خطوط الفرز الطائفي الوهميَّة
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
لا يصحُّ فهم الأزمة المفتعلة في مدينة "المدائن" وتفسيرها بمعزل عن مخطَّط الهيمنة الاميركي سواء على العراق أو المنطقة العربيَّة برمَّتها. ولا بمعزل عن التحرُّكات والتدخلات الإيرانيَّة المعادية لوحدة شعب العرق ومصالحه الوطنيَّة الحيويَّة.
من المسلَّم به أنَّ هناك مخطَّطًا معلنًا لتقسيم العراق والأقطار العربيَّة الأخرى إلى كيانات هامشيَّة ضعيفة التأثير وعديمة الفاعليَّة بشكل متوافق مع طبيعة مصالح الاحتكارات الاميركية والغربيَّة وأهدافها المسوَّقة ضمن إطار ما يطلق عليه مشروع "الشرق الأوسط الكبير".
الهدف الأساس من اختلاق أزمة "المدائن" ينطلق من رغبة سلطات الاحتلال وحلفائها من باعة الوطن إيجاد خطوط فرز طائفي وهميَّة كخطوة في اتِّجاه تنفيذ مشروع تقسيم العراق إلى كيانات طائفيَّة وعرقيَّة. هذا التقسيم لن يتم عن طريق تنظيم استفتاء شعبي، أو إصدار قرار سياسي دولي أو عراقي. فلا توجد قوَّة دوليَّة أو إقليميًّة أو محلِّيَّة تملك الجرءة أو الصلاحيَّة القانونيَّة والسياسيَّة على إصدار مثل هكذا قرار.
إنَّ التجربة التاريخيَّة تشير إلى حقيقة أنَّ الشعوب أو الدول التي تعرَّضت للتقسيم أو التفتيت قد تمَّ طرح مشروع تقسيمها كخيار نهائيٍّ لإنهاء صراع طائفي أو عرقي عانت منه.
انطلاقًا من هذا الفهم، فالخطوة الأولى المطلوبة في العراق اليوم هي تهيئة مناخ ملائم للتقسيم من خلال تأزيم الموقف السياسي والاجتماعي، وخلق حالة من الاحتقان الطائفي والعرقي. هذه الخطوة ستليها خطوة ثانية أكثر خطورة. مبرِّرات الخطوة القادمة تنحصر في تخفيف حدَّة الاحتقان الطائفي والعرقي، الأمر الذي سيتطلَّب طرح فكرة "فك الاشتباك" أو "التشابك الطائفي أو العرقي". قرار وقف التشابك الطائفي يستوجب إيجاد خطوط أو حدود جغرافيَّة فاصلة بين الأطراف المتنازعة. وهنا يكمن جوهر العمليَّات القذرة وأهدافها الجارية في محيط أو نطاق بغداد.
إنَّ هذه العمليَّات القذرة والمفتعلة في "المدائن" رافقتها تصريحات وقحة وطروحات شاذَّة وآسنة صدرت عن شخصيَّات لا تمتُّ للعراق بصلة. ولعلَّ أكثر تلك الطروحات شذوذًا تلك التي أشارت إلى أنَّ حدود العراق التاريخي أو "العراق الأصيل" تنحصر بين البصرة وبغداد دو غيرها من المناطق. إي بعبارة أخرى، إنَّ المناطق الواقعة شمال بغداد وغربها ليست جزءًا من العراق التاريخي! هذا الطرح الآسن يحمل في طيَّاته مضامينًا طائفيَّة مقيتة، ولا يشكِّل إلاَّ مغالطة تاريخيَّة واضحة تستحق الازدراء، والرد والتصدِّي.
إأطلاق هذه التصريحات المشوِّشة من عناصر معروفة بارتباطها وولائها للتيَّار الصفوي الجديد، لم تكن مجرَّد "مناطيد اختبار"، بل إنَّها جزء من عمليَّة تهيئة الفرد العراقي نفسيًّا لقبول هذه الخطوط الوهميَّة، وبالتالي قبول مشروع تقسيم العراق وتفتيته إلى وحدات هجينة وهامشيَّة على أسس عرقيَّة وطائفيَّة وصولاً إلى قيام دولة مدن الطوائف.
لقد برهنت تجربة المرحلة المنصرمة على أنَّ كلَّ ما يتعلق بمشروع احتلال العراق فاشل، وأنَّ كلَّ محاولات خلق مبرِّرات للاقتتال الطائفي والعرقي قد أحبطت لا بسبب الوعي العالي لشعب العراق وقواه السياسيَّة الوطنيَّة فحسب، بل بسبب البرنامج السياسي والمآثر البطوليَّة لفصائل المقاومة العراقي الباسلة أيضًا.
مصير مهزلة المدائن القذرة لن يكون أفضل من مصير البرامج والمخطَّطات الاحتلاليَّة السابقة.