دور المنظمات المدنية في العملية السياسية
قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
اود في هذا المقال مناقشة دور المنظمات والمؤسسات المدنية في العملية السياسية الجارية في العراق وآليات اعمالها للتحضير للانتخابات في منتصف ديسمبر الجاري والتي ستكون حدثا بارزا لما ستنجم عنه من نتائج تمس حياة المواطنيين على مدى السنوات الاربع المقبلة، وابداْ بالسؤال التالي، هل ثمة مجتمع مدني حقا في العراق ؟ وجوابي القاطع هو، لا،لماذا ؟ لقد جرت عملية تهميش وتصفية تلك المؤسسات بصورة رسمية وغير رسمية وبشكل منظم من طرف السلطات السياسية المتعاقبة ومن طرف المعارضة ايضا، طيلة العهد الجمهوري قاطبة، فمنذ تاْسيسها جرى تسييسها بوعي او بدونه مما افقدها صفتها المدنية وامست مجرد واجهات لاحزاب سياسية، سلبتها مبرر وجودها، ولم تعد تملك غير العناوين المفرغة من المعاني، وعلى رغم ان هذا الكلام هو نوع من النبش في ـ المسكوت عنه ـ ولايرضي الجميع تقريبا،الا ان الهدف الاساسي منه هو تسليط بعض الاضواء على ماخلفته من آثارعلى الوطن والانسان والثقافة السياسية عموما، ويكتسب الموضوع اهميته حين نعلم ان عملية التفتيت للبقايا الباقية من تلك المؤسسات متواصلة باستمرار لحد الان، والكثيرون على معرفة بما حل باتحاد الادباء، على سبيل المثال لا الحصر، واليوم وسياقا مع ذات السياسات الساعية لتماهي الفرد في الجماعة المسيسة، يعيش العراقي معزولا عن اماكن التجمعات العامة او يتجنبها بسبب الظروف الامنية، ومترددا في الادلاء براْيه بشاْن مصيره نتيجة للاذان والعيون المتربصة به من قبل المليشيات الحزبية وغيرها المنتشرة في المقاهي والباصات والدوائر الرسمية وحتى في الجوامع، وتحت اغراء المال والمنصب من جهة، والتلويح بالعصا من جهة اخرى، تجري عملية تكاد تشبه السوق للانتخابات بدلا من المشاركة فيها ولااعلم الكيفية التي يستطيع فيها محروم من الكهرباء ان يقراْ كل هذه البرامج السياسية المطولة والمتشابهة غالبا ثم يستطيع ان يختار مايناسبه من بينها ويقرر الاختيار بعد نصف قرن من العمل سياسيا ان لم اقل قرون من العمل اجتماعيا، على سلبه حرية الاختيار. ان اكثرية البرامج السياسية تمنيه بتغييرات حاسمة في المستقبل القريب في الوقت الذي هو يناْى تحت وطاْة العاجل من حاجاته ومتطلباته اليومية لان كل ماتعلمه معظم ساستنا من ـ فن الممكنات ـ هو كيفية التلاعب بالجمهور. والى جانب العزلة والتردد والاغراء، هنالك الحيرة والتشكيك حيال الصادق من تلك البرامج السياسية، وكما ان لتلك الحيرة مايبررها، فان السرعة اللامبررة والتعجل في كثير من الامور في ظل اوضاع غير مستقرة سياسيا، لم تمنح الفرصة الكافية لاثبات النوايا. ان غياب المؤسسات المدنية ادى الى الحضور القوي، لرجل العشيرة، والجنرال القديم، ورجل ـ البزنس ـ، وخطيب الجمعة، الذين صاروا يستثمرون الاماني والمخاوف على حد سواء، بصورة بشعة للتسلق والوصول الى مبتغاهم المعروف لدى العراقي ولكن لا حول له امامهم، فما كان لهذه القوى الصاعدة ان تظهر، وتكتسب شرعيتها العلنية في الوجود، لولا ـ الفوضى الخلاقة ـ التي صاحبت سياسة التحالفات اللامدروسة قبل وبعد سقوط النظام الجائر،فهي قوى غير متجانسة بطبيعتها المشابهة لطبيعة السوق، ومحدودة الافق سياسيا على الرغم من ان لها بعض التاْثير المؤقت في مفاصل المجتمع وبعض خطوط التماس بين الطوائف وهنا بالذات تكمن خطورتها المستقبلية على المشروع السياسي العام، وهي كذلك قوى لادينية ولا علمانية ولا يضبط مسارها مبداْ ولا اي ضابط آخر،ولم اكن اتصور ان اطرافا من المعارضة الاساسية ذات التاريخ النضالي الطويل تقف طويلا مكتوفة الايدي ازاءها ناهيك عن التحالف معها، واْساْل لم هذا الهوس بالسلطة السياسية اولا وكل الاشياء الاخرى مؤجلة دونها ؟ اوليس الطاغية هو الذي كان يقول ـ اعطني سلطة وخذ حزبا ـ ولعنه الاثنان ؟. ان الديموقراطية تعني من بين ماتعني، وجود برامج سياسية مختلفة عن بعضها ومحددة،تبرر الصراع من اجل السلطة، كما تعني وجود منظمات ومؤسسات للمجتمع المدني، فاعلة وقوية ومستفلة وقائمة بذاتها، كي تساعد على نضوج وبلورة الخيارات من خلال النقاش الحر بعيدا عن وصاية وسيطرة الاحزاب، وبخلافه ستستمر حالة اغتراب العراقي عن الدولة مهما يكون شكلها لانها ستمثل دائما بالنسبة له صورة بلا مضمون، فالاساس في البناء الجديد يستدعي الاستماع لنبض الشارع اليومي،والخروج ولو قليلا من حكم النصوص وضغط الماْلوف والطرق التقليدية في الممارسة السياسية. مثلما ادى غياب المؤسسات، الى ان ياْخذ الصراع على السلطة السياسية طابعا عنيفا التعامل معها تعامل الصياد مع صيده وجمد معنى التداول علاوة على فقدان الثقافة السياسية ذاتها وارساء الاصول والتقاليد اللازمة والضرورية في ممارستها، كما ادى الى ضعف الشعور الوطني العام تجاه الدولة ومؤسساتها الغريبة عن المواطن والتي يكن لها العداء الخفي تاريخيا. من هذا الغياب ايضا، حضر الديكتاتور، وبدون المصالحة المطلوبة بين الوطن والمواطن، لا معنى لكل الخطابات. ان اللوحة السياسية العراقية بتعقيداتها الكثيرة، ستبقى مثيرة لما ستتمخض عنه من نتائج تستقى منها الدروس لعموم المنطقة.
عبد الرحمن سليمان
عراقي مقيم في باريس
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف