الوحدة في ظل الأختلاف
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
كلما تجسدت خطوة جديدة في مسيرة النضال الوطني الديمقراطي الكوردي في سوريا، بإتجاه تحقيق الأهداف القومية المشروعة للشعب الكوردي، إتسعت فجوة الخلاف و الشرخ في صفوف الحركة الكوردية، بما لا ينسجم،على الأقل، مع طموحات الشارع الكوردي،المطالب بالحد الدنى من التنسيق و التفاهم، بين أحزابه السياسية، للإستفادة من الأوضاع الداخلية و الدولية الراهنة.
و لعل أهم أسباب و مبررات هذا الخلاف، هو عدم الإتفاق على سبل و، وسائل التعاطي مع الهم الكوردي، في سياق المناخ السائد. فهناك العديد من القوى الكوردية التي، ماتزال غير منفتحة على الأنشطة الجماهيرية التي نظمت في السنوات الأخيرة، وجدت فيها مبررات كافية للشوفينية العربية، للإستمرار في سياساتها العدائية بحق الشعب الكوردي في سوريا في حين، أن قوى أخرى، ترى من الضروري، الإستفادة من المتغيرات الدولية، و جملة الضغوطات الأمريكية على النظام السوري، و تجد الفرصة التاريخية سانحة ليس للكورد فحسب، و إنما لجميع القوى الوطنية و الديمقراطية المعارضة، لتوظيف نتائج و تداعيات، سواءا ما حدث في العراق، أو ما حدث على خلفية الإنسحاب السوري المهين من لبنان، لتصعيد التحركات الجماهيرية، بغية تحقيق التغيير الديمقراطي المرتقب، و بما يحقق، عودة الحياة السياسية الطبيعية و الغائبة منذ أكثر من أربعة عقود في البلاد.
و كانت التظاهرة السلمية الأخيرة في القامشلي،عشية إنعقاد المؤتمر العاشر لحزب البعث، المطالبة بإيجاد حل ديمقراطي سلمي للمسألة الكوردية في سوريا، و الكشف عن الجناة الحقيقيين، في قضية خطف، و إغتيال العلامة الكوردي الشيخ محمد معشوق الخزنوي، الذي أختطف في دمشق في 10-05-2005، و سلمت جثته الى ذويه في 01-06-2005 في مدينة دير الزور، موجة جديدة من موجات المد و الجذر بين أطراف الحركة الكوردية.و حامت حولها الكثير من اللغط و سوء الفهم بين تلك القوى، و نشئت جرائها مناخ سلبي في المشهد الكوردي ما لبث أن ادى الى نشوء نوع من الإستقطاب السياسي حول فكرتين أو تصورين لا ثالث لهما، هما : الأول، تصعيد الفعاليات الجماهيرية الكوردية في سوريا، و إستخدام الشارع الكوردي و جماهيريه العريضة، ورقة ضغط لدفع النظام صوب، إعادة النظر في مجمل سياساته المتبعة بحق الشعب الكوردي، من خلال توظيف سلسلة محاكمات المعنقلين و الناشطين الكورد في محاكم الدولة، من أجل دعوة الكورد الى التظاهر، و إبداء مشاعر عدم الرضى و الإستياء، فضلا عن إحياء المناسبات القومية، و الحوادث الطارئة في نفس السياق إنطلاقا من أن الظرف الدولي أصبح ملائما للتحرك، و قطف ثمار التغيرات الهائلة، التي شهدها العالم، منذ بداية العقد الأول من القرن الحالي. حيث لم يعد بإستطاعة الأنظمة الشمولية، أن تمارس إرهابها في وضح النهار، كما فعلت في السابق، في الوقت الذي تجد فيه، سيف العقوبات السياسية و الإقتصادية مسلولة على رقابها، و ترى الإحتضان الدولي للمنظمات و الهيئات المدنية النشيطة في بلدانها، الأمر الذي ساهم، في نشوء هامش من التحرك المجتمعي، و الحراك السياسي، و نزعة الإحتكام الى الشارع، لتأمين شروط و متطلبات التغيير الديمقراطي السلمي، إستنادا على مصالح جميع مكونات و أطياف المجتمع. بل أن أصحاب هذا الرأي أو التصور، بدأوا يقرأون أسباب و خلفيات التغيير الحاصل في العالم في السنوات الماضية، إنطلاقا من القناعة، التي بدأت تترسخ في أن، المصالح الإقتصادية العليا، و الإستراتيجية، للدولة العظمى، لا تنفصم عن الأمن و الإستقرار الدوليين، لتأمين أفضل الشروط للإستثمارات، و الشركات العابرة للقارات، التي تحتاج الى مناخات سياسية صحية، و أنظمة إقتصادية، تستجيب لشروط إقتصاد السوق، و المنافسة الحرة، كما تنص عليها، قوانين منظمة التجارة العالمية. لهذا فأنهم، لن يتوانوا،عن الإستفادة من موجة الليبرالية الإقتصادية الجديدة في عالم اليوم، لا الأمس، للتذكير بأن، الإصلاحات السياسية، و تطبيق القانون، و احترام حقوق الإنسان،هي، أولا و أخيرا، عناوين أساسية لإعادة الحياة الى المجتمع، و حتمية تاريخية، لتحقيق التنمية الإقتصادية. أما أصحاب التصور الثاني : فهم مايزالون أسرى سياسات الماضي،و يرتكنون الى معطيات لم تعد قائمة على الأرض، منطلقين من الرأي القائل، أن الشوفينية البغيضة، ما تزال، تتربص بالشعب الكوردي، و تتسنح أدنى فرصة، للإنقضاض على حركته السياسية، لممارسة المزيد من المشاريع، و السياسات العنصرية، متناسين في الوقت نفسه، أن العالم أضحى قرية صغيرة، و ما يحدث في أصغر قرية، في الجانب الأخر من الأرض، تشاهده و تسمعه، عبر الأثير و الأقمار الإصطناعية، أناس في الجانب الأخر، في نفس اللحظة. بل أن أصحاب هذه التصور، ما يزالون، يراهنون على معجزة، من طراز معجزات الأنبياء، في أن يستجيب النظام الى منطق العقل و الحكمة، و أن يتعامل بجدية مع المتغيرات الدولية، لتغيير سياساته، و أشكال تعاطيه، مع الملفات الداخلية الملحة مما لا يستدعي الإستعجال، و لا يستوجب، تقديم المناضلين الكورد، لقمة سائغة لأفواه الشوفينيين، لهذا تجد أصحاب هذا الرأي، يصفون، كل تجمع جماهيري، بالعمل السياسي المراهق، و رفع كل شعار مطلبي، بالتطرف الماسخ، و كل شكل من الرجولة و الشجاعة، مظهر من مظاهر الزعرنة، و غيرها، من المفردات الكابحة، و المعرقلة، لحركة التاريخ السائر الى الأمام. فهم يطلبون، عشرة خطوات الى الوراء، مقابل خطوة الى الأمام، وعلى أن تكون تلك الخطوة، محسوبة، و موزونة تناقش بجدية، و تعرض على جميع أصحاب الأمر، و تستوجب إقامة الموائد، و الطاولات المستديرة، و البيضوية، و دعوة القوى الوطنية و اللاوطنية إليها، تحت عنوان الواقعية، و الروح السياسية المسؤولة، و كل ذلك بذريعة المثل القائل " المحتاج منيوك "!؟!.
إزاء هكذا مشهد كوردي يشعر البعض بالإحباط و اليأس و كأن الرهان الغير واقعي مازال ماثلا و المتمثل في إجتماع و إتفاق الكورد بجميع تياراتهم و فصائلهم على رأي واحد و شكل موحد من التحرك و نسق منسجم من التعامل و التعاطي مع الهم الكوردي متناسين أن هذه اللوحة المثالية مفقودة حتى في أعظم المجتمعات المتحضرة و أرقى الديمقراطيات المعروفة. فإشكالية المشهد السياسي الكوردي في سوريا ينحصر، برأي، في غياب الثوابت القومية، و الرؤى الإستراتيجية، و عجز التفاعل مع المحيط الوطني و الدولي، و هو ما أثبتتها الإستحقاقات السابقة و التاريخ الطويل من الإنغلاق و الإنكفاء على الذات. فليس من المهم أن نختلف، و إنما من المهم أن نتوحد في ظل الإختلاف، و هذا ما نحتاجه، فهل من منقذ و مستجيب؟.