلت من أقصى جوارحه، وجوانحه بدأت تنضب فيها كل معاني الحياة.
أمسك بيده وأقوده إلى السيارة، يطلب مني أن أغادر تاركا الأفق خلفي، يريد أن يستعجل الغروب، أعود به ويحدثني في الطريق : من قال أننا عابرون في الحياة.؟ بل الأيام تعبرنا، كتلك الطرق تعبرها العجلات وتجعد الأزفلت، كذلك نحن، ثلاثين يوما مرت خلالنا ولا يبقى من أثرها إلا التجاعيد، يقرب المرآة ويعد ما حول عينيه، يضحك : اعتقد أن رمضان هذه المرة عبر خلال هالاتي.

وظل يتحدث عن سيرة ابن هشام، وكيف كان الناس في المدينة، وأن رمضان، لم يكن يوما شتاءا منذ أن عرفته العرب.

يشرح لي كيف أن الذنوب، لا يخبرنا بها الشيطان، ويكابر بعقل الإنسان، وقدرته على ارتكاب أبشع صور الإنسانية، فلا جيوش من أباليس تشارك في الحروب، فكيف للأثير أن يمسك بالبندقية، ليتقطع الآخر أمامه إلى أشلاء.

في داخله صوت خافت، يتسلل بين آهاته، يزفره بوهن وكأنه يهمس لشخص آخر غيري : لم يعد لنا حاجة بالصوم يا إبراهيم، لم يعد لنا حاجة بالدعاء طلبا للرحمة والمغفرة. مذنبون حتى في صمتنا، وخطواتنا إلى المسجد، أصبحت أميالا يحسبها العداد في السيارة، لنذهب بها بعد حين إلى الوكالات، صيانة دورية، تمسح كل أثار الأميال، أثار الحسنات،، أو نزايد عليها في حراج السيارات، وكل ميل يزيد، هو حسنة، لا يدفع ثمنها الآخرون. ولا أحد يريد شرائها.


وفي الليل يسألني، أين كنا.؟
- يا صاحبي، خرجنا نمرر النهار، فجعلته أطول من صيف الشمال الأقصى.
- وهل أذن المغرب.؟
- وصلى الناس التراويح
- وأين كنت من كل هذا.؟
- لا تسألني عن أمور لو تبدت لك ساءتك.
ويعود ليغني كلمات ليست كالكلمات، والأرض تتكلم عربي، ويصيح في وجهي : قلنا حنبني ودي احنا بنينا السد العالي. ويرش وجهه بالماء ويضحك، يرقص طربا: لو كنا فوق هام السحب ماأمطرتنا السماء وما سافر بنا الغيم الأسود. فلا شيء يصعد للأعلى، غير دعاوي المظلومين، سأمتطي إحداهن، وأعود لأخبر من مشى حافي القدم على الرمضاء في هذا الوطن، نسي أنه سيقف في رمضاء سقر.
إبراهيم أخبرني : لو لم يكن لي لسانا، وأفكاري التي تغضبك، تفهمها ولا تسمعها، فهل يسقط عني ذنب الكلمات.
- لا أدري.؟
- كم خريفا تقدر لي حتى أصل إلى قاع جهنم.؟
- لا أدري يا صاحبي
- سوف تحشر معي بسبب حبك.
- ألم أحشر معك بين مخرجين.
- وستحشر معي على ضفاف الدرك الأسفل.

إبراهيم سنان
الأردن - الجامعة الأردنية -كلية الطب البشري

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف