أصداء

آخ يا بلدي!

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

لم أعشق السياسة يوماً ولن أعشقها، خصوصاً مع الكم الهائل من المحاولات السياسية الفاشلة التي تعصف بعالمنا العربي، لكن ورغماً عنها، وجدتُ نفسي تنخرط في عالم السياسة وتسعى لمعرفة ما يجري من حولها، خاصة في الأشهر القليلة الماضية. فالأحداث التي جرت في لبنان ودفعت بالوطن إلى تغييرات كبيرة وغريبة بعض الشيء، خاصة بين المتخاصمين بالأمس في ساحة الحرب، تجعل المرء منا يتوقف برهة ليتساءل: هل هذا هو الجو الديموقراطي الذي يتحدثون عنه هنا وهناك، في أروقة المجلس النيابي والحكومة والأحزاب والمنظمات الأهلية والإجتماعية والثقافية، وحتى في المقاهي؟.. لم أفهم يوماً سياسة لبنان، مع أنني مولودة فيه وعشت فيه زهاء ثلاثين عاماً بين حرب وسلم وخصومات وتوافق، واليوم أتفرج من بعيد وكل ما أراه أو أسمعه غير مفهوم.

يقول ساسة البلاد أن التغيير حصل بعد 14 آذار، لكنني لا أرى إلا تكراراً لفورات حصلت في الماضي لكن كثيراً لم يتغير ولم يتحقق. يقولون أن الشباب هم أساس ثورة 14 آذار، واليوم أبحث عن الشباب ودورهم في تفعيل هذه الثورة فلا أجد أحدهم في الشارع يطالب بديموقراطية الإنتخاب وحق التمثيل الصحيح، بل أنهم اختفوا بالتحديد اليوم وحكومة بأكملها على شفير النسف لأنه لم يتم التوافق بعد من يأخذ كرسي وزارة العدل أو من يستولي على حقيبة الداخلية. وحتى في الإنتخابات النيابية، التي توقَع لها الجميع أن تكون تكريساً فريداً لمبدأ الحرية والعملية الديموقراطية الخالصة التي ما كانت لتحصل بوجود السوريين في البلد كما قيل، فإذا بالأسماء التي جاءت معظمها معروفة ومحسوبة ضمن تكتلات معينة، حتى أن بعض اللوائح اكتسحت بأكملها وهذا ما لم يكن يحصل في زمن الحرب والوصاية السورية.

إذن، ما الذي حصل؟ هل اتفق الجميع فجأة على هذه الأسماء لتمثَلهم أم أن مقتل الحريري كان السبب الدافع وراء توجه مناصرين إلى وضع اللائحة "زي ما هيي" كرمى لعيون ابنه الشيخ سعد، وكذلك فعل محبي الزعيم الدرزي وليد جنبلاط ليُقال أن الدروز متكاتفين مع زعيمهم، والعماد عون اكتسح المتن لأن شلة كبيرة من مناصريه ترابض هناك، حتى القوات اللبنانية وفي المرة الوحيدة التي قررت المشاركة في الإنتخابات تحت راية الطائف، لم تتوان عن ترشيح أكثر من 20 نائباً ليفوزوا جميعاً. وبالتالي، عاد شبح الطائفية بشكل وإخراج جديد يغزو ساحة العملية السياسية في لبنان لينعكس على كافة أطياف الحياة فيه. والمفارقة الأكبر أو الكذبة الأكبر التي أتحفنا بها ساسة البلد الآن هي "المصالحة الوطنية" الشاملة لضم الجميع تحت راية الوطن لخدمته، وبين ليلة وضحاها بات مقر سمير جعجع في وزارة الدفاع يعج بالزوار أكثر مما تحمله أجندة جورج بوش من مواعيد، ومن كان يتمترس وراء أكياس الرمل بالأمس ويتقاتل مع أزلام القوات اللبنانية وبعدها المطالبين بحبس "الحكيم" وإنزال أقصى العقوبات فيه، نجده اليوم المدافع الأبرز والأكثر حركة لطلب الإفراج عنه. وكأن غسل القلوب بهذه الطريقة بات أسرع من لمح البصر ومن دون التبصر السليم لحيثيات هذا التحول وانعكاساته على اللبنانيين الذين يعلمون علم اليقين أن هذه التحالفات هدفها الأول هو المصالح الشخصية والإنتخابية قبل أي اعتبار آخر، بدليل أن الخطوة الأمثل لتحقيق المصالحة الوطنية برأيي، هو التوافق أولاُ على إلغاء الطائفية السياسية التي تحولت إلى طائفية اجتماعية واقتصادية وتربوية وحتى ثقافية، كي نرتفع بالنفوس والنصوص إلى مرتبة تحقيق الوحدة والمصالحة الشاملة بكافة أوجهها وألوانها وتوجهاتها. وبعد انتهاء "مسرحية" العملية الإنتخابية النيابية، حضرت "مهزلة" تشكيل الحكومة وبقوة لتعصف بكل النوايا الحسنة والصور التي عُمل على تلميعها خلال الفترة الماضية ليصوَر كل واحد منهم نفسه على أنه المواطن اللبناني رقم واحد، فإذا بكراسي العدل والخارجية تكاد تطيح بالوحدة والمصالحة الهشة التي اختفت بأسرع مما ظهرت، وإذا بهذه الكراسي نفسها كادت تُقذف من هذا الفريق بوجه ذاك الفريق وعاد الحديث مجدداً عن الكيديات والأفعال السابقة التي قام بها هؤلاء وأولئك قبل الحرب وخلال الحرب وبعد الحرب، وأنستهم حمى الكراسي الوعود والآمال التي رسموها عن وطن يؤمن بمواطنيه وأن الكفاءة هي الميزان الذي به تُزان أعمالهم وتوليهم إدارة البلد للنهوض والسير به قدماً نحو مرحلة أرقى من العمل السياسي الديموقراطي وغيرها من التعابير الرنانة.

وبين اعتكاف أحدهم عن المشاركة تدللاً ليعود بعد عدة أيام عن قرار الإعتكاف بعد توسلات ومحاباة، وبين فئة أخرى لا تقبل بأي شكل من الأشكال أن يمثَل الخارجية إلا من هم من "ملتها" أو برضاها، وبين "الحكيم" الذي قبع أكثر من عشر سنوات تحت الأرض بتهم عديدة واليوم تسعى كبرى وسائل الإعلام المحلية والأجنبية للتعاقد معه لإجراء المقابلات ومنها مقابلة بمليون دولار فيما يشكَل حالة "مانديلا" جديدة (مع أن التشبيه جائر في هذه الحالة)، وبين الضحايا الذين سقطوا بفعل الإنفجارات وآخرين يخشون أن تطالهم أيدي المتفجرات، وبين وطن ما زال يرزح تحت نير مليارات الدولارات من الدين العام، وبين شباب أُعطي حقنة شجاعة وحرية ليخرج إلى الشوارع لينادي بالحرية والسيادة والإستقلال ليعود وينكفىء تحت راية حزبه أو تنظيمه أو مذهبه بعد انتهاء مهمته القصيرة الأجل، وبين أزمة إقتصادية يصرخ منها المواطن المسكين، وبين المزيد من الواقفين على أبواب السفارات لطلب الهجرة ولو إلى قيرغيزستان، بين هذا وكل ذاك، لا يسعني القول إلا :..آخ يا بلدي!

جمانة الصباغ

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف