استهداف نبْض الدم لدى قلم ووتر وخشبة
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
دمُهُم طيورُ بلادِهم ورياحِها
دمُهُم معاركُهُم وهدنتُهُم وطرفتُهُم
إذا اندفع الغُزاةْ
دمُهُم ذراعُ صلاتِهم
دمُهُم صلاةْ
(إبراهيم نصر الله)
......
لا أظنّنا نبرح يونيو/حزيران هكذا، دون أن ندمع ونُدمَى، إذ تعتمل دواخلنا ألماً دامعاً دامياً. هذا الشهر الصيفي الحار، يحترُّ أكثر مع ذاكرته، خاطرته، وخاصرته. لا مناص، إذن، من اجترار البكاء. عفواً، إن شئتم ارفعوا عقيرتكم انتحاباً واحتساباً، إنّه الشهر المناسب للتنفيس عن دواخلكم المُخلْخَلة (!).
أحمد مطر تقمّص دواخلكم، وأخرج آهةً عميقة، وهو ينقل رغبة أحد "الاستحواذيين الإقصائيين" من أجل "تصنيمه"، عفواً "تنصيبه": [قالَ حَلاّلُ العُقَدْ: / سَوفَ أحني هامَتي مُمتثِلاً / لو شاءَني الشّعبُ / رئيساً للأبَدْ!]... هذا المقطع تحديداً، يشعرني بحقيقة الامتثال الراضخ لابتلاع "غُصّة يونيو"، خصوصاً إذا علمنا أنهّ قرّر أن يكتب فصول النهاية لـ"قلم ووتر وخشبة"، عبر استهداف "نبْض الدم" لدى تلك الجمادات "الحيّة"، إذا صحّ الافتراض.
في يونيو الذي أبكى وتر الشيخ إمام عيسى، كان حتفه متسقاً بمقام أسطوري مع الذاكرة 28 لآلام "نكْسة" ذلك الشهر تحديداً (7 يونيو 1995). وفي ذاك الشهر أيضاًَ، مات عاشق مسرح من رائحة نيل السودان ورماله، حين فارق عبدالعزيز العميري "رفيق الحرِّية والخشبة" هذه الفانية، في يوم شهد اغتيالهما معاً، على ملأٍ من أثيرٍ وميادين (30 يونيو 1989). وفيه أيضاً، فارقنا قبل أيّام صحافي وباحث ومفكِّر لبناني تنبض خلاياه "حرِّية"، فغدت ذنباً لسمير قصير وقلمه، في عُرْف قاتله.
ما أقسى استهداف "نبْض الدم" لدى هذا القلم، وذاك الوتر، وهاتيك الخشبة، خصوصاً لو أوغلنا قصيّاً في إدراك حقيقة أنّ الدمْ، ذاك السائل الأحمر اللزج الذي يجري في أوعية أجسادنا، يحمل الغذاء والأكسجين وعوامل مقاومة الأمراض إليها (أيْ الأجساد)، وينقل عنها ثاني أكسيد الكربون للتخلُّص منه عبر الرئتين (!).
.................
الخميس، الثاني من يونيو الراهن، في عزّ الظهيرة. ملأ الدم أنف بيروت، واهتزت أوساطها حين بلغ نخبويها نبأ تفجير قلم سمير قصير. لم تهتز بيروت وحدها، اهتزت عواصم أخرى للحدث، حين كانت تنظر للحدث على أنّه دمٌ مُراق من سياسة، لم تُقايِس الأمر بمنظور "نبْض الدم" المُهدَر من قلمٍ نابض. حتّى حين طالبوا بلجنة تحقيق دوليّة، تتحد مع شأن البحث عن قَتَلة الحريري، طالبوها بذلك من أجل ناشط سياسي، لا من أجل رجل فكر وثقافة وصحافة.
سمير "حُرْ... مات"، لأنّه صحافي يكتب عن "حُرْمات"، بكلّ اختصار (عفواً: "حُرْ... مات"، كانت ناصية كتابيّة امتطيها واشتهيها، لكنّها جُرِحت بـ"ألم"، ولم تمُت!). مَنْ كَتَب "مسارت من باريس إلى القدس"، وفسّر رؤاه في إطار "فرنسا والصراع العربي الإسرائيلي"، وكان عميقاً في تناول "تاريخ بيروت" و"حرب لبنان"، حتماً سيبقى صاحياً في خطوط التماس، بغض النظر عن تذكُّر موقفه السياسي المُنتمِي. عبر صدر "النهار" البيروتيّة، استنكر "الخطأ بعد الخطأ"، في آخر عمود كتبه. تلاشى العمود عن موقعه قسراً، وحلّت محله بقعة دم كونيّة، لسان حالها يقول: "لا يصح إلاّ الخطأ" (!).
قتيل البلاط الحُر، يمتد دمه إلى مضخّة قلب فلسطيني. إنّها أمّه "ليلى" المنحدرة من يافا المحتلّة، تلك المدينة فقدت عذريّتها ولم تفقد برتقالاتها. لهذا كان القصير طويلاً، وهو يُوصِل آلام أهل "أرض الرسالات"، إلى حيث ينبغي أن تكون. استفاد من بقائه في عمق الثقافة الفرنسيّة، فكان من دعائم مجلّة "الدراسات الفلسطينيّة" الصادرة باللغة الفرنسيّة، كما أسهم في إيصال هموم قضيّة العرب، عبر كتاباته في "لوموند ديبلوماتيك" و"أورينت لو جورنال" الباريسيّتين. مقتل سمير قصير، لا يختلف ألماً وعُمقاً عن مقتل محمّد الدُرّة، ويكفي أن دمهما تمثَّل مصنعاً جبّاراً لـ"نقطة تحوُّل وارتكاز". لهذا ستتحوّر مقولة مظفّر النوّاب قليلاً (بإضافة اسم، ليس إلاّ)، لتفصح هكذا:
[مُحمَّد! (سمير!) / قد كشفت قمّة العُهْر / عن كلِّ عوراتِنا / خطبُ الذلِّ باعت دماءَك! / كلاّ... / فأنت المُحالُ الذي لا يُباعُ / وأنت الترابُ الذي لا يُباعُ / وأنت السماءُ / وأنت القَصاصْ]...
.................
الرضيع الذي فقد بصره بعلاجٍ بدائي جاهل، لم يكن أمامه غير درب الإنشاد الصوفي مثل أبيه... هكذا تتحدّث طقوس القرية عن مصائر مَنْ مثله غالباً، كما يحكي الرواة والمؤرِّخون. لكن ذلك الضرير وهو فتىً فتيّاً ابن 16 ربيعاً، تمرّد على حياته وأبيه، فلم يأخذ من الجمعيّة الشرعيّة سوى لقب "المشيخة" بعد حفظ القرآن الكريم، فتحوّل إلى تعلُّم العود والمقامات الرئيسيّة والفرعيّة، والنغمات وأصولها وأرباعها وأنصافها، قبل أن يتمرّس على فنون وأسرار الموسيقى الشرقيّة، من أجل خروج ظاهرة المغنِّي المتمرِّد "الشيخ إمام".
إمام محمّد أحمد عيسى خرج من طين "أبو النُمْرُس" المصري، ليمتزج بنار زميل دربه وصديقه الشاعر أحمد فؤاد نجم، فيتشكَّل للوجود صلصالاً وتنداح أغنيات. لولا "نكْسة" يونيو/حزيران، لما عرفناك يا إمام. هذه هي حقيقة التحوُّل السياسي، في أغنيات الشيخ الضرير، حينما تشكَّل منذ ذلك الوقت ثنائي "الشيخ والفاجومي"، فكان طريقاً محفوفاً بأسلاك المعتقلات، بدأ من أيّام "بقرة حاحا"، تلك البكائيّة التي نكأت جراح "النكْسة"، وردّدها الشارع العربي مع الثنائي بـ"عاميّة" كنانة مصر:
[ناح النوّاح والنوّاحة على بقرة حاحا النطّاحة / والبقرة حلوب... حاحا / تحلِب قنطار... حاحا / لكن مسلوب... حاحا / من أهل الدار... حاحا / والدار بِصِحاب... حاحا / وِحْداشَر باب... حاحا / غير السراديب... حاحا / وجُحور الديب... حاحا / وبِيبان الدار... حاحا / واقفين زنهار... حاحا / وفي يوم معلوم... حاحا / عملوها الروم... حاحا /زقّوا التِرْباس... حاحا / هربوا الحُرّاس... حاحا / دخلوا الخوّاجات... حاحا / رايحين في النوم... حاحا / شفطوا اللبَنَات... حاحا / والبقرة تنادي... حاحا / وتقول يا وِلادِي... حاحا / ووِلاد الشوم... حاحا /رايحين في النوم... حاحا / البقرة انقهرت... حاحا / في القهر انصهرت... حاحا /وقعت في البير... حاحا / سألوا النواطير... حاحا / طَبْ وِقْعِت ليه... حاحا / وِقْعِت مِ الخوف... حاحا / والخوف بِيِجِي ليه... حاحا / من عدم الشوف... حاحا / وِقْعِت من الجوع ومن الراحة، البقرة السمرا النطّاحة / ناحت مواويل النوّاحة على حاحا وعلى بقرة حاحا]...
في يونيو حدث التحوُّل الكبير في حياة الشيخ إمام، وفي يونيو مات المغنِّي المقدام. ولأنّ ذكرى رحيله العاشرة تتوافق مع هذه الأيّام، تذكّرته تونس مع ذاكرة "النكْسة"، في احتفائيّة ثقافيّة بمسرح "التياترو" العاصمي، امتدت لثلاثة أيّام (3 إلى 5 يونيو)، ومصر داره تنتظر الاحتفاء به، بعد ساعات من نشر هذا المقال على ما أظن، لكن هل يبادرون بما يليق به (؟).
(#) ملاحظة: نترقّب جميلكم ووفاءكم يا أهل مصر، مع أنّ مبادرة استضافة الحدث جاءت من المركز الثقافي الروسي، لا من المراكز الضخمة لوزارة الثقافة.
(#) ملاحظة ثانية: جميلٌ ما فعله الأشقّاء التوانسة، لكنّهم أفسدوا المبادرة بخبر يقول أنّ مهرجان قرطاج المنتظر في يوليو المقبل، سيشارك فيه مغنِّيون إسرائيليّون.
.................
16 عاماً ولّت، نسي فيها المتلقِّي السوداني اسم المسرحي والشاعر والمغنِّي عبدالعزيز العميري، حين ولّى و"ولّى زمان الحب" معه، كما كان يتغنَّى... 16 عاماً مرّت، ونسى فيها المواطن السوداني سياط تأوُّهاته، حين ربطت السياسة "قناع سلام" على عينيه. 16 عاماً انقضت، لكنّها كانت كافية لأن تُصاب النفوس بـ"السرطان".
امتلأ هذا الشاب السوداني بضجيج حب الفنون، التي سرت في دمه، كسريان الأكسجين والغذاء. كان ممثِّلاً ومخرجاً ومغنِّياً وشاعراً. غنّى: "ولّى فلا تبكي مشيئة القدر"، ولم يكن يدرك أنّه من تولّى سريعاً، دون أن تكتمل أحلامه الجسام نبتاً مُثمِراً. وبكل تلقائيّة أشعاره التي لا تخرج عن محيط "العامِّية" السودانيّة، قرأ نبأ رحيله ضِمْناً:
[أدِّيني سَمْعِك في الأخير / أنا عُمْري ما فاضِل كتير / شالوهو منِّي الأُمنيات / الضايعة في الوَهَم الكبير / والدُنيا ما تمَّت هَنَا / لسّة فاضِل ناس تعاشِر / وناس تَضوق طعْم الهَنَا / بُكْرَة أجمل من ظروفنا / ولسّة جايات المُنَى]...
لو عالجوا بعض تداعيات "سرطان النفوس"، بفضل "كيمياء النفْط" التي تغبطهم، ليتهم تذكّروا أن يتذكّروا عبدالعزيز عبدالرحمن العميري، إن كان في بقايا ذاكرتهم شيئاً من وفاء. أليس هذا الراحل من قال: [فردت أجنحة العَشَم / في ساحة الوطن البتول]...
(#) سؤال بري جدّاً: ألا يزال "الوطن" بتولاً (؟).
قبل أقل من خمسة أشهر، كنت في زيارة عائليّة لمدينة الأبيِّض السودانيّة (مسقط رأس العميري). وهُناك بكيت لما احتضنني العم عبدالعال عبدالحميد، لأنِّني حين أراه وأسمع صوته، أتذكّر والدي
"رحمة الله عليه"، وأتذكِّر تاريخاً عريضاً من ذكريات بينهما. عم عبد العال ربّاني، كما ربّاني أبي. وهو أيضاً ربّى أخي عبدالعزيز العميري، لأنّه خاله الشقيق لوالدته. غُصْت في عيني عم عبدالعال المغرورقة بالدمع، وكدت أسأله: أين عبدالعزيز، لكنني استدركت سريعاً، وحبست سؤالي دمعاً صامتاً.
.................
اسمحوا لي أنّ أتذكّر هؤلاء الأعزّاء، وأهديهم الكتابة أعلاه، من أجل الشيخ إمام عيسى، وسمير قصير، وعبدالعزيز العميري...
** إهداء إلى نقاء هؤلاء وبياض سرائرهم:
الناقد السعودي فائز أبّا.
المصوِّر الفوتوجرافي اللبناني عاصم شعيب.
المسرحي السوداني عبدالحكيم الطاهر.
* كاتب صحافي سوداني
ameen@alhaqaeq.net