يا زماناً اعْتَوَر... ومكاناً تدنَّس
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
ربُّنا قال بأنَّ الأرضَ ميراثُ التقاةْ
فاتْقَيْنا وعمِلنا الصالحاتْ
والذين انغمسوا في الموبقاتْ
سرقوا ميراثَنا مِنّا
ولم يُبْقُوا منه سوى المُعتقَلاتْ
(أحمد مطر)
*** *** ***
... لأنّه ظلَّ عوْرة... فأغلقوه رجاءً (!)...
أيُّ شيٍ، أو أيُّ وضعٍ، أو أيُّ كائن يبدو هكذا كـ"عوْرة" مستمِّرة ممتدّة، حتّى يستدعي ضرورة إغلاقه، أو إنهائه، أو إبادته، بكل ما يمكن من رجاء، واستجداء (؟).
إنّه أسطورة المكان والزمان في "جوانتانامو"، ذلك المسْخ التوتاليتاري الإمبريالي، الذي ينتمي لدولة الليبراليّة رقم "صفر" في العالم. نعم، إنّه لا يتصف إلاّ بـ"الأسطورة"، لأنّه يمتد تاريخاً لآلاف السنين، فينقل بوضوح صورة "إسبرطة" و"قراقوش" في عزّ وهج "العوْلَمة"، حين بشّرت الأخيرة هذه ببداية قرن وبداية ألفيّة، وهلّلت باستشراف زمان آخر وقيم أخرى، أكثر وعياً ووحياً، تنويراً وتثويراً، لكنها – أسفاً وخجلاً – لم ولن تفعل. أسطورة النبلاء الأحرار هُناك قالت كلمتها، وأكّدها رسول إعلامهم الجديد توماس فريدمان، حينما ردّد الجملة/العوْرة أعلاه عنواناً لمقال واضح جدّاً لا مواربة فيه، وهو يطلب إغلاق ذلك المعتقل بصيغة حاسمة مُهذَّبة، من قلم عميل مخلص جدّاً لـ"المحافظين الليكوديين الجدد".
حسناً فعلت "الشرق الأوسط"، حين بدأت منذ ثلاثة أعوام أو أكثر، بنشر مقالات توماس فريدمان متزامنة مع نشرها الأصلي في "نيويورك تايمز" الأمريكيّة، وإن كانت هذه الصحيفة أو قريناتها، لا تبحث عن مقال متزامن لكاتب عربي يهمّهم أمر طرحه. "ما علينا"، ما يهمّ أن فريدمان حسم الأمر، وكان مطلبه بإغلاق معتقل "جوانتانامو"، أمضى من كلّ الجدل الذي تطيقه كلّ خلايا الجسد العربي (الحيّة والميِّتة)، حينما تجادلوا وأيّما جدل بخصوص تدنيس المصحف، كموقف وردّ فعل، هل يستحقّ أم لا (؟). "ما علينا" مرّة ثانية. تمعنّوا هذه المقولة من حامي حِمى أمريكا "المتبوِّشة"، توماس فريدمان، حين أوضح حقيقة مجرّدة بحكم ارتباطه بنقل نبض الخارطة الشرق أوسطيّة: [نبّهني حسين حقّاني، وهو مفكِّر باكستاني وأستاذ بجامعة بوسطن، أنّ أشخاصاً مثلي عندما يقولون إنّ القيم الأمريكيّة يجب أن تُحتَذى، وأنّ الولايات المتحدة واحة حرِّيات، يُواجَهون بما حدث في "جوانتانامو". وقال حقّاني إنّنا عندما نتحدّث عن أمريكا جيفرسون، وهاميلتون، فإنّ الناس في دول مثل باكستان، يقولون إنّ هذه ليست أمريكا التي يعرفون ويتعاملون معها، فأمريكا التي يتعاملون معها، كما يقولون، هي أمريكا الحبس دون محاكمة]. حينها أيقن فريدمان بكلمات مباشرة: [أصبحت "جوانتانامو" نقيضاً لتمثال الحرِّية]... وكفى (!).
.................
حادثة تدنيس المصحف الشريف، لم تجد استنكاراً أوّل الأمر من جهابذة الصراخ العربي (بعلم أو بغير علم)، ومن أصحاب أفصح الألسنة (لا يملكون غيرها، أدامها الله نعمة!). تخيّلوا أن أوّل ردّ فعل سياسي وشعبي وديني، صنعه لاعب كريكت معتزل ونائب حالي في البرلمان باكستان اسمه عمران خان. هذا الرجل، نظّم يوم الجمعة السادس من مايو مؤتمراً صحافيّاً، طالب فيه حكومة الولايات المتحدة بقديم اعتذار صريح، عن قيام أحد محقِّقيها في معتقل "جوانتانامو" بإهانة المصحف الشريف، وطالب بإجراء تحقيق ومعاقبة كلّ من تسببّ في ذلك التدنيس... كان يجب أن يكون خبر مؤتمر "عمران خان" مدوِّياً في فضاء مئات الأقنية العربيّة في نفس اليوم، وفي الصحف بعد يومين (ليس ضروريّاً أن نستعجل!). ومع ذلك، لم يخرج الخبر للعلن، إلاّ بعد أن نشرت مجلّة "نيوزويك" الأمريكيّة تقريراً في نفس الإطار، يوم الاثنين التاسع من مايو، أي بعد ذلك المؤتمر بثلاثة أيّام (!).
يعلم الله أنّني علمت بأمر المؤتمر في اليوم التالي (7 مايو)، وسعيت بكلّ الوسائل أن يصل الأمر ببعض ما فيه من إضاءة إلى حيث يجب أن يُبَثّ، لكن محاولتي مرّت من "ثُقْب إبرة" فيما يبدو، فلامست "جدار عتْمة عالي" دون أن تخدشه... إنّه نصيبي المستمر من "جرعة المرارة"، إلى حين ميْسرة... والحمد لله.
.................
بعيداً عن جدل خلايانا، وطول ألستنا، فلنمعن بعض الوقت في بعض التداعيات، فيما بعد نشر السيِّدة "نيوزويك"، حيث عرفوا الأمر منها، ولم يعرفوه من السيِّد "عمران خان"، مع العلم أنّ شوارع "الشرق الإسلامي الأدنى" تحرّكت بعد مؤتمر عمران (مات في مظاهرات أفغانستان 16 شخصاً)، وشوارع "الشرق الإسلامي الأوسط" تحرّكت بعد منشور "نيوزويك" (مات في مظاهرات العرب "ضميرٌ"، واستيقظ "لسانٌ" فحسب!):
** بعد خمسة أيّام من مكتوب "نيوزويك" وثمانية أيّام من صوت "عمران" (السبت 14 مايو)، دعت الجامعة العربيّة للتعامل بجدِّية مع التقرير التي كشفت تدنيس القرآن.
** بعد أسبوع وفي عددها التالي (الاثنين 16 مايو)، نشرت "نيوزويك" تراجُعاً تكذيبيّاً عن تقرير "التدنيس"، حين صدرت يومها باعتذار بعرض الولايات المتحدة (من شرقها لغربها!).
** في نفس ذلك اليوم، انتقدت حكومة أفغانستان المُعيَّنة مجلّة "نيوزويك"، لأنّها تسبّبت في مقتل 16 من رعاياها.
** وفي نفس اليوم أيضاً، أكدّ معتقلون بريطانيّون في "جوانتانامو" في خبر لوكالة الأنباء الفرنسيّة، أنّ الجنود الأمريكيين دنّسوا القرآن مراراً، سواء في سجون أفغانستان أو في قاعدة جوانتانامو. وقال أحدهم ويُدعى معظَّم بك حيث أُفرِج عن في يناير الماضي: "الجميع يعلم أنّ جنديّاً أمريكيّاً ألقى بنسخة من القرآن الكريم في دلو، كان يُستخدَم مرحاضاً في سجن قندهار الأفغاني".
** وفي فجر ذلك اليوم أيضاً (قبل خروج اعتذار "نيوزويك" بسويعات)، اقتحمت قوّات الاحتلال الأمريكي بالعراق مسجداً في بلدة جنوب مدينة الرمادي والمصلِّين يؤدّون صلاة الفجر، وذلك تحت ذريعة البحث عن مسلَّحين. وبعد التفتيش، ركلوا المصحف بأرجلهم عدّة مرّات حتّى أوصلوه للباب الخارجي، وقام أحدهم وهو يحمل صبغة سوداء، برسم الصليب على المنبر سبع مرّات، وعلى سجّادة الإمام ثلاث مرّات، وعلى باب المسجد ثلاث مرّات، وعلى أحد المصاحف أيضاً. (أيضاً، حاولت البثّ والنشر، لكن إسألوا "ثُقْب الإبرة"، أو "الثٌقْب الأسود"!).
** في 18 مايو، قالت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكيّة إنّ حادثة تدنيس المصحف التي أوردتها "نيوزويك" لم تكن الحادثة الأولى، حيث نقلت قصصاً من معتقلين سابقين في "جوانتانامو"، بأنّ امتهان القرآن بدأ منذ مارس 2002 (هذه الصحيفة ليست صادرة باسم منظّمة المؤتمر الإسلامي بالطبع!).
** وفي 18 مايو أيضاً (ليلاً)، اشترت طالبة أمريكيّة مسلمة اسمها عزّة بصر الدين، من مكتبة "أمازون دوت كوم" الإلكترونيّة نسخة من القرآن الكريم، واكتشقت تدنيس النسخة بعبارات مهينة ولاذعة للمسلمين، مثل: "الموت لكلّ المسلمين".
** في 19 مايو، طالب الناطق باسم البيت الأبيض الأمريكي سكوت ماكليلان، القائمون على مجلّة "نيوزويك" بالاعتذار مجدّداً عبر قناة تلفزيونيّة عربيّة... هكذا بكلّ وضوح.
** في 20 مايو، انتقدت صحيفة "ريكورد إيجل" الصغيرة في ولاية ميتشجان الأمريكيّة، إدارة الرئيس بوش بشأن تهرُّبها عن مسؤوليّة تدنيس محقِّقيها وجنودها للقرآن في "جوانتانامو"، والرمي بتلك المسؤوليّة طوقاً حول رقبة "نيوزويك" بشكل مستفزّ.
** في 22 مايو، اعتذرت "نيوزويك" مرّة ثانية – وبشدّة – عبر خبر للوكالة الفرنسيّة.
** وفي 22 مايو أيضاً، أكّدت صحيفة "لوس أنجلوس تايمز" امتهان القرآن الكريم، من فحص النسخ السمعيّة وسجلاّت المحاكم والوثائق الحكوميّة، ومن تقارير منظمّات حقوقيّة، بالإضافة لمقابلات مع معتقلين سابقين من قبل أجهزة الأمن والجيش الأمريكي ومحامييهم، زائداً اعترافات أفراد من الجيش الأمريكي، رغم محاولات مسؤولي الإدارة الأمريكيّة باستنكار تقرير "نيوزويك". وقالت الصحيفة إنّ معتقلاً أقسم على أنّ حارسه الأمريكي، تبوّل ذات يوم على نسخته من المصحف الشريف (... وهذه الصحيفة، ليست ذات علاقة برابطة العالم الإسلامي!).
** في 25 مايو، أظهرت وثائق رسميّة نشرها مكتب التحقيقات الفيدرالي (إفي بي آي)، أنّ معتقلين في "جوانتانامو" اشتكوا عدّة مرّات خلال مقابلات جرت في عامي 2002 و2003، من أنّ الحرّاس والمحقِّقين يدنِّسون القرآن الكريم.
** وفي نفس ذلك اليوم (25 مايو)، أصدر قس أمريكي بياناً اعتذرايّاًَ، لأنّه أخطأ حين وضع لافتة أمام كنيسته بمدينة فوريست سيتي بولاية كارولينا الأمريكيّة، كتب عليها "القرآن يحتاج أن يُلقى في المراحيض"، وكان للمجلس الأعلى للعلاقات الإسلاميّة الأمريكيّة (كير) دوراً مهمّاً في إثناء رجل الدين المسيحي الأمريكي، عن ذلك الموقف الملتبس المخزي.
** في 26 مايو، تلقّى شيخ الأزهر ردّاً من الإدارة الأمريكيّة، على رسالة أرسلها إليها، بأنّه لا توجد أدلّة على تدنيس القرآن في "جوانتانامو"، والتحقيق لا يزال مستمرّاً.
** وفي 26 مايو أيضاً، أعلن متحدِّث البيت الأبيض سكوت ماكليلان، أنّ شهادات السجناء في "جوانتانامو" حول تدنيس القرآن ليست جديرة بالثقة، وقال عبر ندوة صحافيّة إنّهم "تدرّبوا على الكذب وتوجيه اتهامات خاطئة.
** بعد يوم واحد (27 مايو)، اعترف قائد السجن الحربي الأمريكي في "جوانتانامو" البرجادير جنرال جاي هوود، بأنّ الجيش الأمريكي اكتشف خمس وقائع لتدنيس القرآن، من أربعة حرّاس أمريكيين بجانب محقِّق من جلدتهم، ولم يرصد دليلاً دامغاً على حدوث واقعة إلقاء المصحف في المرحاض.
** وفي اليوم نفسه (27 مايو)، مدّت وزارة الدفاع الأمريكيّة لسانها طويلاً، وهي تعلن أن السجين الذي أبلغ ضابط مكتب التحقيقات الفيدرالي عام 2002 بواقعة تدنيس القرآن، تراجع عن أقواله، حيث أفادت بأنّها أثناء التحقيق مع ذلك السجين في 14 مايو "لم يؤكِّد مزاعمه السابقة". هكذا جاءت الجملة من كبير المتحدِّثين باسم "البنتاجون" لورانس دي ريتا، وقال: "لا أعرف ما إذا كان الرجل تنصّل حقّاً من تصريحاته السابقة"... ولاحظوا أيضاً، أنّ تلك الواقعة تم نشرها بعد مرور 13 يوماً (لماذا؟).
.................
هذا ما حدث في مايو، وفي مايو – غالباً – خبرٌ، وعِبَر. في مايو "النكْبة"، و"النكْشة"، و"النُكْتة"، و"النكِرَة"... هذا قليلُ من كثير، سيِّدي "مايو"، قبل أن يطلّ علينا يونيو/حزيران، ونحن نعيش هذه الأيّام الطويلة/القصيرة، فيما بعد كشف حادثة ذلك التدنيس، سواء من مؤتمر "عمران"، أو تقرير "نيوزويك".
فيما يبدو لا شيء يُقال، رغم هذا السرد الطويل، من قلبنا وعقلنا نريد أن نعمل. نعم، نعمل، ثمّ نعمل، وننسى "فصيح الكلام"، وإلاّ علينا أن ننتحب ونملأ الدنيا نحيباً ونقول: "يا زماناً اعْتَوَر... ومكاناً تدنَّس" (!).
* كاتب صحافي سوداني
ameen@alhaqaeq.net