أصداء

حزب السلطة وتكتيكات البعبع

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

أُجلت انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني التي كان مقررا إجراؤها في السابع عشر من تموز(يوليو)،كان هذا التأجيل متوقعا لدى العديد من المتابعين والمحللين والساسة الفلسطينيين،التأجيل كان أحد خيارات حركة فتح وهي حزب السلطة الفلسطينية،وكان الخيار الثاني إجراء الانتخابات لتفوز حركة حماس بنسبة من المقاعد تجعلها منافسا قويا لفتح داخل المجلس التشريعي،فوقع الاختيار على الخيار الأول رغم أنه فاقم من اضمحلال تأييد الجمهور الفلسطيني لحزب السلطة،علما أن المأمول لدى أروقة حركة فتح أن تزداد فرص الفوز وتتحسن خلال الفترة المقبلة.

فتح تعيش أزمة وحالة إرباك زادها "البعبع" الذي تجسده حركة حماس تعقيداً بإعلانه المشاركة في الانتخابات التشريعية التي قاطعتها مع الجهاد الإسلامي وبعض قوى اليسار مطلع عام 1996م فكان أعضاء المجلس التشريعي من حركة فتح بمعظمهم إضافة إلى بعض المستقلين الإسلاميين واليساريين وغيرهم مما جعل نكهة المجلس فتحاوية خالصة.

حالة جديدة

تعودت حركة فتح على نمط معين وهي أن تكون رقما وحيدا أي أن تكون بيدها كل مقاليد الأمور دون أن ينازعها أحد وهذا ما ربت عليه عناصرها رغم ستار القنابل الدخانية الإعلامية التي أطلقتها الماكنة الدعائية للحركة والتي رفعت شعارات الرغبة في إشراك الجميع في القرار وتقبل الآخر وضرورة بناء قيادة موحدة....الخ،المؤسسات تحكمها فتح بلا منازع مع تطعيم لبعضها بعناصر من الاتجاهات والقوى الأخرى،هذه العناصر دخلت إلى المؤسسات بحكم اعتبارات عائلية أو مهنية أو حسابات من قيادة فتح وبالطبع لإثبات صدقية الدعاية حول عدم التفرد وأن الجميع في السفينة!

ربما سهل البعبع على فتح مهمتها باعتزاله المشاركة في السلطة،ولكن وبالتوازي مع هذا التسهيل المفترض أو المؤكد تمكن البعبع من إظهار حركة فتح كمسئولة عن الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي أمام عامة الناس فحصل على تأييد جماهيري تزايد مع استشهاد القادة والعناصر تباعاً خلال انتفاضة الأقصى.

لهذا لا نستغرب وجود أصوات داخل فتح تدعو إلى إشراك حماس وبقوة في إدارة السلطة كي يظهر للجمهور أن الخطأ يمكن أن يوجد عند فتح وعند حماس وعند الشعبية،وأن الحال ليس مقتصراً على فتح وعناصرها،لكن رغبة البعبع وإعلانه عن المشاركة تضع فتح أمام حالة جديدة لم تعتدها،فالسلطة ومؤسساتها لم تكن تتسع لفتح وهي وحيدة،ذلك بسبب تسرب ثقافة الأخذ وقبض الثمن إلى الكثير من أبناء فتح الذين تقاطروا لأخذ الرتب والمناصب المدنية والعسكرية،فكيف تتسع السلطة في ظل وجود الخصم الأكبر-داخليا- أو البعبع؟!

إرباك وتحليلات فتحاوية

كثير من المقالات والتحليلات المكتوبة والمتلفزة والندوات المتواصلة في داخل الصالونات الفتحاوية المغلقة والمفتوحة لمحاولة تشخيص الحالة الجديدة ومحاولة الخروج بأقل الأضرار، كتب بعض المنظرين من فتح(مثل بكر أبو بكر) أن حالة الانقسام ستسود داخل حماس لأن حماس اعتمدت على ثقافة الاعتزال عند تربية عناصرها، هذا التحليل يدخل من وجهة نظري من باب رفع المعنويات لإزالة القلق ليس إلا لأن من كتب هذا الكلام ومن يردده يدرك قبل غيره أنه وإن كان هناك تباين في وجهات النظر داخل الحركة البعبع فإن مجرد ما يراه من هو غير موافق أو متحفظ على المشاركة في العملية السياسية من إرباك للحركة الخصم(فتح) كفيل بتغيير وجهة النظر وحتى انقلاب التحفظ والتردد إلى عزم،آخرون كتبوا حول ضرورة ترتيب الداخل الفتحاوي واختيار مرشحين
لقوائم فتح بناءاً على الكفاءة واستبعاد العناصر السيئة واعتماد الشفافية،وهذه دعوات تتردد منذ زمن ولكن لا أثر لها على أرض الواقع،فالناس قد يصوتون لحماس ليس لقناعتهم بكل ما تطرحه بل من باب تلقين الدرس والانتقام من سوء الأداء الذي تميز به عهد إنفراد حزب السلطة بالقرار.

وهناك كما قلت من يقول أن انخراط البعبع الحمساوي في العملية السياسية مكسب لفتح لأن الأخطاء ستظهر مما يتيح لفتح الخروج من إطار الصورة السلبية التي تكونت حولها بسبب الأداء الغير مرضي، كذلك للقول للإسرائيليين أن لدينا معارضة كما لديكم وليس القرار من شخص واحد أو حركة واحدة فقط كما السابق، هذه وجهة نظر لها أهمية وإن طبقت فلها من صحة التحليل نصيب، لكن من يروجون لها هم من المعزولين أو من غير أصحاب التأثير لأن هناك من يشعرون أن مكاسبهم الشخصية مهددة حتى في ظل اللون الواحد فكيف بالطيف؟!

الإرباك داخل فتح أخذ مداه وهو يزداد مع اقتراب اليوم الموعود، والطريقة المتبعة في التنظير لم تتغير بشكل جذري واستغل البعض منافسة حماس من أجل تصوير أنفسهم كمنقذين أو كحالة ضرورية وهو ما حدا بأصوات لها اعتبارها فتحاوياً إلى الصراخ بأن دعوا حماس تربح ما دمتم ستظلون في الصورة،واتهام البعض بأنه يهوّل من تداعيات الوضع الجديد للإبقاء على مكاسبه وامتيازاته.

في ذات الوقت شرع العديد من أعضاء المجلس التشريعي الذي تهيمن عليه فتح بتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب الشخصية والفردية لشعورهم بقرب الرحيل مما ساهم في زيادة الهوة بين هؤلاء الأعضاء والجمهور الغاضب من أدائهم أصلاً،وتأجيل الانتخابات زاد من نقمة الناس على هؤلاء وارتفعت وتيرة الانتفاد الذي بلغ حد الاتهام بشكل لم يسبق له مثيل طوال أكثر من تسع سنوات هي عمر المجلس التشريعي الذي أجريت له انتخابات واحدة حتى اللحظة.

وفي ظل الإرباك وتناقض التحليلات وكثرة الاجتهادات واستمرار سوء الأداء،ترى ما الذي تفكر فيه حماس بالضبط؟وهل مواقفها الجديدة والتي تظهر تغيراً جذرياً هي استراتيجية أم تكتيك مرحلي؟قبل الإجابة على هذا السؤال دعونا نلخص أزمة فتح بمجموعة من النقاط،ولو أن هذا الأمر يحتاج إلى بحث موسع ولكن لا ضير من عرض لأهم عناصر الأزمة:-

أولا: الضغوط المختلفة: هناك ضغوط إسرائيلية وأمريكية وأوروبية وعربية من جهة وأخرى فلسطينية من جهة أخرى على السلطة والتي عمودها الفقري حركة فتح، وقد سجل في هذا السياق تأجيل الانتخابات التشريعية بعيد زيارة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس إلى واشنطن، الإسرائيليون يريدون من السلطة وأجهزة أمنها حراسة أمنهم، بل هم يريدون عمليات مشتركة مع أجهزة الأمن الفلسطينية مثل عمليات "البرق" و"الرمح" "والخنجر" التي تقوم بها القوات الأمريكية والعراقية في وسط وغرب العراق، ولكن الأجهزة الأمنية الفلسطينية لا سيما الأفراد يرفضون هذا المنطق بشكل قاطع ولقد شارك العديد من أفراد الأجهزة الأمنية في عمليات المقاومة وسقط مئات الشهداء المنتسبين إلى أجهزة الأمن، ان كان هناك بعض الأفراد الذين يمكن شراؤهم بالمال أو أنهم يعانون من خلل نفسي لديهم استعداد للعب دور "مغاوير الشرطة العراقية" فعددهم محدود ولا يشكلون حالة عامة في أجهزة أمن السلطة، كما أن إسرائيل تريد من أبي مازن توقيع اتفاق ينهي الصراع ويلغي حق عودة اللاجئين وهو ما راهنت عليه أمريكا أيضا، يبدو أن أبا مازن يريد الحصول على استقرار أو بكلمات أدق وقفا للتدهور خلال الأربع سنوات القادمة وهو غير معني بتوقيع اتفاق في المرحلة الراهنة، وهذا أمر يزعج إسرائيل لا سيما أن عباس لم ينجر إلى لعبة الحرب الأهلية والفصائلية رغم أن هذا ما طلب منه مرارا، وقد حسمت تصريحات وزير خارجية السلطة ناصر القدوة المسألة بإعلانه عن عدم نية السلطة نزع أسلحة الفصائل طالما أن هنالك احتلالا للأرض والشعب، وتلتها تصريحات لعباس في مقابلة مع تلفزيون إسرائيلي أكد فيها أنه لن يدخل في حرب أهلية من أجل نزع سلاح الفصائل، وإسرائيل لا يعجبها هذا الموقف البتة، عباس السبعيني العمر الحاصل على إجازة في التاريخ، لا يريد –كما يبدو- دخول التاريخ كمشعل لفتيل حرب فلسطينية داخلية، كما أنه يدرك تمام الإدراك أنه حتى لو غامر وشن حربا على فصائل المقاومة فلن ينال شيئا من إسرائيل ولا أمريكا، وحتى حماس تثق أن عباس لن يتنازل مثلما تطلب منه تل أبيب ومن خلفها واشنطن، داخليا هناك ضغط شعبي يطالب بالإصلاح الفعلي والخروج من حالة الشعارات إلى تطبيق على أرض الواقع وكذلك وضع حد لحالة الفلتان الأمني السائدة والمتصاعدة، كما أن الأوضاع الاقتصادية لم تتحسن منذ انتخاب عباس.

ثانيا: التشرذم وتعدد المرجعيات: كان عرفات خيط السبحة الذي يجمع الحبات، رحيل عرفات لم يتسبب بانهيار للحركة ولكنه أظهر مدى التشرذم والاختلاف، في حياته كانت الخلافات والصراعات موجودة ولكنه كان قادرا على السيطرة عليها أو على الأقل تأجيل تأججها، كان معوَّلا على المؤتمر الحركي السادس أن يعيد صياغة الحركة على أسس متينة وأن يرتب أوضاعها ويضع حدا لحالة الاحتقان داخلها، لكن المؤتمر أجل إلى أجل غير مسمى، وقد تزامن تأجيل انعقاد المؤتمر مع تأجيل الانتخابات التشريعية!هناك قنابل قابلة للانفجار في أي لحظة، صراعات المقيمين والعائدين، صراعات الشباب والكهول، صراعات القادة الذين يلجأون لاستزلام الأفراد، صراعات المدن والمخيمات والأرياف، ربما برّدت مصالحة عباس مع القدومي جزءا من الصراعات ولكنها قد تكون زادت جزءا آخر؛ القدومي هو زعيم حركة فتح وعباس هو رئيس السلطة، معظم كوادر وعناصر فتح يعملون في مؤسسات السلطة، هذا يشكل ازدواجا في المرجعية، المصالحة رتبت هذه المسألة أو أجلت توقيت انفجارها، ولكن ومن زاوية أخرى ظهر مدى سيطرة كبار السن على مقاليد الأمور وكذلك ما بدا أنه تهميش للكوادر المقيمة في الداخل قبل تأسيس السلطة الفلسطينية.

ثالثا: الفلتان الأمني: لقد كان وزير الداخلية في السلطة الفلسطينية نصر يوسف صريحا في جلسة مساءلة أمام المجلس التشريعي حينما تحدث عن وجود بلطجية ووجود مسئولين أمنيين لهم علاقة بأجهزة مخابرات مختلفة، هذا الحال يتحدث به الكبير والصغير وجاء كلام الوزير ليضع النقاط على الحروف، حركة فتح هي عماد السلطة وخاصة أجهزة الأمن، ولحركة فتح تشكيلات عسكرية يقدر عدد عناصرها في الضفة والقطاع بعشرات الألوف من الأفراد المسلحين،بعض هؤلاء منتسب لأجهزة الأمن المختلفة،لا يمكن أن نرمي هؤلاء عن قوس واحدة،فأحيانا يتمكنون من حل مشاكل يعجز عن حلها القضاء المترهل والكشف عن جرائم تقيدها أجهزة الأمن ضد مجهول،ويلجأ الناس إليهم لحل مشاكلهم،ولكن هذا لا يعني أن هذه التشكيلات على ما يرام ذلك أن عدد أفرادها كبير وولاءاتهم مختلفة وليس لهم قيادة واحدة حتى داخل المدينة الواحدة،ومثلما فيهم الوطني الشريف فيهم من هو دون ذلك أو نقيضه!الحديث عن الفلتان الأمني ازداد وتصاعد وأصابع الاتهام تتجه بقوة نحو فتح وأجهزة الأمن،البعبع الحمساوي تصرف بذكاء في الآونة الأخيرة؛يسرا العزامي طالبة في الجامعة الإسلامية في غزة وعضو في الكتلة الإسلامية التابعة لحماس كانت تتنزه مع خطيبها وشقيقتها فأطلق مسلحون من حماس النار عليهم للاشتباه بأنهم في وضع لا أخلاقي فقتلت العزامي،سارعت الأقلام وأجهزة الإعلام التي لاحظت انحيازها المبالغ فيه للحديث عن أولئك "المنفلتين الذين نصبوا أنفسهم حماة للقيم والأخلاق" وعن مصرينا "اذا تحكم هؤلاء بالقرار الداخلي" وغير ذلك من الكلمات التي كتبت وقيلت،حماس من جهتها خرجت من الموقف أصلب من السابق وزادت من إحراج السلطة وحركة فتح،فقد اتهمت من يتهمها بقتل العزامي بأنه يريد الحصول على مكاسب انتخابية حيث تزامنت الحادثة مع انتخابات محلية في القطاع،كما أنها أكدت أنها كحركة غير مسئولة عما جرى رغم أن الأفراد الذين أطلقوا النار عناصر من حماس،وسارعت إلى دفع دية مغلظة لذوي المغدورة،واعتذرت علنا بحضور وجهاء ونخب ثقافية وأكاديمية،وكان موقف ذوي يسرا لصالح حماس وقبلوا الاعتذار والدية،وقبل ذلك أعلن الشيخ حسن يوسف القيادي الحمساوي في الضفة الغربية أن عناصر من حركته قبل سنوات احتجزوا شخصا من قرية كوبر قضاء رام الله فانفلتت رصاصة أدت إلى مقتله،الحادثة ظلت قيد الكتمان ومحل القيل والقال فجاءت تصريحاته لتزيل الغموض وقام على الملأ بدفع الدية لأهله الذين رحبوا بموقف حماس،الحادثتان في غزة ورام الله زادتا من شعبية حماس وثقة الناس بأنها تعترف إذا ارتكبت خطأ وفي نفس الوقت وجه الأنظار نحو السلطة وفتح،فالكثير من الحوادث التي طالت أشخاصا من فتح بالقتل أو الاعتداء لم يكشف النقاب عنها ولا تزال محل شائعات كثيرة تزيد الأمر إرباكا.

لا شك أن أجهزة الأمن في فترة الهدوء قد ساهمت بتهيئة الظروف للفلتان الأمني الحالي، أنا بعيني رأسي رأيت ضابطا في جهاز أمني قبل اندلاع الانتفاضة وهو يسير بسيارته بسرعة في السوق باتجاه معاكس لخط الشارع المصمم باتجاه واحد، الكثير تمنوا أن يأتي يوم يكون هذا الضابط في حالة عجز عن فعل أي شيء وقد حدث، أنا أعتبر أن الكثير من مظاهر الزعرنة والتشبيح هي انتقام من الفترة السابقة حيث تصرف ضباط الأمن بعنجهية وكأنهم فوق القانون وأخذوا يحابون من يدفع لهم أو من هو قريب، والعديد من ضباط الأمن يعيشون بمستوى لا يتناسب إطلاقا مع رواتبهم دون أن يكونوا أثرياء قبل تأسيس السلطة، ناهيك عن كون أجهزة الأمن ربت عناصرها على الولاء الشخصي وليس تبعية المؤسسة،ومن هنا نستنتج أن الضباط والقادة الذين أحيلوا إلى التقاعد أو نقلوا إلى مهام أخرى لا زالت كلمتهم مسموعة بسبب السماح بالولاءات الشخصية،هناك عناصر من أجهزة الأمن في حالة انبهار بقادتهم لدرجة أنهم يتحدثون للناس عنهم وكأنهم أبطال لا يشق لهم غبار فيما بقية القادة ليسوا على شيء!وقد بلغ الحال ببعض العناصر إلى الافتخار بما لا يجوز الافتخار به؛ أحدهم تحدث بإعجاب عن قيام قائد جهازه بضرب مناضل –فتحاوي للمفارقة- بلا وجه حق! ومن هنا -إضافة لما ذكره وزير الداخلية عن العلاقة مع مخابرات خارجية- تكمن صعوبة دمج الأجهزة الأمنية وتوحيدها، ولا شك في تورط العديد من عناصر الأجهزة في حالة الفلتان الأمني، عدد المنتسبين لأجهزة الأمن حوالي 58 ألفا ورغم ذلك هناك قتل وجرائم أخلاقية وسرقات وفوضى في الشوارع ونزاعات بين العائلات وفي كل عائلة ضباط وعناصر ولاؤهم لعائلاتهم أكثر من ولائهم لأي شيء آخر، فينطلق الرصاص من هذا وذاك،هناك من بدأ يشعر أن الأمر مخطط له من قبل إسرائيل لإظهار الفلسطينيين كمن لا يستطيعون إدارة شئونهم ولذا يجب إبقاؤهم تحت الاحتلال أو تسليمهم لدول مجاورة أو قيادة محلية يتم فبركتها بعد أن يقرف الناس حال وطنهم،وقد كثر الحديث عن الدور الأردني لا سيما في الضفة الغربية!!!

ليس هناك عصابات للجريمة المنظمة في الضفة والقطاع ولكن حالة السلم الاجتماعي مهددة بشكل مريع وأصبح كل مواطن مشروع قتيل برصاصة طائشة في نزاع قد لا يكون له فيه ناقة ولا بعير،بإمكان فتح أن توقف التدهور الأمني أو أن تحد منه على الأقل والجمهور الفلسطيني يطالب ويلح وكذلك "البعبع" وبقية فصائل المعارضة.

رابعا: عدم التهيؤ لشراكة الغير: قلت إن فتح اعتادت أن تكون رقما وحيدا وهذه ثقافة ترسخت وتغلغلت ورغم إدراك بعض القيادات الفتحاوية أن هذا زمان أزفت ساعة تحوله إلى تاريخ، وقناعة هذه القيادات بأن المشاركة باتت أمرا ملحا، إلا أنه يصعب نزع هذه الثقافة بسهولة، كانت فتح مستعدة لقبول حركات من مثل فدا وجبهة النضال الشعبي وما شابهها وهي حركات تحتاج إلى مجهر إلكتروني لترى بين الجماهير حسبما يعبر البعض، هي حركات في توافق تام يقارب الاندماج مع فتح وهمها الحصول على الامتيازات والمناصب ليس إلا، ولذا قبلت فتح بأسماء كثيرة وحجم يقارب الصفر، ولكن الأمر يختلف عندما يتعلق الأمر بالبعبع الحمساوي الذي له رصيد شعبي كبير وتأثير لا تخطئه العين، رغم قناعة فتح أن حماس لن تحصل على مقاعد أكثر مما ستحصل عليه فتح إلا أن حالة من عدم التهيؤ النفسي والثقافي تسيطر على فتح، فتح تريد كل شيء وكل شخص وكل مؤسسة من رئيس السلطة وحتى مختار أصغر قرية فلسطينية، تريد البسط والمقام، الرطب واليابس، السطح والقاع..، وإلا ما سر الاهتمام الفتحاوي الذي يكاد يصل حد الهوس بانتخابات مجلس قروي أو بلدي هنا أو هناك؟ وقد سجل في هذا سابقة اتهام السلطة للمعارضة بتزوير الانتخابات بعكس ما يجري عادة في أصقاع العالم!حتى لو كانت حماس ستحصل على عشرين مقعدا فقط في المجلس التشريعي فأوساط فتحاوية كثيرة ترى هذا أمرا سلبيا، مخطئ من يعتقد أن المشكلة حصول حماس على أغلبية، لا، المشكلة في ثقافة مترسخة لدى أوساط واسعة في حزب السلطة ترى أن فتح لها الملك ولها الحكم، وكما أسلفت فإن هناك كوادر وقيادات فتحاوية ترى أن الزمن زمن المشاركة وتقاسم السلطة وتداولها ولكن أنّى لهذه الكوادر إقناع الآخرين بوجهة نظرها؟!

خامسا: طغيان المصالح الشخصية على مصلحة الحركة: المفروض أن تكون المصلحة الوطنية فوق المصالح الحزبية والفئوية، لكن أزمة فتح أكبر من ذلك؛ فمصلحة الأفراد ونرجسية بعض الممسكين بنواصي السلطة ودوائر الحركة تبدو أهم من حركة فتح ومستقبل حركة فتح!هناك شبه يقين أن وجود سين أو صاد من الشخصيات في قوائم حركة فتح الانتخابية يعني تصويت العديد من غير المنتمين وحتى من مؤيدي فتح نفسها للكتلة الحمساوية المنافسة، ورغم هذا اليقين فإن هؤلاء يصرون على الترشح وليكن ما يكن، إن الكثير من أعضاء كتلة فتح في المجلس التشريعي ينوون خوض التجربة من جديد وهم يعلمون أن الشارع الفلسطيني غاضب من أدائهم، كاره لتصرفاتهم وناقم عليهم، ولكنهم بما يتمتعون به من نفوذ وتغلغل ومال وفير يستطيعون زج أنفسهم في القوائم والنتيجة-بالتأكيد- لن تكون أفضل مما لو كانوا غير موجودين؛ قس على هذا كافة المناصب التي يتولاها فتحاويون مكروهون من الشعب، ولكنهم يتجاهلون مشاعر الشارع ويدوسون على مصلحة الحركة التي ينتمون إليها ليبقوا في مواقعهم، الناس يتحرقون لعقابهم عبر صناديق الاقتراع!

تكتيكات البعبع

حسمت حركة الجهاد الإسلامي موقفها بالإعلان عن عدم المشاركة في الانتخابات التشريعية، هذه الحركة ليست ذات تأثير شعبي كبير مقارنة مع حماس، الجهاد تركت مسألة التصويت كخيار لأعضائها، طبعاً لن يصوت عناصر الجهاد لمرشح فتحاوي إن رغبوا بالتصويت، فرص البعبع تزداد إذن!

حركة حماس تعتمد تكتيكاً مرحلياً وليس استراتيجية بإعلانها عن الرغبة في المشاركة في الانتخابات التشريعية وبإعلانها الاستعداد للمشاركة في منظمة التحرير الفلسطينية في حال أعيد ترتيب أوضاع الأخيرة، ما هي معالم هذا التكتيك وحيثياته وبواعثه؟

يمكن الإجابة على هذا السؤال بالنقاط التالية:-

1. الاستجابة لمطالب العناصر والشارع: طوال الوقت ظل عناصر حماس الراغبين بالحصول على وظيفة تحت رحمة أجهزة الأمن التي تشكل فتح عمودها الفقري وأحياناً كان يطلب من العنصر الراغب بالتوظيف -بغض النظر عن مؤهلاته- نبذ أفكاره وإظهار نوع من الالتزام بحركة فتح أو السكوت عن أخطاء السلطة، لدى حماس مؤسسات عدة ولكنها لا تستطيع استيعاب جميع العناصر ولأن تلك المؤسسات كانت عرضة للإغلاقات من قبل السلطة أو من إسرائيل وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر تعرضت هذه المؤسسات لأزمة مالية،كما أن تلك المؤسسات احتكرت من بعض الأوساط الحمساوية التي لم تنصف كثيراً من عناصر الحركة في عمليات التوظيف والدعم،إن تولى المؤسسة ابن قرية حمساوي كان يحرم ابن المخيم الحمساوي، وان تولاها ابن المدينة الحمساوي كان يحرم ابن القرية وابن المخيم الحمساويين وهكذا،لدى حماس عناصر مؤهلة علمياً ومهنياً وهي لا تستطيع بعد التضييق المالي عليها صرف مخصصات كافية لهم،ناهيك عن عدد كبير من العناصر الذي أفرج عنهم أو سيفرج من السجون الإسرائيلية،والجمهور الفلسطيني ظل يلح على حماس وفصائل المعارضة الأخرى بتجنب السلبية والانخراط في مؤسسات السلطة،حماس كانت تغض الطرف عن تلك الدعوات،وفي ظل الانتفاضة الحالية،تزايدت الدعوات بشكل كبير من قبل الشارع الفلسطيني المتعطش للتغيير،حماس مضطرة للاستجابة مخافة تراجع شعبيتها التي اكتسبتها بتضحيات هائلة وهي تريد أن تجني ما زرعته وعدم ترك الساحة لخصمها،وتريد تحرير أسراها لا أن يستثنوا عند الافراجات الإسرائيلية.

2. الإصلاح من الداخل :تدرك حماس أنها عبر صحفها المطبوعة والإلكترونية ونشراتها وخطب الجمعة التي قد تحظر لن تستطيع إصلاح ما فسد أو قد يفسد، وستظل تصرخ ومسيرة ما تراه خطأ تسير بلا كوابح؛ لذا ترى أنها في حال دخولها للمجلس ستعمل على نوع من الأسلمة في زمن العولمة وستكبح جماح من قد يجنحون نحو الخطأ أو الفساد، يرى البروفيسور عبد الستار قاسم أن لا سلطة للمجلس التشريعي على رئيس السلطة الفلسطينية لا سيما فيما يتعلق بموضوع التفاوض مع إسرائيل، حماس رغم تصريحات بعض قادتها بأنها تريد كبح المسيرة السياسية تدرك أن لا مجال من داخل أروقة المجلس التشريعي، ثم أنه لا يوجد أفق سياسي أصلا، ولكن هدف حماس هو الوضع الداخلي، مراقبة الوزارات والمؤسسات، مساءلة المسئولين، منع تمرير قوانين تمس هوية المجتمع الفلسطيني العربية والإسلامية، محاولة منع افتتاح أماكن مجون وفروع لكازينو أريحا، الطريف في الأمر أن حماس عادة ما تكون سببا لحيوية فتح ونشاطها، في أي مجال أو منطقة تكون حماس منافسة لفتح فإن فتح تحسن أداءها وتتجنب الوقوع في الخطأ، أنا أتوقع أن نواب فتح في مجلس تشريعي مختلط سيظهرون تمسكهم بالتقاليد الإسلامية وسيتجنبون أن يظهروا بمظهر المخالف للشرع أو المرتكب للفواحش، والسبب وجود نواب البعبع، إن أداء فتح أفضل ما يكون في جو المنافسة مع البعبع، ولكن في المؤسسة أو المنطقة أو المجال الذي لا يكون فيه تنافس تسود فتح حالة من الاسترخاء وتشتد أجواء التناحر بين أقطابها!

3. وضع أمريكا وإسرائيل : المحافظون الجدد قادوا الولايات المتحدة إلى احتلال أفغانستان ثم احتلال العراق،تل أبيب أصبحت الحليف الأهم لواشنطن ولكن الرياح لم تجر بما تشتهيه سفن المحافظين الجدد،المقاومة العراقية وضعت الأمريكيين أمام معادلة جديدة، لهذا بدأوا بإجراء حوارات مع قوى إسلامية مختلفة سواء تلك الموسومة بالإرهاب (حماس وحزب الله) أو المعتدلة حسب تصنيفهم.

إسرائيلياً كان الوضع صعباً، شارون الذي قال أن نيتساريم كتل أبيب اضطر للإعلان عن خطة الفصل القاضية بالانسحاب من قطاع غزة وتفكيك المستوطنات فيه، ولم يحقق شارون الأمن خلال المئة اليوم الموعودة للجهمور الإسرائيلي ولم يعلن الفلسطينيون عن الاستسلام رغم الخسائر الهائلة في الأرواح والممتلكات،لأمريكا خطط تتعلق بإيران ودول أخرى ولا يمكن تحقيقها إلا في ظل الهدوء ولو النسبي على الساحة الفلسطينية،ومن تجربة أوسلو فإن قادة واشنطن وتل أبيب أدركوا أن حزب السلطة وحده لا يكفي لضمان الهدوء بل يجب ضمان موافقة فلسطينية كاملة على التهدئة،حماس والجهاد الإسلامي نفذتا عمليات في ظل حالة الدفء في العلاقة ما بين السلطة وإسرائيل،فكيف وقد توترت العلاقة وارتفعت أصوات الثأر في الداخل الفلسطيني،التقطت حماس الإشارة وعلمت أنها وإن كانت بعبعاً لفتح،فالقاعدة بعبع لأمريكا،ويجب أن تقبض الثمن،أمريكا تخاف من انتشار القاعدة في الأوساط العربية عموماً والفلسطينية خصوصاً وهي مضطرة للتعاطي مع حماس وإن بحذر شديد وبشروط لن تقبلها حماس،وهذا ما يفسر تصريحات وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس،ولكن حماس لن تغامر بإرضاء الأمريكيين على حساب الشارع المؤيد لها،وهي غير مستعجلة فها هي واشنطن تعلن أنها تفاوض المقاومة العراقية المسلحة بعدما كانت ترفض هذا،وسيأتي يوم تتعامل فيه مع حماس بنفس الطريقة.

4. ترتيب الوضع الداخلي: إسرائيل تتحدث عن قرب اندلاع انتفاضة ثالثة وحماس تدرك أن هذا غير مستبعد في ظل رغبة إسرائيل بتكثيف الاستيطان وتزايد الأخطار على المسجد الأقصى، هي فقدت الكثير من العناصر والقادة والجراح أثخنتها وتحتاج إلى ترتيب الصفوف والتقاطا الأنفاس، صحافة إسرائيل تتحدث عن هذا ولكن ما باليد حيلة، فإما زيادة التفجر في الأوضاع وخروج عناصر غير ملتزمين إلا بنهج القوة ولا ضابط لهم وإما غض الطرف عن العدو المنضبط، أقصد أن وتيرة المواجهة ستحافظ على نسق معين إلى حين تفجر الانتفاضة الثالثة وهو ما يبدو قريبا!

5. استنساخ تجربة حزب الله : تفرك حماس يديها بانتظار اللحظة التي ينتشر عناصرها داخل المستوطنات التي ستخلى في غزة وهم يرفعون الرايات الخضراء وصور الياسين والرنتيسي وغيرهم، الرسالة ليست للداخل بل للخارج العربي والإسلامي والعالمي، لبث رسائل معروفة، حزب الله سبق وأن فعل ذلك في الجنوب اللبناني وحماس تريد السير على نهج حزب الله، حزب الله دخل اللعبة الانتخابية في لبنان، وسحب شعار "الثورة الإسلامية في لبنان" و استبدلته بشعار "المقاومة الإسلامية في لبنان"، وانفتح على كل القوى والطوائف اللبنانية وأقام علاقة مدروسة مع السلطة ومع السوريين وواصل الحرب على الجيش الإسرائيلي وجيش لحد، وكانت النتيجة هي رفع رايات حزب الله فوق الأراضي التي أخلاها الإسرائيليون، فأصبح حزب الله اسما ونهجاً معروفاً في كل العالم وتقاطر الإعلاميون والمفكرون والسياسيون إلى لبنان لإجراء مقابلات واجتماعات مع مؤسسات الحزب الإعلامية والسياسية، حماس تحلم بهذا وهي خبأت بنادقها وأعلنت عن الالتزام بالتهدئة والرغبة في المشاركة في السلطة وأعلنت عن ترشيح مسيحيين في قوائمها الانتخابية وهو ما يشكل لطمة لحزب السلطة الذي كان يتهمها بالعنصرية والطائفية، الهدف هو الوصول إلى ذاك اليوم-انسحاب إسرائيل- وتلك اللحظة، سيكون صوت حماس مسموعاً:ها هي إسرائيل تندحر بالنهج الذي قلنا عنه، وليس بنهج التفاوض والتنازل.

6. محاصرة حزب السلطة: فتح تعيش أزمة، حماس مرتاحة لهذا، أبو مازن رئيس السلطة ورئيس منظمة التحرير ومرشح فتح الفائز بالرئاسة يجري حوارات مع حماس وهو كما يبدو غير مبالٍ باحتمال تحقيق حماس فوزاً محدودا في الانتخابات، لأنه يريد احتواء حماس أولا و يريد درعاً من خارج فتح ثانياً ولكنه لا يريد لحماس أن تحصل على نسبة كبيرة من الأصوات، حماس تشعر بأن كل أحزاب الوطن العربي التي حكمت بلدانها بشكل شمولي تعيش أزمات صعبة ولحظات مصيرية وتهب عليها رياح التغيير أو الإقصاء أو مشاركة المعارضة وحركة فتح ليست بعيدة عن هذه الدائرة التي شملت أحزاب مثل البعث العربي الاشتراكي والوطني المصري وغيرها وهي (حماس) ضمنت رصيداً جماهيريا باعتبار ما قدمته من دماء وتضحيات، ولكنها تدرك أن التأييد لها سينقلب إلى معارضة ضدها إن أساءت الأداء لذا ستحرص في كل المواقع التي تفوز فيها سواء هيئة محلية أو مقعد في المجلس التشريعي على تحقيق أكبر قدر ممكن من المهنية وإشعار الناس باختلاف الصورة، لن تترد حماس بالعودة للعمل المسلح إن شعرت أنها مستهدفة من أجهزة أمن السلطة أو إسرائيل مما سيدفع إسرائيل للعودة إلى أساليبها في التعاطي مع الفلسطينيين علماً أن إسرائيل خففت من أساليبها ولم توقفها نهائياً؛ إذن حماس تتبع خطة محكمة تتمثل بإبقاء خيار المقاومة ضد إسرائيل قائماً وهذا سيزيد من "لخبطة فتح" وفي ذات الوقت تلجأ إلى المشاركة في الانتخابات وانتهاج أساليب مهنية بعد الفوز المفترض ليقع الخصم الفتحاوي بين فكي الكماشة.

هذه باختصار معالم الخطة التكتيكية التي تتبعها حماس والتي هي بعبع حركة فتح التي تعيش أزمة داخلية متزايدة بفعل تلك الخطة وبسبب سياسة محمود عباس، ولكن هل ستنجح هذه الخطة ؟ربما، وهي كما أكدت تكتيك مرحلي مرتبط بعوامل داخلية حركية وداخلية فلسطينية ومحيط عربي غير مستقر والأهم من هذا سياسات إسرائيل التي قد تقلب كل شيء، خاصة في ظل تزايد تهديدات غلاة المستوطنين بهدم الأقصى أو قتل شارون أو تنفيذ مجزرة ضد الفلسطينيين!

سري سمور

جنين-فلسطين

عضو تجمع الأدباء والكتاب الفلسطينيين

sari_sammour@yahoo.com

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف